التفسير التربويالجزء 1 · ص 137 - 145

الآيات 168-169

الآيات 168-169

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 168-169)

(1) موضوع هاتين الآيتين هو التشريع الإسلامي، بينما موضوع الآيات الخمسة السابقة هو العقيدة الإسلامية، ومن هنا نلمح قاعدة من أهم القواعد التربوية في الإسلام وهي الارتباط الوثيق بين العقيدة والشريعة، فالشريعة الإسلامية تنبثق من العقيدة الإسلامية وترتكز عليها، فالإله هو المشرع، والخالق له وحده حق التشريع، وهذا الارتباط هو الضمانة الوحيدة لتطبيق الشريعة، فالإيمان بالله هو الأساس في التزام الناس بالشريعة والسعي الدءوب لتطبيقها، وما لم يوجد هذا الإيمان فإنّ الناس سوف يحتالون الحيل للتخلص من تطبيق التشريعات والالتفاف حولها. والمثال الساطع لهذا الارتباط نجده في ذلك المسلم الذي زنى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بذنبه ويقول: «يا رسول الله، طهّرني» (مسلم)، ولذلك نقول: إنّ المدخل لتطبيق الشريعة الإسلامية لا يكون بفرضها على الناس بالقوة والإجبار، وإنما برفع السوية الإيمانية وتصحيح العقيدة عند الناس.

(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّبا). يدل على أنّ الأصل في الأشياء ومنها الأطعمة والأشربة هو الإباحة، وهذه قاعدة هامة في التشريع الإسلامي ولها أدلتها غير هذا النص كقوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه) (الأنعام: 145)، فجعل الأصل هو الإباحة والتحريم مستثنى. وهذه القاعدة تدل على رحمة الله تعالى بالناس وتدل على سماحة هذا الدين ويسره، كما إنها تبطل التصور القائم على أنّ الدين يعني التحريم والتحريمَ والتحريم، أي: التصور الذي يحمله بعض الناس عن الدين أنه يعني الضيق والمشقة والعنت.

137

(3) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّبا). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إنّ الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به» (ابن كثير). هذا النص الوارد في تفسير هذه الآية يبين لنا مدى الارتباط بين أكل الحلال واستجابة الدعاء، ويبين لنا لماذا لا يستجيب الله للناس في دعائهم، ولما كان كل مسلم حريص على أم يستجيب الله دعاءه فعلينا تربية الناس على أكل الحلال والبعد عن الحرام، البعد عن الحرام في المطعم والملبس والمشرب وفي كل شيء. ومن واجب الدعاة تذكير الناس بالحقيقة الإسلامية في هذا المجال وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس إنّ الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم) (المؤمنون: 51)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون) (البقرة: 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟)) (مسلم).

(4) قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين). هذا تحذير للناس من اتباع الشيطان إبليس ــ أعاذنا الله منه ــ وخاصة في الأكل من الحرام، وفي ترك الأكل من الحلال بتحريمه، كما كان العرب يفعلون في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قال الإمام الرازي في تفسيره: ((ثم بيّن العلة في هذا التحذير وهي كونه عدوا مبينا، أي: متظاهر العداوة، وذلك لأنّ الشيطان التزم أمورا سبعة في العداوة، أربعة منها في قوله تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه) (النساء: 119)، وثلاثة منها في قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين) (الأعراف: 16ــ17)، فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوا متظاهرا بالعداوة، فلهذا وصفه الله تعالى بذلك)).

