التفسير التربويالجزء 1 · ص 1395 - 1402

الآية 102

الآية 102

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 102)

(102) قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون). فيه دليل على إعجاز القرآن وأنه من عند الله وأن محمدا نبي يوحى إليه من خلال إخباره عن الغيبيات، وبيان ذلك: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولم يتعلم عند أحد وما كانت مكة بلدة للعلماء، فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم، ومن غير أن يقال: إنه كان حاضرا معهم، لا بد وأن يكون معجزا دالا على نبوته وصدق سريرته. فقوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) يعني هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب علمناك إياه بالوحي إليك (وما كنت لديهم) أي مع إخوة يوسف (إذ أجمعوا أمرهم) في إلقاء يوسف في الجب (وهم يمكرون) أي بيوسف في إلقائه في الجب، وقيل: بيعقوب حين جاءوه بالقميص ملطخا بالدم. فأنت لم تشاهد تلك الأحوال ولكن الله أطلعك عليها.

1395

الآية 103

(103) قوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). فيه تسلية وعزاء للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه من كون أغلبية الناس لا يؤمنون وإن جاءهم بالمعجزات كهذه المعجزة المتمثلة بقصة يوسف عليه السلام حيث أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم من غير قراءة وكتابة. واعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها هو أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت، وظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا، فلما ذكرها أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية، وفيها إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في قوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56) ومعنى الحرص هو طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد.

1396

الآية 104

(104) قوله تعالى: (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين). فيه دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته ودعوته لأنه لم يطلب على ذلك أجرا من الناس ولم يخص نفسه بشيء من المال أو الجاه أو السلطان أو النساء حينما انتصرت الدعوة فيما بعد. فقوله تعالى: (وما تسألهم عليه من أجر) أي لا تسألهم عليه شيئا من المال وغيره (إن هو) أي ما هو، يعني القرآن والوحي (إلا ذكر) أي عظة وتذكرة (للعالمين) لكل الناس.

1397

الآية 105

(105) قوله تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون). فيه تربية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم إيمان الذين سألوه عن أخبار يوسف عليه السلام فجاءهم بها على سبيل الإعجاز ومع ذلك لم يؤمنوا، ووجه التسلية والعزاء هو أن هؤلاء القوم يمرون بالآيات الكونية والآيات التاريخية في مصارع الأمم السابقة ومع ذلك لا ينتبهون ولا يتذكرون ولا ينتفعون من تلك الرؤية. قال الرازي في التفسير: ((قوله تعالى: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يعني: أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها. واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لابد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي إما الأجرام الفلكية أو الأجرام العنصرية، أما الأجرام الفلكية فهي قسمان: إما الأفلاك وإما الكواكب. أما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته، وقد يستدل بأحوال حركاتها إما بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم فلا بد من محرك قادر، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات. وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل على وجود الصانع بمقاديرها أحيازها وحركاتها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور. وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية: فإما أن تكون مأخوذة من بسائط، وهي عجائب البر والبحر، وإما من المواليد وهي أقسام: (أحدها) الآثار العلوية كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح. (وثانيها) المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها. (وثالثها) النبات وخاصية الخشب والورق والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة. (ورابعها) اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها. (وخامسها) تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الإنسانية وبيان المنفعة الحاصلة فيها فهذه مجامع الدلائل. ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين وحكايات الأقدمين، وأن الملوك الذين استولوا على الأرض وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر، ثم بقي الوزر والعقاب عليهم. هذا ضبط أنواع هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة العالم الأعلى والعالم الأسفل، والعقل البشري لا يفي بالإحاطة به فلهذا السبب ذكره الله تعالى على سبيل الإبهام)).

1398

الآية 106

(106) قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). فيه تحذير من الجمع بين الإيمان والشرك، لأنهما إذا اجتمعا عند إنسان فإن الشرك ينفي الإيمان، لأن الشرك بأي من أمور الإيمان هو شرك بالإيمان كله، فالإيمان لا يتجزأ. فقوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) قيل: هم قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها وهم يعبدون الأوثان، قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) (الزخرف: 87) ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا. وقيل: هم أهل كتاب معهم شرك وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصح إيمانهم. وقيل: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وقيل: هم قوم آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا. وقيل: نزلت في المنافقين، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم. وقيل: هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء. وقيل: معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب. وقيل: هم عبدة الأصنام يقولون: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده. وقيل: هم اليهود يقولون: ربنا الله وحده وعزيز ابن الله. وقيل: هم النصارى يقولون ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله. وقيل: هم عبدة الكواكب يقولون ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا.

1399

الآية 107

(107) قوله تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون). فيه تحذير من الأمن من مكر الله، وهو الاسترسال في المعاصي مع الاتكال على رحمة الله، وقد سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، والإياس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» (البزار). فقوله تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم وتغمرهم (أو تأتيهم الساعة) يعني القيامة (بغتة) أي فجأة (وهم لا يشعرون) تأكيد لقوله بغتة. وفي هذه الآية لمسة قوية للمشاعر لإيقاظهم من غفلتهم، وليحذروا عاقبة هذه الغفلة، فإن عذاب الله لا يعلم موعده أحد، قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم، وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون، فالغيب موصد الأبواب، لا تمتد إليه عين ولا أذن، ولا يدري أحد ماذا سيكون اللحظة، فكيف يأمن الغافلون؟.

1400

الآية 108

(108) قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). فيه أتربية للدعاة إلى الله تعالى على التميز بدعوتهم الإيمانية عن الدعوات الشيطانية تميزا معلنا بالقول ثم بالعمل، فأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز، ولا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم ولا يسلك مسلكهم، ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم، وهم متميعون في غيرهم، لأن هذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية. وفيه تربية على أن دين الإسلام هو دين البصر والبصيرة والنور والهداية لأنه يتفق مع العقول السليمة ويتسق مع الفطرة المستقيمة. فقوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله) أي قل يا محمد هذه طريقي وسنتي ومنهاجي ودعوتي وديني الذي أنا عليه وأدعو إليه يؤدي إلى الجنة (على بصيرة) أي على يقين وحق (أنا) توكيد (ومن اتبعني) عطف (وسبحان الله) أي قل يا محمد: وسبحان الله (وما أنا من المشركين) الذين يتخذون من دون الله أندادا.

1401

الآية 109

(109) قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال التحذير مما آلت إليه الأمم المكذبة بالله والرسل. فقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) فيه رد على القائلين: (لولا أنزل عليه ملك) (الأنعام: 8) أي أرسلنا رجالا ليس فيهم امرأة ولا جني ولا ملك (من أهل القرى) يريد المدائن، ولم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو، ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. وقوله: (إلا رجالا) قال العلماء: من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا، وإنما قالوا آدميا تحرزا من قوله: (يعوذون برجال من الجن) (الجن: 6) والله أعلم (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا) إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم فيعتبروا (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) أي الجنة خير للمتقين (أفلا تعقلون) بالتاء على الخطاب، وقيل: بالياء على الخبر.

1402