التفسير التربويالجزء 1 · ص 1644 - 1651

الآيات 101-102

الآيات 101-102

(101) و (102) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا). في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إن المقصود من هذا الكلام الجواب عن قول سادة قريش: لن نؤمن لك حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة، فقال تعالى: إنا آتينا موسى معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها وأعظم وما آمن، فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق موسى، فدل هذا على أنه تعالى لم يفعل لهم ما طلبوه من المعجزات لأنه لا مصلحة فيها لأحد. فقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) الآيات بمعنى المعجزات والدلالات، قال ابن عباس: الآيات التسع: العصا، واليد، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قال الرازي في التفسير: ((اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه السلام: (أحدها) أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه. (وثانيها) انقلاب العصا حية. (وثالثها) تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها. (ورابعها) اليد البيضاء. وخمسة أخر وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. (والعاشر) شق البحر. (والحادي عشر) الحجر. (والثاني عشر) إظلال الجبل. (والثالث عشر) إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. (والرابع عشر والخامس عشر) قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات) (الأعراف: 130). (والسادس عشر) الطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير. إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه السلام وقال في هذه الآية: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)، وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما، ولما لم تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلا عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك الروايات)). (فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم) أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات، وهذا سؤال استفهام ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم (فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا) أي ساحرا بغرائب أفعالك، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشئوم وميمون أي شائم ويامن. قوله تعالى: (قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء) يعنى الآيات التسع، وأنزل بمعنى أوجد (إلا رب السماوات والأرض بصائر) أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، وقيل: إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر وأنه لا يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السموات والأرض (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) الظن هنا بمعنى اليقين، والثبور: الهلاك والخسران.

1644

الآيات 103-104

(103) و (104) قوله تعالى: (فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا. وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا). في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر رغبة ومحاولة كفار قريش إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة وطرده منها، ذكر هنا رغبة فرعون في طرد موسى ومن معه من مصر فكانت العاقبة إغراقه وجيشه في البحر وبقاء بني إسرائيل في مسكنهم، وهذا كالتحذير لقوم محمد أن يفعلوا كفعل فرعون فتكون العاقبة عليهم. وفيها تطمين لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين على حالهم ومآلهم، فلهم في موسى ومن معه أسوة حسنة. فقوله تعالى: (فأراد أن يستفزهم من الأرض) أي أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بالقتل أو بالإبعاد (فأغرقناه ومن معه جميعا) فأهلكه الله عز وجل. (وقلنا من بعده) أي من بعد إغراقه (لبنى إسرائيل اسكنوا الأرض) أي أرض الشام ومصر (فإذا جاء وعد الآخرة) أي القيامة (جئنا بكم لفيفا) يعني: من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه، وقيل: جئنا بكم جميعا من جهات شتى. واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم. والمعنى: أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون.

1645

الآية 105

(105) قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا). وفي هذه الآية تربية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وللعلماء والدعاة من بعده على أهم وسيلتين تربويتين وهما التبشير والإنذار، والتبشير: إعلام مع تطمين، والإنذار: إعلام مع تخويف، ويرادف هذين المصطلحين: الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، حيث لا تزال نظرية الثواب والعقاب تتربع على عرش النظريات التربوية في العالم الأجمع حتى الآن. فقوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن، والكناية ترجع إلى القرآن، ووجه التكرير في قوله (وبالحق نزل) هو التأكيد على نزول القرآن من السماء ومن عند الله لا أنه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم كما يزعم المبطلون، وقيل: أنزلناه تفيد التكرار وفيها إشارة إلى نزول القرآن من بيت العزة في السماء الدنيا على قلب محمد صلى الله عليه وسلم مفرقا حسب الحوادث، ونزل تفيد النزول مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) يعني: هذه مهمة الرسول ودور الرسالة، وأما التحكم على الله بطلب المعجزات فليس شأن الأنبياء ولا يليق بهم.

1646

الآية 106

(106) قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا). إن القوم قالوا: هب أن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز، فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقا شبهة في أنه يتفكر في السورة ويقرأها على الناس، فأجاب الله تعالى بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل، ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل. وفي نزول القرآن مفرقا الكثير من الأحكام التربوية كتعهده تعالى لهذه الأمة بالتربية والتعليم، ومن الحكم التربوية التدرج في الأحكام، ومنها الواقعية في هذا الدين، ومنها التثبيت على هذه التعاليم، وغير ذلك كثير مما ذكره العلماء في علوم القرآن. فقوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) قرأ جمهور القراء (فرقناه) بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ ابن عباس وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبي (فرَّقناه) بالتشديد، أي أنزلناه شيئا بعد شيء لا جملة واحدة، واختلف في كم نزل القرآن من المدة، فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقيل: في ثلاث وعشرين، وقيل: أنس: في عشرين، وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة (على مُكث) أي تطاول في المدة شيئا بعد شيء، ويتناسق هذا على قراءة تشديد الراء أي أنزلناه آية فآية وسورة فسورة، وأما على قراءة تخفيف الراء فيكون (على مُكث) أي على ترسل في التلاوة والترتيل، فيعطى القارئ القراءة حقها في ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام (ونزلناه تنزيلا) مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نجما بعد نجم، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا، وقوله تعالى: (ونزلناه تنزيلا) يتسق مع قراءة تشديد الراء أو يضيف معناها إلى القراءة بتخفيف الراء.