138

(5) قوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء) يدل على أنّ الشيطان شر مطلق، لأنّ (إنما) أداة حصر تثبت ما بعدها وتنفي ما عداه، كما يدل على أنّ الشيطان لا يأمر إلا بالشر، فإن ظهر من خلال أوامره ما يدعو إلى الخير فاعلم أنّ ذلك تلبيس على الناس، وأنه ما أمر بالخير إلا لأنّ ذلك الخير يجر إلى الشر. ومثال ذلك أن يدعو الشيطانُ الإنسانَ من الأفضل إلى الفاضل، فظاهر الدعاء هو الخير ولكن الشيطان إذ يفعل ذلك فإنما غرضه في المستقبل أن يخرج الإنسان من الفاضل إلى الشر. ومثال آخر وهو أن يدعو الشيطان الإنسان من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق، فظاهر هذا الدعاء هو الخير ولكن الشيطان يريد من ذلك زيادة المشقة في الطاعة كي تحصل النفرة عن الطاعة بالكلية.

(6) قوله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون). تحذير من الله للناس أن يقولوا على الله ما لا علم لهم به لأنّ ذلك مما يأمر به الشيطان ويدعو إليه، وهذا تحذير من كل المذاهب الفاسدة سواء كانت مذاهب كفر أم كانت مذاهب معصية أم كانت مذاهب بدعة، لأنها تشترك جميعا بهذه الصفة وهي القول على الله من غير علم، وكذلك هو تحذير من التقليد وإن كان بالحق في مجال العقائد والأصول. ولذلك قال الإمام الرازي في تفسيره: ((قوله تعالى (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون) يتناول جميع المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق ، لأنه وإن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية)).

139

الآيات 170-171

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 170-171)

(1) إنّ ذم التقليد المذكور في هاتين الآيتين جاء بعد التحذير من اتباع خطوات الشيطان ليدل على أنه لا فرق بين متابعة الشيطان ومتابعة التقليد، وفيه تحذير من اتباع ما يقع في الخاطر من غير دليل، وتحذير من اتباع قول الغير من غير دليل، ومن هنا يجب أن تقوم التربية الإسلامية على نبذ تقليد الآخرين وعلى البحث عن الأدلة والنظر في صحة الأدلة، ولذلك تدخل هذه الآيات في إطار التربية العقلية في الإسلام.

(2) قوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه). معناه كما قال الإمام الطبري: «اعملوا بما أنزل الله في كتابه على رسوله، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واجعلوه لكم إماما تأتمون به، وقائدا تتبعون أحكامه». ومعنى ذلك أنّ الله أنزل القرآن للناس كي يعملوا بما فيه فيكون لهم دستورا ولحركتهم هاديا ومرشدا، ولم ينزله كي يوضع على الرفوف أو يتلى في المناسبات، فهو كتاب حركة لا كتاب بركة.

(3) قوله تعالى: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون). ذمّ الله التقليد وحذر منه لأنّ التقليد ليس طريقا إلى العلم والمعرفة، لا في الأصول ولا في الفروع، وسواء أكان تقليدا للحق أم كان تقليدا للباطل، ولما كان الإسلام يدعو إلى العلم في كثير من نصوصه فإنّ التقليد يتعارض مع الإسلام، وإنما أجاز العلماء التقليد في الفروع ارتكابا لأخف الضررين، حيث إنّ العامي إذا لم يقلد عالما فسيقع في الحرام، من خلال الاجتهاد الخاطئ الذي لا يقوم على علم.

(4) قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون). شبّه الله عز وجلّ الكافر بالأنعام، وشبّه الداعي إلى الحق بالراعي، فكما أنّ الأنعام لا تسمع من كلام الراعي إلا الصوت فكذلك الكافر في تقليده لآبائه لا يسمع من كلام الداعي إلى الله إلا الصوت، ولذلك فهو أصم وأبكم وأعمى عن الحق. ونلمح من خلال هذا التشبيه التربية بضرب الأمثال، إذ إنّ للأمثال أثرها في النفوس، وذلك لما تقوم به من التنبيه والزجر والردع، قال الإمام الرازي في تفسيره: «ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، وتضييقا لصدره، حيث يصير كالبهيمة، فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد».

