التفسير التربويالجزء 1 · ص 1435 - 1442

الآية 37

الآية 37

(37) قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق). فيه تربية للمؤمنين على وجوب اتباع القرآن وهو صريح وواضح بلغته العربية، وفيه تحذير من اتباع أهواء الناس وشهواتهم لأن هذا الاتباع جريمة لا واق منها ولا شفيع فيها، والمخاطب بهذه الآية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والمراد منها المؤمنين علماء ودعاة وعامة. قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما عربيا، وإنما وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عربي، فكذب الأحزاب بهذا الحكم أيضا. وقيل نظم الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكما عربيا، أي بلسان العرب، ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام. (ولئن اتبعت أهواءهم) أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله (بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي) أي ناصر ينصرك (ولا واق) يمنعك من عذابه. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة.

1435

الآية 38

(38) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب). فيه بيان وتأكيد على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل من حيث زواجهم وإنجابهم للذرية ومن حيث عدم تحكمهم على الله تعالى في الإتيان بالآيات كما يطلب منهم المشركون ذلك. فقوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) قيل: إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج، وعيرته بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل اهتماما إلا بالنساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه والآية. (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) أي جعلناهم بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي. هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهي عن التبتل وهو ترك النكاح، وفي صحيح البخاري عن أنس قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: إني أصوم الدهر فلا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) عاد الكلام إلى ما اقترحوا من الآيات فأنزل الله ذلك فيهم، وظاهر الكلام حظر ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه (لكل أجل كتاب) أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله.

1436

الآية 39

(39) قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). فيه بيان بأن الله تعالى وحده الذي يمحو أو يثبت ما في اللوح المحفوظ (أم الكتاب)، لأن اللوح المحفوظ عنده وحده. اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه. فقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) والعقيدة عندنا أنه لا تبديل لقضاء الله، فهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، ومن القضاء ما يكون واقعا محتوما وهو الثابت، ومنه ما يكون مصروفا بأسباب وهو الممحو، وهذا كقوله تعالى عن يونس عليه السلام: (فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) (الصافات: 143ـ144). وقيل: إلا الخلق والرزق والسعادة والشقاوة والأجل. قال القرطبي: ((قلت: مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، وهو الأظهر والله أعلم، وهذا يروي معناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم، وهو قول الكلبي. وعن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وقال ابن مسعود: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء، فإنك: تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وكان أبو وائل يكثر أن يدعو: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامح واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وقد تقدم في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له أثره فليصل رحمه)).

1437

الآية 40

(40) قوله تعالى: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب). فيه بيان لمهمة الأنبياء وهي البلاغ والدعوة، وأن الحساب لله تعالى وحده دون سواه، وليس من مهمة الأنبياء ولا يملكون البقاء حتى يقع العذاب في الدنيا. فقوله تعالى: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم) أي من العذاب (أو نتوفينك) فلا ترى ذلك (فإنما عليك البلاغ) فليس عليك إلا البلاغ، أي التبليغ (وعلينا الحساب) أي الجزاء والعقوبة.

1438

الآية 41

(41) قوله تعالى: (أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب). هذه من آيات الإعجاز العلمي في القرآن، وموضوعها ظاهرة التصحر التي تتعرض لها الأرض، والتي لم يكن الناس يدركونها لكونها ظاهرة كونية والأدوات التي كانت بيد الناس بسيطة ومعرفتهم بالأحوال الجوية ضعيفة. وقد ذكر الله تعالى هذه الآية لأن القوم كانوا يطلبون الآيات، فكأنه تعالى يقول لهم: هذه آية كونية معجزة، فهل يستطيع فيهم الآيات من يطلبها؟! فقوله تعالى: (أو لم يروا) يعني أهل مكة (أنا نأتي الأرض) أي نقصدها (ننقصها من أطرافها) قيل: موت علمائها وصلحائها، وعلى هذا فالأطراف الأشراف. وقيل: هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين، وقيل: هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها، وقيل: المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم، والمعنى: أو لم تر قريش هلاك من قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟! أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك (والله يحكم لا معقب لحكمه) أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير (وهو سريع الحساب) فلا يحتاج في حسابه إلى روية قلب، ولا عقد بنان.

1439

الآية 42

(42) قوله تعالى: (وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا، يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار). فيه بيان أن مكر الماكرين (تخطيطهم وتدبيرهم) لا قيمة له أمام مكر الله (تخطيطه وتدبيره) لأن علم الله مطلق ولم يؤت الناس من العلم إلا القليل، والعاقبة للمتقين لأنهم المؤمنون بالله ولأنهم أولياء الله. فقوله تعالى: (وقد مكر الذين من قبلهم) أي الذين قبل مشركي مكة، مكروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم (فلله المكر جميعا) أي هو مخلوق له مكر الماكرين فلا يضر إلا بإذنه، وقيل: فلله خير المكر أي يجازيهم به (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر فيجازي عليه (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) أي عاقبة دار الدنيا ثوابا وعقابا، أو لمن الثواب والعقاب في الدار الآخرة، وهذا تهديد ووعيد.

1440

الآية 43

(43) قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب). فيه تربية على أن الرسل يحتكمون إلى شهادة الله تعالى يوم القيامة ليحكم بينهم وبين الذين ينفون عنهم الرسالة ويكذبونهم. فقوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) قيل: هم مشركو العرب قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لست بنبي ولا رسول وإنما أنت متقول (قل) أي قل لهم يا محمد: (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) بصدقي وكذبكم (ومن عنده علم الكتاب) وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب، وقيل: كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم، وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي وأصحابه. وقيل: هو جبريل عليه السلام. والحمد لله رب العالمين.

1441

التفسير التربوي لسورة ابراهيم

قال الرازي في التفسير: «سورة إبراهيم عليه السلام خمسون وآيتان، مكية. بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد. ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة».

وقال القرطبي في التفسير: ((سورة إبراهيم مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها مدنيتين وقيل: ثلاث، نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) (إبراهيم: 28) إلى قوله: (فإن مصيركم إلى النار) (إبراهيم: 30)).

وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط: ((هذه السورة مكية كلها في قول الجمهور، وعن ابن عباس وقتادة هي مكية إلا من قوله: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) الآية إلى قوله: (فإن مصيركم إلى النار). وارتباط أول هذه السورة بالسورة قبلها واضح جدا لأنه ذكر فيها: (ولو أن قرآنا) ثم (وكذلك أنزلناه حكماً عربيا) ثم (ومن عنده علم الكتاب) فناسب هذا قوله: (الر كتاب أنزلناه إليك). وأيضا فإنهم لما قالوا على سبيل الاقتراح (لولا أنزل عليه آية من ربه) وقيل له: (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب) أنزل الله (الر كتاب أنزلناه إليك) فكأنه قيل: أو لم يكفهم من الآيات كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات وهي الضلال إلى النور وهو الهدى)).

1442