التفسير التربويالجزء 1 · ص 1283 - 1290

الآيات 53-56

الآيات 53-56

(53) و (54) و (55) و (56) قوله تعالى: (قالوا: يا هود ما جئتنا ببينة، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، قال: إني أشهد الله واشهدوا أنى بريء مما تشركون. من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم). قال الرازي في تفسير هذه الآيات: ((اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم، حكى أيضا ما ذكره القوم له وهو أشياء: (أولها) قولهم: (ما جئتنا ببينة) أي بحجة، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. (وثانيها) قولهم: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) وهذا أيضا ركيك، لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس. (وثالثها) قوله: (وما نحن لك بمؤمنين) وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود. (ورابعها) قولهم: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) يقال: اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه. والمعنى: أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك. ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام: (إني أشهد الله واشهدوا أنى بريء مما تشركون من دونه) وهو ظاهر. ثم قال: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) (يونس: 71). واعلم أن هذا معجزة قاهرة، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم: بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون، فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقا من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء. ثم قال: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) قال الأزهري: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته. واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته، ومنقاد لقضائه وقدره. ثم قال: (إن ربي على صراط مستقيم) وفيه وجوه: (الأول) أنه تعالى لما قال: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) أي أنه وإن كان قادرا عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب، فقوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) يدل على التوحيد وقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) يدل على العدل، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل. (والثاني) أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) يعني أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يفوته هارب، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: (إن ربك لبالمرصاد) (الفجر: 14). (الثالث) أن يكون المراد (إن ربي) يدل على الصراط المستقيم، أي يحثكم عليه، أو يحملكم بالدعاء إليه)).

1283

الآية 57

(57) قوله تعالى: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ). فيه تحذير من هود عليه السلام لقومه من التولي عن الإيمان والإعراض عن قبول التوحيد من خلال ثلاثة أمور: (الأول) أنه لا يتحمل مسؤولية توليهم لأنه قام بواجبه في التبليغ والدعوة إلى الحق. (والثاني) أن الله تعالى يستخلف قوما غيرهم صالحين مؤمنين بالله. (والثالث) أن توليهم لا يضر الله شيئا لأنه لا حاجة لله تعالى في طاعة المطيع ولا في معصية العاصي. فقوله تعالى: (فإن تولوا) يعني فإن تتولوا (فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ (ويستخلف ربي قوما غيركم) يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم، وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال (ولا تضرونه شيئا) يعني أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئا (إن ربي على كل شئ حفيظ) حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، وقيل: يحفظني من شركم ومكركم، وقيل: حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء.

1284

الآية 58

(58) قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ). فيه تربية على أنه لا أحد ينجو بعمله الصالح وإنما النجاة من العذاب برحمة الله تعالى والعمل الصالح سبب في النجاة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن ينجي أحدا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه» (البخاري ومسلم). وفي الآية ما يدل على نجاة من آمن مع هود من قومه من عذاب يوم القيامة لأنه تعالى كرر النجاة، فقال في نجاة الدنيا من الريح العقيم: (نجينا هودا والذين آمنوا معه)، وقال في نجاة الآخرة من العذاب الغليظ: (ونجيناهم من عذاب غليظ).

1285

الآية 59

(59) قوله تعالى: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم، وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد). فيه تربية على أسباب الهلاك والاستئصال الذي حل بقوم عاد عليه السلام ليكون ذلك عبرة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يجحدون بآيات ربهم الكونية أو القرآنية، ولا يعصون الرسل والدعاة إلى الله تعالى، ولا يتبعون الحكام المستبدين الظالمين الذين يتسمون بالعناد ويتحلون بالجبروت. فقوله تعالى: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم) كذبوا بالمعجزات وأنكروها (وعصوا رسله) يعني هودا وحده، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه، ونظيره قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) (المؤمنون: 51) والمراد النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) أي اتبع سقطاؤهم رؤساءهم، والجبار: المتكبر، والعنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له.

1286

الآية 60

(60) قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة، ألا إن عاد كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود). وفيه تربية على مصير عاد في الدارين حيث حلت بهم لعنة الله في الدنيا كما حلت بهم لعنة الله في الآخرة، ليعتبر بذلك من يريد الاعتبار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) أي ألحقوها (ويوم القيامة) أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك، فتمام الكلام على قوله: (ويوم القيامة). (ألا إن عادا كفروا ربهم) أي كفروا نعمة ربهم (ألا بعدا لعاد قوم هود) أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله، والبعد الهلاك، والبعد التباعد من الخير.

1287

الآية 61

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (هود: 61)

(61) قوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب). فيه ربط بين الطاعة والنعمة، فالنعمة على الإنسان من الله تعالى توجب عليه طاعته من خلال توحيد الإلهية والاستغفار والتوبة. وثمود: اسم جد سميت به القبيلة. وقوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) في موضع التعليل للأمر بعبادة الله ونفي إلهية غيره، فكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدعون لأصنامهم خلقا ولا رزقا، فلذلك كانت الحجة عليهم قائمة وواضحة. والإنشاء: الإيجاد والإحداث، والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه (واستعمركم فيها). والاستعمار: الإعمار، أي جعلكم عامرين لها، ومعنى الإعمار أنهم جَعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأن ذلك يعد تعميرا للأرض حتى سمي الحرث عِمارة لأن المقصود منه عَمر الأرض. وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتوبة إليه، أي طلب مغفرة أجرامهم، والإقلاع عما لا يرضاه من الشرك والفساد. وقوله تعالى: (إن ربي قريب مجيب) يعني أنه قريب بالعلم والسمع (مجيب) دعاء المحتاجين بفضله ورحمته. والقرب: هنا مستعار للرأفة والإكرام، لأن البعد يستعار للجفاء والإعراض.

1288

الآية 62

(62) قوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب). فيه تربية على بطلان التقليد في التوحيد وبطلان اتباع الآباء والأجداد في أمور العقيدة والإيمان، لأن قوم صالح عليه السلام تمسكوا بباطلهم بناء على عبادة آبائهم لغير الله. فقوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل دعوتك النبوة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: انقطع رجاؤنا منك. (أتنهانا) استفهام معناه الإنكار (أن نعبد) أي عن أن نعبد (ما يعبد آباؤنا) المقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأجداد (وإننا لفي شك) يعنون به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله (مما تدعوننا إليه مريب) يعنون أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله. والشك هو التوقف بين النفي والإثبات، والمريب هو الذي يظن به السوء، وهذا مبالغة في تزييف كلامه عليه السلام.

1289

الآية 63

(63) قوله تعالى: (قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير). فيه تربية على طريقة مخاطبة المخالفين، لأن قول صالح عليه السلام لقومه: (إن كنت على بينة من ربي) ورد بحرف الشك (إنْ) مع أنه على يقين تام من أمره في النبوة والمعجزة، إلا أن خطاب المخالفين على هذا الوجه أقرب إلى القبول، فكأنه يقول لهم: قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة، وانظروا أني إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟ فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير؟ فقوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) أي على معجزة (وآتاني منه رحمة) أي نبوة (فمن ينصرني من الله إن عصيته) استفهام ومعنا ه النفي، أي لا ينصرني منه أحد إن عصيته (فما تزيدونني غير تخسير) أي تضليل وإبعاد من الخير.

1290