التفسير التربويالجزء 1 · ص 1612 - 1619

الآية 47

الآية 47

(47) قوله تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا). فيه بيان من الله لرسوله لما يتآمر عليه المشركون ويتفقون على نسبته صلى الله عليه وسلم إلى السحر، وهم يتقلبون في ذلك فمرة يقولون ساحر ومرة يقولون مسحور. فقوله تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك) قيل: كانوا يستمعون من النبي صلى عليه وسلم القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم (وإذ هم نجوى) أي متناجون في أمرك، وقيل: كانت نجواهم قولهم إنه مجنون وإنه ساحر وإنه يأتي بأساطير الأولين (إذ يقولون الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) أي مطبوبا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك لينفروا عنه الناس، وقيل: (مسحورا) مخدوعا، وقيل: (مسحورا) معناه أن له سحرا، أي رئة، فهو لا يستغنى عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك.

1612

الآية 48

(48) قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا). فيه تربية على اختلاط أمر الرسول صلى الله عليه وسلم على المشركين ماذا يقولون عنه، فإن قالوا: ساحر أو كاهن، أو شاعر أو مجنون، فإنهم إما يُضلون أنفسهم كما يُضلون غيرهم. فقوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) تعجيب من صنعهم كيف يقولون تارة ساحر وتارة مجنون وتارة شاعر (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) أي حيلة في صد الناس عنك، وقيل: ضلوا عن الحق فلا يجدون سبيلا إلى الهدى، وقيل: مخرجا، لتناقض كلامهم في قولهم: مجنون، ساحر، شاعر.

1613

الآيات 49-52

(49) و (50) و (51) و (52) قوله تعالى: (وقالوا: أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا؟. قل: كونوا حجارة أو حديدا. أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون: من يعيدنا؟ قل: الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريبا. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا). تدخل هذه الآيات في إطار التربية العقدية في الإسلام من خلال الحوار وإقامة الحجة على فئة من مشركي العرب كانوا يؤمنون بأن الله خلق الإنسان وخلق الكون ولكنهم كانوا ينكرون المعاد ويستعظمون البعث ويظنون أن لا قدرة لله تعالى على ذلك. والقرآن يستدل على المعاد بالبدء، فالذي خلق الإنسان أول مرة قادر على خلقه مرة ثانية وثالثة، وكذلك الذي خلق الكون أول مرة قادرة على إعادة الخلق، والعقل يقول: إن الإعادة أهون من البداءة، والمسلم يقول ما شيء على الله بعزيز لأنه أمره أن يقول للشيء كن فيكون. فقوله تعالى: (وقالوا: أئذا كنا عظاما ورفاتا) أي قالوا وهم يتناجون لما سمعوا القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن مسحورا لما قال هذا. والرفات: التراب والغبار (أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) استفهام والمراد به الجحد والإنكار، وكان هذا غاية الإنكار منهم. (قل كونوا حجارة أو حديدا) أي قل لهم يا محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديدا في الشدة والقوة، وقيل: إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة أو حديدا إن قدرتم، وقيل: معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم، إلا أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام، وقيل: معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم. (أو خلقنا مما يكبر في صدوركم) يعني السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس، وقيل: كونوا ما شئتم فإن الله يميتكم ثم يبعثكم (فسيقولون من يعيدنا؟ قل الذي فطركم أول مرة) فالقادر على البداءة قادر على الإعادة (فسينقضون إليك رؤوسهم) أي يحركون رؤوسهم استهزاء (ويقولون متى هو) أي البعث والإعادة وهذا الوقت (قل عسى أن يكون قريبا) أي هو قريب، لأن عسى من الله واجبة. (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه بالخروج، وقيل: بالصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (أبو داود وأحمد)، (فتستجيبون بحمده) أي باستحقاقه الحمد على الإحياء، وقيل: فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) يعنى بين النفختين وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وقيل: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة.