140

الآيات 172-173

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 172-173)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) معناه: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، واعلم أنّ التصديق يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، أما تصديق القلب فيكون بالعلم والاعتقاد بهذا العلم، وأما تصديق اللسان فهو إقرار لما حصل في القلب من العلم والاعتقاد، وأما تصديق الجوارح فهو العمل بالطاعات واجتناب المنهيات، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم إقرار اللسان وعمل الجوارح إيمانا، لأنّ القول والعمل أجزاء من الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» وفي رواية «الإيمان بضع وستون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (البخاري). وعلى هذا المفهوم الإيماني يجب تربية المسلم، كما يجب التحذير من مذاهب البدعة التي تسعى لمحو الإيمان من حياة المسلمين، وذلك بإشاعة آراء فاسدة عن الإيمان كالقول بأنّ الإيمان يكون بالقول أو أنّ الإيمان يكون بالقلب فقط.

(2) قوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لِلَّه)، اعلم أنّ الشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، أما شكر القلب فهو العلم بصدور النعمة من المنعم وهو الله سبحانه، والعزم على تعظيم المنعم، وأما شكر اللسان فيكون بالإقرار بهذه النعمة وبكونها صادرة عن المنعم وهو الله، وأما شكر الجوارح فيكون بالإتيان بالأفعال الدالة على تعظيم المنعم وهو الله تعالى، وهذه الأفعال هي الطاعات، ويكون بترك المعاصي واجتناب المنهيات، لأنّ فعل المعاصي جحود للنعمة. ومن هنا نجد أنّ شكر الله ليس مجرد الثناء عليه باللسان، فهذا بعض معاني الشكر، والإتيان به لا يجعل المسلم في حل من الإتيان ببقية الأجزاء وخاصة شكر الجوارح.

(3) قوله تعالى: (فمن اضطر). اعلم أنّ للضرورة حالتين: (الأولى) هي الجوع الشديد المفضي إلى الهلاك، وذلك معنى قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة) (المائدة: 3). (والثانية) الإكراه من العدو على فعل هذه المحرمات، وفي ذلك قال مجاهد بن جبر: «الرجل يأخذه العدو فيدعونه إلى معصية الله» (الطبري). وقد توسع الناس في مفهوم الضرورة توسعا شديدا حتى ظنّ العامة أنّ الضرورة كالمطاطة نستطيع شدّها بالقدر الذي نحتاجه، وهذا التوسع في المعنى أدى إلى تدمير الشخصية المسلمة، فصارت شخصية متميعة تفعل المحرمات باسم الضرورة، فليتنبه لذلك القائمون على تربية الأجيال المسلمة، لأنّ في هذا المعنى المتميع لمفهوم الضرورة تدمير للبنيان التربوي الإسلامي.

(4) قوله تعالى: (إنّ الله غفور رحيم) في سياق إباحة الأكل من المحرمات حين الضرورة، هذا الترخيص يدل على رحمة الله تعالى بالناس ورأفته بهم حيث رفع الحرج عنهم، واستشعار رحمة الله في هذا المجال يدل على طبيعة العلاقة بين الله وبين الإنسان، فهي علاقة رحمة وعطف ورعاية.

141

الآيات 174-176

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (البقرة: 174-176)

(1) مع أنّ المقصود من هذه الآيات هم اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة، فإنّ هذه الآيات عامة في كل من كتم الحق، وهي تتناول المسلمين باعتبارهم أصحاب كتاب، ولذلك يدخل فيها كل من كتم الحق من المسلمين بسبب الدنيا.

(2) ونلمح في هذه الآيات أسلوب الترهيب والوعيد الشديدين على كتمان الحق، وشدة الترهيب تتناسب مع عظم الذنب، ومن هنا كانت عقوبة من يكتم الحق هي: (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم).

(3) والمراد من هذه الآيات تربية الأمة المسلمة على قول الحق وعدم كتمانه مهما كانت الظروف، لأنّ أي كسب يحققه المسلم من كتمان الحق لا يتناسب مع العقوبة التي أوعد الله بها، إذ إنّ الحسن البصري عندما سئل عن الثمن القليل المذكور في الآية، قال: «الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها» (ابن كثير).

