التفسير التربويالجزء 1 · ص 129 - 136

الآيات 155-157

الآيات 155-157

قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 155-157)

(1) الابتلاء حقيقة واقعة في حياة كل مسلم. وهي حقيقة قدرية لابد من وقوعها، لأنّ الله تعالى أقسم على ذلك بقوله (ولنبلونكم)، والابتلاء ليس أمرا عبثيا بل له أهداف تربوية: (أحدها) كي تعز على المسلمين العقيدة التي يحملونها وتغلو في نفوسهم، فالعقائد التي لا ابتلاء عليها عقائد رخيصة سرعان ما يتخلى عنها أصحابها عند أول صدمة. (والثاني) كي يدرك الآخرون من غير المسلمين قيمة هذه العقيدة وصحتها وصوابها، فعندما يجدون المسلمين متمسكون بعقيدتهم رغم شدة الابتلاء عليها يوقنون أنّ هذه العقيدة صحيحة ، وأنّ إيمان الناس بها صادق، وعند ذلك يتحولون إلى باحثين عن هذه العقيدة، وربما يكون ذلك سببا في إيمانهم بالعقيدة الإسلامية. (والثالث) كي يصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فيكون الابتلاء بالنسبة لهم بمثابة الإعداد لحمل هذه الرسالة ونشرها بين الناس. (والرابع) كي يتميز الذين يظهرون الإيمان، فيُعرف الصادق من الكاذب والطيب من الخبيث، إذ كثيرا ما يُظهر الإسلام أناس ليسوا مسلمين، فالابتلاء يكشف أمر هؤلاء المنافقين ويظهر للناس المؤمنين المخلصين الذين يلتجئون إلى الله وحده عند كل ابتلاء.

(2) قوله تعالى: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَات) ولم يقل بالخوف كله، ولو ابتلى الله الناس بالخوف كله لما زكى منهم أحد ولما نجا منهم ناجٍ، ولكنها الرحمة الإلهية بالناس إذ يبتليهم ببعض الخوف وببعض الجوع، وهذا يؤكد الحقيقة التي ذكرناها سابقا وهي أنّ الهدف من الابتلاء هو هدف تربوي، ومن ثم كان هذا المقدار من الابتلاء الذي يحقق تلك التربية، ولم يكن الابتلاء بالخوف كله أو بالجوع كله أو بنقص المال كله لأنّ ذلك يذهب بالإنسان.

(3) قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِين) يدل على أنّ الله تعالى حينما يبتلي الإنسان فإنما يريد له النجاح في الابتلاء، ولذلك فهو يشجعه على الصبر ويحضه عليه، وكذلك قوله تعالى: (أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون) ترغيب للمسلم في الصبر على الابتلاء، وذلك من خلال تحديد الثواب على الصبر حين الابتلاء، وهذا الثواب هو المغفرة من الله والرحمة والهداية.

(4) ودلت هذه الآيات على أنّ المحن ليست عقوبات وإنما تربية وإعداد للجماعة المسلمة، لأنّ هذه المحن إذا اقترنت بالصبر رفعت صاحبها إلى درجات عالية عند الله.

(5) قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) تربية وتعليم للمسلم كيفية التصرف إزاء الابتلاء، وذلك بالالتجاء إلى الله والتفويض إليه في الأمر كله، لأنّ الإنسان ملك لله (إنا لله)، فلله إذن أن يتصرف في الإنسان كيف يشاء، والإنسان راجع إلى الله يوم القيامة (وإنا إليه راجعون)، فهو يثيب المسلم على الصبر في الابتلاء، ويعاقبه على الجزع وترك الصبر.

129

(6) ومن نماذج هذا الصبر على الابتلاء والتفويض إلى الله حين المصيبة ما رُوي في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أجاره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها»، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية «أنها بعد أن قالت كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجعت إلى نفسها فقالت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتها خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها» (مسلم).