1614

الآية 53

(53) قوله تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا). فيه تربية على أدب الخطاب بين المؤمنين وهو القول الحسن والجدية في الخطاب والكلام والبعد عن الكلام غير الجيد أو المزاح في الكلام حيث يكون للشيطان باب كبير في إيقاع الخصومة والشحناء والبغضاء. قال صاحب الظلال في مدلول هذه الآية: ((وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) على وجه الإطلاق وفي كل مجال، فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه، بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة، فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها، فإذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء. والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب، وتندّي جفافها، وتجمعها على الود الكريم. (إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) يتلمس سقطات فمه وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه. والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم الأخوة آمنا من نزغاته ونفثاته)).

1615

الآيات 54-55

(54) و (55) قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشاء يرحمكم أو إن يشاء يعذبكم وما أرسلنك عليهم وكيلا. وربكم أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا). فقوله تعالى: (ربكم أعلم بكم) خطاب للمؤمنين (إن يشأ يرحمكم) والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم (أو إن يشأ يعذبكم) بتسليطهم عليكم. ثم قال: (وما أرسلناك) يا محمد (عليهم وكيلا) أي حافظا وكفيلا، فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم وإلا فلا. (وربك أعلم بِمن في السموات والأرض) والمعنى أنه لما قال قبل ذلك: (ربكم أعلم بكم) قال بعده: (وربك أعلم بِمن في السموات والأرض) بمعنى أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات، ومتعلق بجميع ذوات الأرضين والسموات، فيعلم حال كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد، فلهذا السبب فضل بعض النبيين على بعض وآتى موسى التوراة وداود الزبور وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضا أن يؤتي محمدا القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق.

1616

الآيات 56-57

(56) و (57) قوله تعالى (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا). فيه تربية وبيان على بطلان الوساطة في الدعاء والعبادة، فمن كان داعيا فليدع الله وحده دون شفيع، ومن كان عابدا لله فليعبد الله وحده مباشرة دون وسيط، ومثل ذلك يقال في التوبة. وفيه تربية على ضرورة الاعتدال بين الخوف والرجاء عند المؤمن كي يستقيم إيمانه. فقوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) قيل: لما ابتليت قريش بالقحط وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله هذه الآية، أي ادعوا الذين تعبدون من دونه وزعمتم أنهم آلهة (فلا يملكون كشف الضر عنكم) يعني القحط وغيره (ولا تحويلا) من الفقر إلى الغنى ومن السقم إلى الصحة. (أولئك الذين يدعون) يعنى أولئك المدعوون (يبتغون إلى ربهم الوسيلة) يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهى الوسيلة، فأعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم (أيهم أقرب) إلى الله (ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا) يعني: الرجاء والخوف عاطفتان عند الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر.

1617

الآية 58

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 58)

(58) قوله تعالى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا). فيه تربية على أن الذنوب تورث العذاب والهلاك في الدنيا قبل الآخرة، وكذلك الظلم والاستبداد يورث الهلاك في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها) يعني: مخربوها (قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا) قيل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقيل: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها، ويقوي ذلك قوله تعالى: (فأهلكناهم بذنوبهم) (الأنعام: 6). وقيل: المعنى: وإن من قرية ظالمة، يقوى ذلك قوله: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) (القصص: 59)، فليحذر الظالمون فإن كلام الله حق ثابت الوقوع. (كان ذلك في الكتاب) أي في اللوح المحفوظ (مسطورا) أي مكتوبا.

1618

الآية 59

(59) قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا). فيه تربية وبيان لرحمة الله تعالى في إنزال المعجزات (الآيات)، فالغاية منها أن يؤمن الناس بالخوف منها لا أن يكفروا ويكذبوا بها فيقعوا في العذاب والهلاك والدمار. فقوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) في الكلام حذف، والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم، فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنا. ثم بين تعالى ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) أي آية دالة مضيئة نيرة على صدق صالح وعلى قدرة الله تعالى (فظلموا بها) أي ظلموا بتكذيبها، وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله فاستأصلهم الله بالعذاب (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا).

1619