التفسير التربويالجزء 1 · ص 1604 - 1611

الآيات 37-38

الآيات 37-38

(37) و (38) قوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها). فيه تربية على ترك الكبر وهو بطر الحق برفضه وغمط الناس باحتقارهم. فقوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا) هذا نهى عن الخيلاء وأمر بالتواضع، وقيل: التكبر والخيلاء في المشي (إنك لن تخرق الأرض) يعنى لن تدخل باطنها فتعلم ما فيها (ولن تبلغ الجبال طولا) أي لن تساوى الجبال بطولك ولا تطاولك. والمعنى: لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها، ولن تبلغ الجبال طولا بعظمتك ومقدرتك، بل أنت عبد ذليل محاط بك من تحتك ومن فوقك. (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) إشارة إلى جملة ما تقدم ذكره مما أمر الله به ونهى عنه اعتبارا من قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، والسيئ والمكروه هو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به.

1604

الآية 39

(39) قوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا). فيه تربية على أن كل ما نزل من الآيات من أول السورة إلى هذه الآية بل ومن أول نزول القرآن إلى نزول هذه الآية إنما يصدر من مشكاة الحكمة الإلهية التي تزن الأمور بالموازين الصحيحة وتضعها في الأماكن المناسبة. وفي تربية بالترهيب من الشرك بالله أيا كان هذا الشرك خاصة في مجال الإلهية والعبودية والطاعة من خلال الوعيد بالعقوبة الأخروية. فقوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) الإشارة بذلك إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه السلام، يعني: هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله عز وجل في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة. ثم عطف قوله: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد كل من سمع الآية من البشر، والملوم الذي يلوم نفسه من الندم، والمدحور: المهان والمبعد والمقصى.

1605

الآية 40

(40) قوله تعالى: (أفأصفاكم ربكم بالنبيين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما). فيه ترهيب شديد ووعيد أكيد لمشركي العرب الذين كانوا يقولون عن الملائكة أنهم بنات الله، وهذا الوعيد يشمل كل من ادعى أن لله ولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فقوله تعالى: (أفأصفاكم ربكم بالنبيين واتخذ من الملائكة إناثا) والمعنى: أفأخلص لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، وهو استفهام إنكاري (إنكم لتقولون قولا عظيما) في الإثم والعقاب عند الله عز وجل.

1606

الآية 41

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 41)

(41) قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا). التصريف هو الإتيان بالشيء على وجوه مختلفة ومتعددة وربما متكررة، وهو ظاهرة تربوية وتعليمية تعهد الله تعالى بها الناس ليجعلهم يختارون الهداية ومع ذلك فإن أكثرهم لا ينتفعون بهذه الظاهرة. وفي الأمثال أن التكرار يعلم الحمار، ومع ذلك فإن كثيرا من الناس لا يتعلمون ولا ينتفعون بالتكرار. قال الرازي في التفسير: ((اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة، نحو تصريف الرياح وتصريف الأمور، هذا هو الأصل في اللغة، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين، لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن مثال إلى مثال آخر ليكمل الإيضاح ويقوي البيان، فقوله: (ولقد صرّفنا) أي بينا، ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه: (أحدها) ولقد صرفنا في هذا القرآن ضروبا من كل مثل. (وثانيها) أن تكون لفظة (في) زائدة كقوله: (وأصلح لي في ذريتي) (الأحقاف: 15) أي أصلح لي ذريتي. وأما قوله: (ليذكروا) قال الواحدي: والتذكر هنا أشبه من الذكر، لأن المراد منه التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان. وقيل: إن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر، وقيل: المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه. قال الجبائي: قوله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا) يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا، والله أعلم. ثم قال تعالى: (وما يزيدهم إلا نفورا) قال الأصم: شبههم بالدواب النافرة، أي ما ازدادوا من الحق إلا بعدا، وهو كقوله: (فزادتهم رجسا) (التوبة: 125)).

