التفسير التربويالجزء 1 · ص 1403 - 1410

الآية 110

الآية 110

(110) قوله تعالى: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين). فيه تربية على أن الأمل يكون مع اليأس، وربما يأتي في أشد حالات اليأس، وأن الدعوة إلى الله تعالى لا تكون مع اليأس، وهذا كقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا) (الشرح: 5ـ6)، فليترقب الدعاة إلى الله تعالى الفرج من الله تعالى في أشد حالات اليأس. فقوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل) المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب حتى إذا استيأس الرسل، أي يئسوا من إيمان قومهم (وظنوا أنهم كذبوا) أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم (جاءهم نصرنا) أي جاء الرسل نصر الله، وقيل: جاء قومهم عذاب الله (فنجي من نشاء) قيل: الأنبياء ومن آمن معهم (ولا يرد بأسنا) أي عذابنا (عن القوم المجرمين) أي الكافرين المشركين.

1403

الآية 111

(111) قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). قال الرازي في خاتمة هذه السورة: ((واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات: (الصفة الأولى) كونها (عبرة لأولي الألباب) والاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: (الأول) أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته. (الثاني) أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم. (الثالث) أنه ذكر في أول السورة (نحن نقص عليك أحسن القصص) (يوسف: 3) ثم ذكر في آخرها (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) تنبيها على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة. والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه، ومن الناس من قال: المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل، إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام. فإن قيل: لم قال: (عبرة لأولي الألباب) مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك. قلنا: إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل، أو نقول: المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها، لأن (أولي الألباب) لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه. (الصفة الثانية) قوله: (ما كان حديثا يفترى) وفيه قولان: (الأول) أن المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت. (والثاني) أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه، لأنه لا يصح الكذب منه، ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال: (ولكن تصديق الذي بين يديه) وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية. (والصفة الثالثة) قوله: (وتفصيل كل شيء) وفيه قولان: (الأول) المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته. (والثاني) أنه عائد إلى القرآن كقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام: 38)، فإن جعل هذا الوصف وصفا لكل القرآن أليق من جعله وصفا لقصة يوسف وحدها، ويكون المراد: ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين. قال الواحدي على التفسيرين جميعا: فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله: (ورحمتي وسعت كل شيء) (الأعراف: 156) يريد: كل شيء يجوز أن يدخل فيها. (والصفة الرابعة والخامسة) كونها هدى في الدنيا وسببا لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون، وخصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله: (هدى للمتقين) (البقرة: 2) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب)). والحمد لله رب العالمين.

1404

التفسير التربوي لسورة الرعد

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الرعد مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا آيتين منها نزلتا بمكة وهما قوله عز وجل: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) (الرعد: 31) إلى قوله: (فكيف كان عقاب) (الرعد: 32)).

وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط): ((هذه السورة مكية في قول: الحسن، وعكرمة، وعطاء، وابن جبير، وعن عطاء إلا قوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا)، وعن غيره إلا قوله: (هو الذي يريكم البرق) إلى قوله: (له دعوة الحق). ومدنية في قول: الكلبي، ومقاتل، وابن عباس، وقتادة، واستثنيا آيتين قالا: نزلتا بمكة وهما (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) إلى آخرهما، وعن ابن عباس إلا قوله: (ولا يزال الذين كفروا) إلى آخر الآية، وعن قتادة مدنية إلا قوله: (ولا يزال الذين كفروا) الآية، حكاه المهدوي. وقيل: السورة مدنية، حكاه القاضي منذر بن سعد البلوطي ومكي بن أبي طالب)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «تبدأ هذه السورة بقضية عامة من قضايا العقيدة: قضية الوحي بهذا الكتاب، والحق الذي اشتمل عليه. وتلك هي قاعدة بقية القضايا من توحيد لله، ومن إيمان بالبعث، ومن عمل صالح في الحياة. فكلها متفرعة عن الإيمان بأن الآمر بهذا هو الله، وأن هذا القرآن وحي من عنده سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.. هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله، ويشير إلى جملة قضاياها. ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس، وأن يكون هناك بعث لحساب الناس، وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم، وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم».

1405

الآية 1

قوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: 1)

(1) قوله تعالى: (المر تلك آيات الكتب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). فيه تربية على أن القرآن حق لأنه كلام الله تعالى ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك، وهذا من قبيل تقرير حقيقة البشرية على مر العصور كي لا يتأثر المؤمنون حين الوصول إلى هذه الحقيقة وهي عدم إيمان أكثر الناس بالقرآن رغم كونه حقا ثابتا وواقعا ونازلا من الله تعالى. وفيه تسلية وعزاء للرسول صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده. فقوله تعالى: (المر) أحرف من الأبجدية العربية التي منها يتكون القرآن، والمراد من ذكرها في مطالع السور هو تحدي الناس في عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن مع أنهم يعرفون هذه الأحرف، ومنه إثبات إعجاز القرآن وأنه كلام الله تعالى وليس كلام أحد من البشر (تلك) هذه، والعرب تبدل بين أسماء الإشارة للتأكيد ولفت الانتباه (آيات الكتاب) آيات القرآن (والذي أنزل إليك) يعنى وهذا القرآن الذي أنزل إليك (من ربك الحق) لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسك، فاعتصم به وأعمل بما فيه. قيل: نزلت حين قال المشركون: إن محمدا أتى بالقرآن من تلقاء نفسه (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون).

