التفسير التربويالجزء 1 · ص 1636 - 1643

الآية 88

الآية 88

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 88)

(88) قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا). هذه من آيات التحدي، وفيها تربية على إعجاز القرآن وأنه المعجزة التي أيد الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم وجعلها دليلا على صدقه في ادعاء النبوة، فلو اجتمعت الإنس والجن لعجزوا عن الإتيان بمثل هذا القرآن، وذكر تعالى في آية أخرى أنهم لعجزوا عن الإتيان بعشر سور من مثله، وذكر في آية ثالثة أنهم لعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، وذلك لأن الله صرف قلوبهم عن ذلك. قال المفسرون: نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا، فأكذبهم الله تعالى. ومعنى: (ظهيرا) أي معينا ونصيرا، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه. قال الرازي في التفسير: «اعلم أنا في سورة البقرة بالغنا في بيان إعجاز القرآن، وللناس فيه قولان، منهم من قال: القرآن معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة، والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول أن القرآن في نفسه إما أن يكون معجزا أو لا يكون، فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب، وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع، وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجبا لازما، فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب».

1636

الآية 89

(89) قوله تعالى: (ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا). فيه تربية على شمولية القرآن حيث صرّف الله تعالى فيه أوجه البيان من أمر ونهي وترغيب وترهيب وقصص ومثل وجدل، وذلك لحرصه تعالى على هداية الناس، ومع ذلك فإن سنة الله في خلقه أن أكثرهم لا يختارون الهداية. فقوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار، من الآيات والعبر والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين، والجنة والنار والقيامة (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) وهذا كقوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف: 103).

1637

(90) و (91) و (92) و (93) قوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وأعناب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا). فيه بيان لطلبات المشركين حتى يؤمنوا وهي: تفجير الينابيع، أو يكون للرسول جنة فيها من كل الثمرات وفيها الأنهار، أو إسقاط قطع من السماء، أو الإتيان بالله، أو الإتيان بالملائكة، أو يكون له بيت من ذهب، أو يرقى في السماء أمامهم ويأتي لهم بكتاب من الله يقرؤونه بأنفسهم. وكل هذا تحكم على الله لا يليق بإنسان يحترم عقله، فكأنه تعالى عبد عندهم يطلبون منه الأشياء ويفرضونها عليه حتى يؤمنوا به، وهذا لا يليق بالنبوة ولا يليق بالرسالة، حيث إن الرسول بشر مثلهم وما عليه إلا البلاغ المبين، وليس له أن يقع في تحكمهم على الله فيطلب لهم ما يطلبون لأنفسهم. ثم هذه الطلبات لا حد لها لأن لكل واحد منهم طلب، وعندها يستحيل هذا الأمر ويبطل. قال القرطبي في التفسير: ((نزلت هذه الآيات في رؤساء قريش مثل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبي سفيان، والنضر بن الحارث، وأبي جهل، وعبد الله بن أبى أمية، وأمية بن خلف، وأبى البختري، والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضوا به معجزة، اجتمعوا، فيما ذكر ابن إسحاق وغيره، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم). قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول، أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه: (ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم). قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله: (ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت بهذا إليكم، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم). قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل). قالوا: يا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألنا عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا إنما يعلمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، كله لفظ ابن إسحاق)). فقوله تعالى: ينبوعا) يعني العيون. (أو تسقط السماء كسفا) يعني: قطعا. (أو تأتى بالله والملائكة قبيلا) يعني: معاينة. (أو يكون لك بيت من زخرف) أي من ذهب. (أو ترقى في السماء) أي تصعد، يقال: رقيت في السلم أرقي رقيا ورقيا إذا صعدت. (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) يعني: كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا. (قل: سبحان ربي) قال ذلك تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم (هل كنت) أي ما أنا (إلا بشرا رسولا) اتبع ما يوحى إلي من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات. وخلاصة إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم هي: إنما أنا بشر لا أقدر على شئ مما سألتموني، وليس لي أن أتخير على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى.