1607

الآيات 42-44

(42) و (43) و (44) قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا). في هذه الآيات تربية على بطلان تعدد الآلهة بناء على نقض الفرض، والمعنى لو فرضنا صحة قول المشركين بتعدد الآلهة لوجب حصول الخصام بينهم، ولما لم يحص خصومة مع الله فدل ذلك على بطلان القول بالتعدد وصحة القول بالوحدانية، وهذه الآيات تدخل في إطار التربية العقلية في القرآن. قال القرطبي في التفسير: ((قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة) هذا متصل بقوله تعالى: (ولا تجعل مع الله إلها آخر) وهو رد على عباد الأصنام. (كما يقولون) قرأ ابن كثير وحفص (يقولون) بالياء، الباقون (تقولون) بالتاء على الخطاب. (إذا لابتغوا) يعنى الآلهة. (إلى ذي العرش سبيلا) قال ابن العباس رضي الله تعالى عنهما: لطلبوا مع الله منازعة وقتالا كما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقال سعيد بن جبير رضى الله تعالى عنه: المعنى إذا لطلبوا طريقا إلى الوصول إليه ليزيلوا ملكه، لأنهم شركاؤه. وقال قتادة: المعنى إذا لابتغت الآلهة القربة إلى ذي العرش سبيلا، والتمست الزلفة عنده لأنهم دونه، والقوم اعتقدوا أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى فقد بطل أنها آلهة. (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) نزه سبحانه نفسه وقدسه ومجده عما لا يليق به. والتسبيح: التنزيه. قوله تعالى: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن) أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله: (ومن فيهن) يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده). واختلف في هذا العموم، هل هو مخصص أم لا، فقالت فرقة: ليس مخصوصا والمراد به تسبيح الدلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصنعة والدلالة لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. وأجيبوا بأن المراد بقوله: (لا تفقهون) الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء. وقالت فرقة: قوله (من شيء) عموم ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات. ومن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والاسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وأما الآن فقد صار خوانا مدهونا. قلت: ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول) قال: فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). فقوله عليه الصلاة والسلام: (ما لم ييبسا) إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا. والله اعلم. وفى مسند أبى داود الطيالسي: فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا وقال: (لعله أن يهون عليهما العذاب ما دام فيهما من بلوتهما شيء). قال علماؤنا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن. وقد بينا هذا المعنى في (كتاب التذكرة) بيانا شافيا، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يهدى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى التأويل الثاني لا يحتاج إلى ذلك، فإن كل شيء من الجماد وغيره يسبح. قلت: ويستدل لهذا التأويل وهذا القول من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) (ص: 17ـ18)، وقوله: (وإن منها لما يهبط من خشية الله) (البقرة: 74) على قول مجاهد، وقوله: (وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا) (مريم: 90ـ91). وذكر ابن المبارك في (دقائقه) أخبرنا مسعر عن عبد الله بن واصل عن عوف بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الجبل يقول للجبل: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فإن قال نعم سبه. ثم قرأ عبد الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) (مريم: 88). قال: أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير. وفيه عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا، يا جاراه، هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: لا، ومن قائلة: نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا عليها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة). رواه ابن ماجة في سننه، ومالك في موطئه من حديث أبى سعيد الخدري رضى الله عنه. وخرج البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي غير هذه الرواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وفى صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن). قيل: إنه الحجر الأسود، والله اعلم. وقيل: تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول: سبحان الله ! لعدم الإدراك منها. فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء فالقول به أولى. والله أعلم. (إنه كان حليما) عن ذنوب عباده في الدنيا. (غفورا) للمؤمنين في الآخرة)).

1608

الآية 45

(45) قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا). هذه الآية من خواص النبوة ومن المعجزات التي جعلها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا حصل لمسلم مضمون هذه الآية وهي أن يجعل الله بينه وبين أعدائه حجابا ساترا فذلك من الكرامات. قال القرطبي في التفسير: ((عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما قالت: لما نزلت سورة (تبت يدا أبي لهب) (المسد: 1) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفى يدها فهر وهي تقول: مذمما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قلينا، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لن تراني) وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال. وقرأ (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا). فوقفت على أبى بكر رضى الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، أخبرت أن صاحبك هجاني! فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك. قال: فولت وهي تقول: قد علمت قريش أنى ابنة سيدها. وقال سعيد بن جبير رحمه الله: لما نزلت (تبت يدا أبي لهب وتب) جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضى الله عنه، فقال أبو بكر: لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيئة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه سيحال بيني وبينها) فلم تره. فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر، هجانا صاحبك! فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فقالت: وإنك لمصدقة، فاندفعت راجعة.فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أما رأتك؟ قال: (لا، ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت). وقال كعب رضى الله عنه في هذه الآية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا)، والآية في النحل: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم)، والآية التي في الجاثية: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه: فحدثت بهن رجلا من أهل الشام، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا، ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. قال الثعلبي: وهذا الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر بالديلم، فمكث زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهن لتلمس ثيابه فما يبصرونه. قلت: ويزاد إلى هذه الآية أول سورة يس إلى قوله: (فهم لا يبصرون). فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضى الله عنه في فراشه قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم) إلى قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). حتى فرغ رسول

1609

الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أنى هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا على ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله، يعنون شيطانا. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك. وقيل: الحجاب المستور طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة، قاله قتادة. وقال الحسن: أي أنهم لأعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية. وقيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبى لهب وحويطب، فحجب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يمرون به ولا يرونه، قاله الزجاج وغيره. وهو معنى القول الأول بعينه، وهو الأظهر في الآية، والله اعلم. وقوله: (مستورا) فيه قولان: (أحدهما) أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. (والثاني) أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه، ويكون مستورا به بمعنى ساتر)).

1610

الآية 46

(46) قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا). فيه ترهيب للكافرين من أن يختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم إن هم تمادوا في الكفر بالله واختلاق التهم لرسوله كالقول بأنه ساحر أو أنه شاعر أو أنه كاهن أو أنه مجنون. فقوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة) الأكنة جمع كنان، وهو ما يستر الشيء (أن يفقهوه) أي لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه، فلا يفهمون ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني (وفي آذانهم وقرا) أي صمما وثقلا، وفى الكلام إضمار والتقدير: أن يسمعوه (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) أي قلت: لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن، وقيل: قلت: له بسم الله الرحمن الرحيم وأنت تتلوا القرآن (ولوا على أدبارهم نفورا) يعني بذلك المشركين، وقيل: الشياطين.

1611