(7) واعلم أنّ الصبر من خواص الإنسان ولا يُتصور من الملائكة ولا من البهائم، أما من الملائكة فلكمالها وأما من البهائم فلنقصانها، وبيان ذلك أنّ البهائم سُلطت عليها الشهوات ولا عقل لها في مقابلة الشهوات، وأنّ الملائكة سُلط عليها العقل ولا شهوات لها في مقابلة العقل، والإنسان فيه العقل وفيه الشهوة، فإن غلّب العقل على الشهوة كان منه الصبر واتصف بصفة الملائكة، وإن غلّب الشهوة على العقل كان منه الجزع والكفر واتصف بصفة البهائم.

130

الآية 158

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158)

(1) قوله تعالى: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا). قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، أي الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما» (ابن كثير). وقال الشعبي رحمه الله: «كان أساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما» (ابن كثير). إن السعي بين الصفا والمروة معروف للمسلمين أنه من مناسك الحج منذ عهد إبراهيم عليه السلام، ولكنهم كانوا في الجاهلية يسعون بينهما، وفوقهما صنمان هما أساف ونائلة، فلما كان الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بين الصفا والمروة، وهذا التحرج هو ثمرة التربية الإيمانية، تلك التي تجعل صاحبها ينظر بعين الحذر والريبة لكل فعل كان يفعله في الجاهلية وإن كان يعلم أنّ هذا الفعل في أصله حق وصواب. وهكذا كان المسلم يخلع على عتبة الإسلام كل ماضيه في الجاهلية وينظر إليه بعين الشك، وهذه النظرة هي الصواب في هذا الأمر، لا كما هو حال المسلمين فيما بعد وإلى الآن، حيث ينقل المسلم معه إلى الإسلام كل ماضيه في الجاهلية ليلبس هذا الماضي لبوس الإسلام وليحاول إيجاد المبررات في الإسلام لمل يحمله معه من الأفكار والأعمال، والتي هي من رواسب الجاهلية. قال ابن كثير عن السعي بين الصفا والمروة: «أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السلام وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك ونفذ ما عندها، قامت تطلب الغوث من الله عز وجلّ، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجلّ حتى كشف الله كربتها ولآنس غربتها وفرج شدتها وأنبع لها زمزم». والحكمة التربوية للسعي بين الصفا والمروة كشعيرة من شعائر الحج هي أن يستحضر المسلم فقره وذله وحاجته إلى الله أولا، ثم أن يلتجئ إلى الله وحده في تفريج كربته وفي نقله من حالة الضياع إلى حالة الهدى، ومن حالة الحاجة إلى حالة الغنى، وهذا لا يكون ما لم يعلم المسلم أصل هذا التشريع، ويستحضر الحالة التي كانت فيها هاجر وإسماعيل عليه السلام.

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم). نلمح من خلال هذا التعبير الذي وصف الله به نفسه (شاكر) أي: مثيب، يشكر للعبد فعل الخير ويثيبه عليه، رحمته تعالى بالناس ورعايته لهم، فما هو موقف العبد إزاء ذلك؟ وماذا يصنع العبد كي يوفي ربه حقه من الشكر والحمد؟ إنّ هذا التعبير هو من أشد التعابير القرآنية ترغيبا في فعل الخير، وهو من نوادر التربية الإسلامية.

131

الآيات 159-162

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (البقرة: 159-162)

(1) نلمح في هذه الآيات أحد أساليب التربية في القرآن وهو التربية بالترهيب والوعيد والعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، وذلك لفئتين من الناس: فئة تمارس كتمان الحق المتمثل بالبينات والدلائل التي أنزلها الله، وفئة تمارس الإصرار على الكفر حتى تموت على ذلك، وإذا كان الترهيب يفيد الفئة الكاتمة للحق بأن تعود إلى جادة الصواب، فإنّ الترهيب لمن يموت على الكفر يفيد أمثالهم ممن يصرون على الكفر ولم يموتوا بعد.