1647

الآيات 107-109

(107) و (108) و (109) قوله تعالى: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا). هذا الخطاب لأولئك الذين طلبوا المعجزات، وهو خطاب تهديد ووعيد بالاستبدال لهم، فإن لم يؤمنوا فإن الراسخين في العلم سوف يعلنون الإيمان به ويخرون سجدا لله تعالى عند تلاوته تفخيما وتعظيما وتقديسا لهذا الكتاب. وفيه تربية على ما يقوله المؤمن في سجود التلاوة وهو: التسبيح والتأكيد على وعد الله. وفيه تربية على الكيفية التي يجب أن يكون عليها المؤمن في السجود وقراءة القرآن وهي الخشوع والبكاء من خشية الله. فقوله تعالى: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) يعنى القرآن، وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا على وجه التخيير (إن الذين أوتوا العلم من قبله) أي من قبل نزول القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب (إذا يتلى عليهم) القرآن (يخرون للأذقان سجدا) قيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبي عليه السلام، منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، وقيل: الذين أوتوا العلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم (ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) دليل على مشروعية التسبيح في السجود، وفى صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في سجوده وركوعه: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». قوله تعالى: (ويخرون للأذقان يبكون) هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم، وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل، والأذقان هنا كناية عن الوجه. وقوله: (يبكون) دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها. (ويزيدهم خشوعا) يعني: تواضعا.

1648

الآية 110

(110) قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا). فيه تربية على أن للمسلم أن يدعو الله بأي اسم من أسمائه، فلله الأسماء الحسنى، ولكل اسم معنى، وفي الدعاء بها من التفكر في معانيها مزيد من الخشوع والارتباط بالله تعالى. وفيه تربية على أن قراءة القرآن وكذلك الدعاء يجب أن يكونا بين الجهر والمخافتة، فربما كان الجهر سببا في شتم الله من الكارهين لهذا الدين والمعادين لأوليائه، وربما كانت المخافتة أقل أثرا في الخشوع وأكثر فعلا في السهو. فقوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) قيل في سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا «يا الله، يا رحمن» فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين. وقيل: تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه: «يا رحمن، يا رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة؟!. فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد، فإن دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك. وقيل: كانوا يكتبون في صدر الكتب: باسمك اللهم، فنزلت: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن، فنزلت الآية. وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع لإطلاقها والنص عليها، وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معاني حسانا شريفة، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث الصحيح. وقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ((نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى (ولا تجهر بصلاتك) فيسمع المشركون قراءتك، (ولا تخافت بها) عن أصحابك. (وابتغ بين ذلك سبيلا) قال: يقول بين الجهر والمخافتة)) (البخاري ومسلم) والمخافتة: خفض الصوت والسكون، يقال للميت إذا برد: خفت. وقالت عائشة رضي الله عنها: «أنزلت هذه الآية في الدعاء» (مسلم). وقيل: إن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل.

1649

الآية 111

(111) قوله تعالى: (وقل: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا). ختم الله تعالى هذه السورة كما بدأها بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد، ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير. فهذا الختام يلخص محور السورة الذي دارت عليه، والذي بدأت به، ثم ختمت به. فقوله تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) هذا رد على كل من قال وزعم أن لله ولدا لأنه تعالى منزه عن الحاجة لغيره، ومن يتخذ ولدا فإنما يحتاج إليه (ولم يكن له شريك في الملك) فهو واحد لا شريك له في ملكه لعدم الحاجة إلى ذلك (ولم يكن له ولي من الذل) يعني لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصرة أحد، فالناصر يجير من الذل والله تعالى لا حاجة له إلى ذلك فهو العزيز ومنه تبتغى العزة (وكبره تكبيرا) يعني: عظمه عظمة تامة، ويقال: أبلغ لفظة عند العرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر، أي أكبر من كل شيء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة قال: ﴿الله أكبر﴾. وقيل: هذه الآية هي خاتمة التوراة، قال عبد الله بن كعب: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. قلت: هذه الآية تعدل ثلث القرآن لتطابق معانيها مع سورة الإخلاص. والحمد لله رب العالمين.

1650

التفسير التربوي لسورة الكهف

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الكهف: وهى مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله: (جرزا)، والأول أصح. وروي في فضلها من حديث أنس أنه قال: (من قرأ بها أعطي نورا بين السماء والأرض، ووقي بها فتنة القبر). وقال إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك، ملأ عظمها ما بين السماء والأرض، لتاليها مثل ذلك) قالوا: بلى، يا رسول الله؟ قال: (سورة أصحاب الكهف، من قرأها يوم الجمعة غفر له الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، وأعطي نورا يبلغ السماء ووقي فتنة الدجال) ذكره الثعلبي، والمهدوي أيضا بمعناه. وفى مسند الدارمي عن أبى سعيد الخدري قال: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق). وفى صحيح مسلم عن أبى الدرداء أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال) وفي رواية (من آخر الكهف). وفى مسلم أيضا من حديث النواس بن سمعان: (فمن أدركه، يعني الدجال، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف). وذكره الثعلبي. قال سمرة بن جندب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظا لم تضره فتنة الدجال، ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة. ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الجنتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس، وفي وسطها تجيء قصة موسى مع العبد الصالح، وفي نهايتها قصة ذي القرنين. ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة، فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية، ومعظم ما يتبقى من آيات السورة هو تعليق أو تعقيب على القصص فيها. وإلى جوار القصص بعض مشاهد القيامة، وبعض مشاهد الحياة التي تصور فكرة أو معنى، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير. أما المحور الموضوعي للسورة الذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها، فهو تصحيح منهج النظر والفكر، وتصحيح القيم بميزان هذه العقيدة. فأما تصحيح العقيدة فيقرره بدؤها وختامها. ففي البدء: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا). وفي الختام: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). وهكذا يتساوق البدء والختام في إعلان الوحدانية، وإنكار الشرك، وإثبات الوحي، والتمييز المطلق بين الذات الإلهية وذوات الحوادث)).

وقال محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه السورة: ((أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجب؟ سلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب؟ وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؟ وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غدا» ولم يستثن، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا»، فقال له جبريل: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا)).

1651