(4) وفي مجال تربية الأمة المسلمة على قول الحق وعلى عدم كتمان العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعنّ أحدَكم هيبة أحد أن يقول الحق أو يقوم بالحق حيث كان» (الترمذي)، وقال أيضا: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة» (الترمذي)، وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وفي عسرنا ويسرنا، وعلى أن نقول الحق ل نخاف في الله لومة لائم» (البخاري).

142

الآية 177

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177)

روى مجاهد عن أبي ذر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان؟ فتلا هذه الآية.

(1) هذه الآية تدل على أنّ الإسلام دين شامل كامل وهو منهج للحياة، فهو عقيدة وشريعة وأخلاق، والشريعة: عبادات ومعاملات، والمعاملات نظام اقتصادي ونظام اجتماعي ونظام سياسي، ودليلنا على ذلك هذه الآية: فقوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين) إشارة إلى الجانب الاعتقادي في الإسلام، وقوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب) إشارة إلى جانب المعاملات في الإسلام، وقوله تعالى: (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاة) إشارة إلى جانب العبادات في الإسلام، وقوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأس) إشارة إلى جانب الأخلاق في الإسلام.

(2) وهذه الآية توجب على المسلمين دعوة الناس إلى شمولية الإسلام، وتربية المسلمين على هذا الأساس من الشمولية، ومن ثم تبيان الآراء الخاطئة التي تصور الإسلام على أنه عقيدة فقط أو عبادة فقط أو معاملة فقط أو أخلاق فقط، أي: تصوره دينا ناقصا لا علاقة له إلا بجانب محدد من جوانب الحياة، وكذلك تبيان من يقف خلف هذه الآراء ويصور الدين على أنه كذلك.

(3) يظن كثير من الناس أنّ الدين بالصلاة، فمن صلى فهو من أهل هذا الدين ومن لم يصل فليس من أهل هذا الدين، وهذه الآية تبين بطلان هذا الظن، وتبين أنّ الإسلام ليس في الصلاة وحدها بل هو بكل هذه الأمور المذكورة في الآية ومنها الصلاة، وهذا التصور الخاطئ عن الإسلام، والذي جاءت الآية لتصحيحه، لا يزال له وجود في هذا العصر، ولا يزال له أنصار ومؤيدون، ومن هنا واجب الدعاة إلى الله تبيان بطلان هذا التصور، وتربية الناس على التصور الصحيح الذي يحدد معنى الإسلام وحقيقة الإيمان من خلال هذه الآية وغيرها من الآيات.

(4) قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّه). الإيمان بالله يعني تحرر النفس البشرية من سائر العبوديات إلى العبودية لله وحده، والإيمان بالله يعني تحول النفس البشرية إلى مقام المساواة مع سائر النفوس البشرية، فلا فرق بين إنسان وآخر لأنّ الكل متساوون في العبودية لله، والإيمان بالله يعني التحول من فوضى العبوديات المختلفة إلى نظام العبودية لله وحده، والإيمان بالله يعني وحدة البشرية على أساس من التوجه الواحد إلى الله، وكل هذه المعاني هي من الآثار التربوية للإيمان بالله الواحد.

(5) قوله تعالى: (وَالْيَوْمِ الْآخِر). الإيمان باليوم الآخر ينشئ السكينة والاطمئنان في النفس البشرية، لأنّ الإيمان باليوم الآخر يعني أنّ الله لم يترك الناس سدى بعد أن خلقهم، والإيمان باليوم الآخر ينشئ الاستقامة في الحياة البشرية،لأنّ الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة.

(6) قوله تعالى: (والملائكة). الإيمان بالملائكة جزء من الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يحقق إنسانية الإنسان ويميزه عن الحيوان الذي لا يؤمن إلا بالمحسوس.