(2) وقد تضمنت هذه الآيات أشد أنواع الترهيب وذلك بتحويل هاتين الفئتين إلى ملعنة لكل لاعن، سواء من الله أم من الملائكة أم من الناس أم من الجن أم من البهائم، وهذه هي العقوبة الدنيوية، وأما العقوبة الأخروية فهي الخلود في النار وعذابها خلودا لا يخف فيه العذاب ولا يؤخر ولا ينقطع. والذي يقرأ القرآن جيدا يجد أنّ شدة العقوبة تتناسب مع شدة الذنب، وكذلك عظم الثواب والمكافأة يتناسب مع عظم الطاعة، وهذا ما يفسر لنل شدة العقوبة في هذه الآيات، لأنّ الذنب عظيم سواء كان كتمان الحق أم كان الإصرار على الكفر. ولشدة الترهيب مدلول آخر وهو أنّ النفوس التي هي محل الترهيب قد غلب عليها الخوف وقلّ فيها الرجاء، فمن هنا كان الأنسب تربويا لهذه النفوس هو الترهيب والترهيب الشديد، وهذا حال النفوس التي تحمل بعض المعاني الإيمانية كاليهود الذين نزلت فيهم هذه الآيات.

(3) كما تضمنت هذه الآيات تعليم الناس التوبة، وذلك أنّ التوبة ليست مجرد الاستغفار من الذنب والإقلاع عنه، بل لابد أن يتبع ذلك تغيير لما أفسده الذنب، وذلك التغيير يكون بالعمل وهذا معنى قوله تعالى: (وأصلحوا)، ويكون بالقول وهذا معنى قوله تعالى: (وبيّنوا)، فليتنبه لذلك أولئك الذين يظنون أنهم تابوا من ذنوبهم وهم في الحقيقة غير تائبين عند الله لأنهم لم يصلحوا ولم يبينوا.

132

الآيات 163-164

قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 163-164)

(1) قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُو) تقرير لوحدانية الإلهية، والأثر التربوي لهذه القاعدة القرآنية هو وحدة الأمة المسلمة، لأنّ وحدانية الإلهية تعني توحيد العبادة والطاعة، وتوحيد التعاليم التي تنظم الأخلاق والسلوك، وتوحيد الشريعة التي يعيش الناس وفق أحكامها، ومنه وحدة الأمة المسلمة، فإذا كان الله واحدا وكان المسلمون يدينون لهذا الإله الواحد فلا مبرر للفرقة والتنازع والتناحر. والتصور الإسلامي في هذه المسألة يختلف عن التصور الجاهلي الذي يقوم على تعدد الآلهة والصراع بين الآلهة، ومنه التشتت والصراع الدائم في المجتمعات الجاهلية التي لا تدين بالإله الواحد.

(2) قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُو) مع قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيم). جمع هذا النص بين الترهيب والترغيب لأنّ قوله تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُو) يفيد الترهيب، وقوله تعالى (الرَّحْمَنُ الرَّحِيم) يفيد الترغيب، والجمع بين الترهيب والترغيب مبدأ تربوي قرآني أصيل، قال الإمام الرازي: «واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين، أي الرحمن الرحيم، لأنّ ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية، وإشعارا بأنّ رحمته سبقت غضبه، وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان».

(3) قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بعد قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد) يدل على الترتيب، أي: ذكر الدلائل بعد أن ذكر الدعوى، والدعوى هي وحدانية الله، والدلائل ثمانية كما نص على ذلك القرآن، وهذا الترتيب يدل على الإثبات، فكل دعوى لا تصح بذاتها، لا تصح الدعوى ما لم يقم عليها الإثبات، فالله تعالى يعلمنا هذه الطريقة في الحوار مع الآخرين، طريقة الدعوة إلى الإسلام مع إقامة الحجج والبراهين على الادعاءات، ويريدنا أن نتربى على هذه الطريقة.

(4) قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية يدل على بطلان التقليد في التوحيد والعقائد والأصول، لأنه لو كان التقليد صحيحا لما كان هناك حاجة لذكر الدلائل على وحدانية الله، فليتنبه لذلك المقلدون في التوحيد لأنهم في خطر، وهذا يدل على أنّ الإيمان بالتوحيد لا يكون بالوراثة كما لا يكون بتقليد الآباء والأجداد، بل يكون الإيمان بالتوحيد عن طريق العلم.