1406

الآية 2

(2) قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون). في علاقة هذه الآية بالآية التي قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر بعده ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية. وقيل: لما بين الله تعالى أن القرآن حق في الآية السابقة، بين في هذه الآية أن من أنزله يتصف بصفات الكمال في الربوبية، فانظروا في مخلوقاته لتعلموا كمال صفاته. وقيل: لما كان موضوع الآية السابقة هو القرآن والنبوة فإن موضوع هذه الآية هو الإيمان بالله الذي يؤدي إلى الإيمان بالمعاد إلى الله تعالى في اليوم الآخر. فقوله تعالى: (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها) هذه من آيات الإعجاز العلمي في القرآن، فالله تعالى رفع السماوات بقانون الكثافة الذي أودعه عالم الموجودات، فالسماوات هي عبارة عن طبقات من الغازات المطبقة فوق بعضها حسب كثافة هذه الغازات وثقلها الحجمي (ثم استوى على العرش) العرش معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والتشبيه باطل، وكذا الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والخوض فيه بالتشبيه والتعطيل باطل (وسخر الشمس والقمر) أي ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده، وكل مخلوق مذلل للخالق (كل يجرى لأجل مسمى) أي إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم، وتنتثر الكواكب. وقيل: معنى الأجل المسمى أن القمر يقطع فلكه في شهر، والشمس في سنة (يدبر الأمر) أي يصرفه على ما يريد (يفصل الآيات) أي يبينها (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة.

1407

الآية 3

(3) قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). في علاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لما قرر في الآية السابقة الدلائل على الله تعالى في آيات السماء أردفها بتقرير الدلائل على الله تعالى في آيات الأرض. فقوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض) أي بسط الأرض طولا وعرضا بالنسبة لنا من حيث النظر (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت، لأن الأرض ترسو بها وتثبت، والإرساء الثبوت (وأنهارا) أي مياها جارية في الأرض، فيها منافع الخلق (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) أي صنفين، والمراد بالزوجين هنا الذكر والأنثى، وقيل: معنى (زوجين) نوعان، كالحلو والحامض، والرطب واليابس، والأبيض والأسود، والصغير والكبير (يغشي الليل النهار) أي يتعاقبان، فيأخذ هذا من هذا وهذا من هذا (إن في ذلك لآيات) أي دلالات وعلامات (لقوم يتفكرون). قال الرازي في الرد على من يقولون أن الأرض مسطحة: ((اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله: (والأرض بعد ذَلك دحاها) (النازعات: 30) وهذا القول مشكل من وجهين: (الأول) أنه ثبت بالدلائل أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟ فإن قالوا: وقوله: (مَدَّ الأرض) ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟ قلنا: إن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله، ألا ترى أنه قال: (والجبال أوتَادا) (النبأ: 7) فجعلها أوتادا مع أن الناس يستقرون عليها فكذلك هنا. (والثاني) أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، والشرط فيه أن يكون ذلك أمرا مشاهدا معلوما حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع، وكونها مجتمعة تحت البيت المقدس أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه)).

1408

الآية 4

(4) قوله تعالى: (وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). تدخل هذه الآية كسابقتيها في إطار التربية العقدية في الإسلام من خلال الاستدلال العقلي بالنظر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال على خلقه لها وعلى وجوده ووحدانيته وقدرته وإرادته وعلمه وحياته وبقائه وسائر صفاته، ووجوب العبادة له وحده دون سواه. فقوله تعالى: (وفى الأرض قطع متجاورات) في الكلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، كما قال: (سرابيل تقيكم الحر) والمعنى: وتقيكم البرد، فحذف لعلم السامع. والمتجاورات: المدن وما كان عامرا، وغير متجاورات: الصحارى وما كان غير عامر (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) فالمتجاورات ترابها واحد، وماؤها واحد، وفيها زروع وجنات، ثم تتفاوت في الثمار والتمر، فيكون البعض حلوا، والبعض حامضا، والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد، وفي هذا أدل دليل على وحدانيته تعالى والإرشاد لمن ضل عن معرفته، فإنه نبه سبحانه بقوله: (تسقى بماء واحد) على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع، إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف. (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى.

1409

الآية 5

(5) قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد، أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحب النار هم فيها خالدون). فيه تحذير من الكفر بالله تعالى بعد النظر في الآيات السابقة الدالة على خلقه تعالى لكل المخلوقات وذلك من خلال بيان ما يؤول إليه الذين يكفرون بالمعاد يوم القيامة من العذاب والخلود في النار. فقوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد) أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث. والله تعالى لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه الخلق، لأن الإعادة في معنى الابتداء (أولئك الذين كفروا بربهم) لأن الكفر بالمعاد هو كفر بالابتداء (وأولئك الأغلال في أعناقهم) الأغلال: جمع غل، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون يوم القيامة، وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم (وأولئك أصحب النار هم فيها خالدون).

1410