143

(7) قوله تعالى: (والكتاب والنبيين). الإيمان بالكتب والرسل يعني وحدة البشرية ووحدة الإله ووحدة الدين ووحدة المنهج، ومن هنا لا بشعر المسلم بانتمائه إلى الإسلام أنه منقطع الجذور، بل يحس أنه الوارث لتراث الأنبياء ولتراث الرسالات.

(8) قوله تعالى: (وآتى المال). إيتاء المال يعني التحرر من العبودية للمال، ويعني القوة البشرية بالانعتاق من الحرص والشح والضعف والأثرة، ويعني محبة الإنسان لأخيه الإنسان حين يبسط له يد العون والمساعدة.

(9) قوله تعالى: (وأقام الصلاة). إنّ إقامة الصلاة تعني التربية الجسمية والعقلية والروحية للإنسان، ففي الطهارة والحركات الرياضية تربية جسمية للإنسان، وفي القراءة والتفكر تربية عقلية للإنسان، وفي الخشوع والسكينة والاطمئنان تربية روحية للإنسان، والإنسان ليس إلا جسما وعقلا وروحا.

(10) قوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا). إنّ الوفاء بالعهد ضروري للحياة، ولا تستقيم الحياة من دون هذا الوفاء، فالوفاء بالعهد يوجد جوا من الثقة والطمأنينة بين الأفراد والجماعات، بين الأصدقاء وحتى مع الأعداء، ومن غير الوفاء بالعهد سيسود القلق والفزع وعدم الثقة وعدم الطمأنينة في الحياة.

(11) قوله تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ). الصبر زاد المسلم في هذه الحياة، وما لم يترب المسلم على الصبر فإنه لن يصلح لأداء أي مهمة في هذه الحياة، لأنه سينهار أمام أول شدة، وسيندم مع كل فاجعة، وسيفقد توازنه أمام كل مصيبة.

(12) قوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّه). قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أن يؤتيه وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخشى الفقر» (الطبري). وثبت في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر» (البخاري). والمراد من هذه النصوص تربية المسلم على الإنفاق في حالات الشدة بالنسبة له وليس في حالات الرخاء فقط، لأنّ الإنفاق في حالات الرخاء سهل وليس فيه مشقة، ولكن الصعب بالنسبة للنفس البشرية هو الإنفاق في حالات الشدة، تلك الحالات التي عبر عنها بالصحة والشح والخوف من الفقر.

(13) قوله تعالى: (وآتى المال) مع قوله تعالى: (وآتى الزكاة). يدل على أنّ في المال حقا واجبا غير الزكاة، وهذا ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إنّ في المال حقا سوى الزكاة» (الترمذي)، والمراد من ذلك تربية المسلم على المسؤولية تجاه المجتمع، وأنّ هذه المسؤولية لا تنتهي ولا تسقط بمجرد إيتاء الزكاة، بل هذه المسؤولية قائمة حتى لو دفع الزكاة ما دام في المجتمع فقر وحاجة.

(14) قوله تعالى: (وآتى الزكاة). قال الإمام ابن كثير: ((يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة كقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 9ــ10)، وقول موسى لفرعون: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) (النازعـات: 18)، وقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة) (فصلت: 6ــ7)). ويستفاد من هذا الكلام وجوب التربية على كل مسلم، لأنّ التزكية في هذه الآيات تعني التربية، ويستفاد منه أيضا أنّ التربية لا تكون إلا بالإسلام لله رب العالمين.

144

(15) قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا). قال الحسن البصري: «هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء» (الطبري). وقال الربيع بن أنس: «فتكلموا بكلام الإيمان فكانت حقيقته العمل، صدقوا الله». والمراد من هذا النص تربية المسلم على أنّ الكلام لا قيمة له ولا يعتبر قائله صادقا ما لم يصدقه العمل، وربط العلم بالعمل هو أساس التربية والهدف منها.

145