(5) خص الله تعالى هذه الدلائل الثمانية على وحدانية الله لأنّ هذه الآيات الكونية تجمع بين كونها دلائل على الوحدانية وبين كونها نعما أنعم الله بها على الناس، لأنّ هناك دلائل على الوحدانية وليست نعما، وهناك نِعَم وليست دلائل على الوحدانية، ومن هنا نلمح الترابط بين الآيتين: فمن جهة كون هذه الآيات دلائل فقد دلت على قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد)، ومن جهة كونها نعما فقد دلت على قوله تعالى: (الرحمن الرحيم).

133

(6) هذه الآيات ومثلها كثير في القرآن هي من أسس التربية العقلية في الإسلام، لأنّ للقرآن أهدافا تربوية، ومن هذه الأهداف التربية العقلية، التي تقوم على إعمال العقل وتشغيله، كما قال تعالى في هذه الآية (لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون)، وكما قال في ختام العديد من الآيات (أفلا تعقلون) (البقرة:44)، (لعلكم تعقلون) (البقرة:73)، (أفلم تكونوا تعقلون) (يس:62)، (وما يذكر إلا أولو الألباب) (البقرة:269).

134

الآيات 165-167

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: 165-167)

(1) من الوسائل التربوية المعهودة في القرآن الكريم ذكر الشيء وذكر عكسه، فإذا وصف المؤمنين أردف ذلك بوصف الكافرين، وإذا وصف الجنة أردف ذلك بوصف النار، وإذا ذكر الوعد أردف ذلك بذكر الوعيد، وفي الآية السابقة ذكر التوحيد ودلائله فأردف ذلك بذكر الشرك في هذه الآيات. يقول الإمام الرازي: «اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد، لأنّ تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء، ولذلك قال الشاعر: وبضدها تتبين الأشياء، وقال أيضا: النعمة مجهولة فإذا فُقدت فقد عُرفت، والناس لا يعرفون قدر الصحة فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النعم، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية».

(2) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه) يدل على أنّ الصلة الأساسية بين المؤمنين وبين الله هي صلة الحب، ومع أنّ الصيغة إخبارية إلا أنّ المراد منها الإنشاء، فكأنّ الله يقول للمؤمنين: كونوا في حبكم لله أشدّ من حب الكافرين لأصنامهم وسادتهم، وجاء الإنشاء هنا في صيغة الإخبار للمبالغة في توكيد الأمر حتى كأنه قد حصل، وصلة الحب بين المؤمن وبين الله لا تنفي خوف المؤمن من عقاب الله، ولا تنفي طمع المؤمن في ثواب الله، ولكن صلة الحب هي من أرقى أنواع الصلات، والمؤمن إذا أحب الله أحبه الله لأنّ الجزاء من جنس العمل، وبهذا وصف الله تعالى قوما فقال: (يحبهم ويحبونه) (المائدة: 54). وأما الطريق إلى محبة الله فيكون بأن يتماها المؤمن في العبودية وفي الطاعة لله وحده، في النوافل كما في الفرائض، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه» (البخاري)، ويقول الله تعالى في كتابه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه) (آل عمران: 31). ومحبة الله ورسوله مقام عظيم في الإسلام يفرح بجزائه كل مسلم يوم القيامة، ففي الحديث أنّ أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما أعددت لها؟»، فقال الأعرابي: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب»، قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك)) (البخاري).

135

(3) وفي هذه الآيات ألوان من التهديد الشديد والوعيد الأكيد لمن يحيد عن منهج التوحيد فيتخذ من دون الله أندادا، سواء كانت هذه الأنداد أصناما أم سادة وكبراء، نلمح هذا التهديد في قوله تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَاب)، ونلمح هذا الوعيد في قوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب). فهذا تحذير من الله لعباده من عاقبة اتباع الأنداد، وهذا التحذير هو من رحمة الله بالناس ورأفته بهم وشفقته عليهم، وزيادة في التحذير ينبه الله تعالى الذين اتخذوا من دونه أندادا إلى مآل عملهم يوم القيامة فيقول: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِم)، فما أعظمه من موقف يقفه الإنسان إذ يرى أعماله التي عصى الله بها، فتحدث في قلبه الحسرة والندامة، ويرى نفسه في النار ولا مخرج له منها.

136