الآيات 168-169
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 168-169)
(1) موضوع هاتين الآيتين هو التشريع الإسلامي، بينما موضوع الآيات الخمسة السابقة هو العقيدة الإسلامية، ومن هنا نلمح قاعدة من أهم القواعد التربوية في الإسلام وهي الارتباط الوثيق بين العقيدة والشريعة، فالشريعة الإسلامية تنبثق من العقيدة الإسلامية وترتكز عليها، فالإله هو المشرع، والخالق له وحده حق التشريع، وهذا الارتباط هو الضمانة الوحيدة لتطبيق الشريعة، فالإيمان بالله هو الأساس في التزام الناس بالشريعة والسعي الدءوب لتطبيقها، وما لم يوجد هذا الإيمان فإنّ الناس سوف يحتالون الحيل للتخلص من تطبيق التشريعات والالتفاف حولها. والمثال الساطع لهذا الارتباط نجده في ذلك المسلم الذي زنى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بذنبه ويقول: «يا رسول الله، طهّرني» (مسلم)، ولذلك نقول: إنّ المدخل لتطبيق الشريعة الإسلامية لا يكون بفرضها على الناس بالقوة والإجبار، وإنما برفع السوية الإيمانية وتصحيح العقيدة عند الناس.
(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّبا). يدل على أنّ الأصل في الأشياء ومنها الأطعمة والأشربة هو الإباحة، وهذه قاعدة هامة في التشريع الإسلامي ولها أدلتها غير هذا النص كقوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه) (الأنعام: 145)، فجعل الأصل هو الإباحة والتحريم مستثنى. وهذه القاعدة تدل على رحمة الله تعالى بالناس وتدل على سماحة هذا الدين ويسره، كما إنها تبطل التصور القائم على أنّ الدين يعني التحريم والتحريمَ والتحريم، أي: التصور الذي يحمله بعض الناس عن الدين أنه يعني الضيق والمشقة والعنت.