1638

الآيات 94-95

(94) و (95) قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا. قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا). فيه بيان لأحد أسباب الكفر بالرسالة وهو كون الرسول من البشر وليس من الملائكة. وفيه بيان من الله بأن الرسول من جنس المرسل إليهم، فهي سنة الله في خلقه، فإن كانوا بشرا فالرسول بشر، وإن كانوا ملائكة كان الرسول ملكا. فقوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) يعني الرسل والكتب من عند الله (إلا أن قالوا) جهلا منهم (أبعث الله بشرا رسولا) أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر. فبيّن الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة. (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) بيّن الله تعالى أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة، لأنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلق فيهم ما يقدرون به، ليكون ذلك آية لهم ومعجزة.

1639

الآية 96

(96) قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا). فيه تسلية وعزاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تثبيت لفؤاده عليه الصلاة والسلام، فإنهم إذ رفضوا الاعتراف له بالنبوة والرسالة فإن الله تعالى من فوق سابع سماء شهد له بذلك. فقد ذكر المفسرون أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله: (هل كنت إلا بشرا رسولا)، من يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا).

1640

الآيات 97-99

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء: 97-99)

(97) و (98) و (99) قوله تعالى: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا. أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا). فيه ترغيب بالهداية، وترهيب من الضلال والكفر بالآيات وإنكار المعاد من خلال العقوبات الأخروية على الضلال يوم القيامة وهي النار والحشر بحالة مزرية من الصمم والعمى والبكم مشابهة لحالة الضلال في الدنيا لأن الجزاء من جنس العمل. وفيه تربية بالحوار وإثبات للبعث والإعادة في الآخرة من خلال الجواب بالحجة والبرهان لمن أنكر ذلك. فقوله تعالى: (ومن يهد الله فهو المهتدى) يعني: من يهد الله من الناس وفق سنته تعالى في هداية من يرغب في الهداية فهو المهتدي، وهذا مفسر بقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت: 69)، (ومن يُضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) يعني ومن يُضلل الله تعالى وفق سنته في إضلال الخارجين على طاعته فليس لهم أولياء لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا مفسر بقوله تعالى: (وما يضل به إلا الفاسقين) (البقرة: 26)، (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) قيل: أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، من قول العرب: قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا، وقيل: أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه، وهو الراجح لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (البخاري ومسلم)، (عميا وبكما وصما) أي عمي عما يسرهم، بكم عن التكلم بحجة، صم عما ينفعهم، وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها، ليكون ذلك زيادة في عذابهم، وقيل: عموا حين دخلوا النار لشدة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون، وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئا (مأواهم جهنم) أي مستقرهم ومقامهم (كلما خبت) أي سكنت، وقيل: طفئت، يقال: خبت النار تخبو خبوا أي طفئت (زدناهم سعيرا) يعني نارا تتلهب.

1641

قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا) أي ذلك العذاب جزاء كفرهم (وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا) أي ترابا (أإنا لمبعوثون خلقا جديدا) فأنكروا البعث، فأجابهم الله تعالى فقال: (أو لم يروا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) قيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم والأجل: مدة قيامهم في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد. وقد استدل القرآن على الإعادة بالبداءة، فالذي خلقهم وهم مقرون به قادر على إعادة خلقهم في أي وقت. (فأبى الظالمون إلا كفورا) أي المشركون إلا جحودا بذلك الأجل وبآيات الله. وقيل: ذلك الأجل هو وقت البعث، ولا يجوز لمؤن بالله أن يشك فيه.

1642

الآية 100

(100) قوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا). في علاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إن الكفار لما قالوا: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) (الإسراء: 90) وطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم، فبين الله تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد، وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه. وفي هذه الآية بيان أن صفته تعالى هي الكرم والجود والعطاء، وأن صفة الإنسان هي البخل والتقتير، لأن الله ينفق من ملكه الذي لا يحده حد ولا يعده عد، والإنسان ينفق من ملك محدود ومعدود. فقوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي) أي خزائن الأرزاق، وقيل: خزائن النعم (إذا لأمسكتم خشية الإنفاق) من البخل، وهو جواب قولهم: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) حتى نتوسع في المعيشة. والمعنى: لو توسعتم لبخلتم أيضا، وقيل: المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله تعالى، لأنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته، ولأنه يخاف الفقر ويخشى العدم، والله تعالى يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين. والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر، وذكر أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله (وكان الإنسان قتورا) أي بخيلا مضيقا، يقال: قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق عليهم في النفقة، وكذلك التقتير والإقتار، ثلاث لغات. وقيل: نزلت هذه الآية في المشركين، وقيل: هي عامة في بني الإنسان.

1643