التفسير التربويالجزء 1 · ص 9 - 21

الآية 4

الآية 4

قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: 4)

يوم الدين: هو يوم الحساب والجزاء والعقاب في الآخرة, ولا يكون المؤمن بالله مؤمنا حقيقة ما لم يؤمن بيوم الدين, ولهذا الإيمان بيوم الدين آثاره التربوية في شخصية الإنسان، وهذه الآثار هي:

(أولا) إنّ الإيمان باليوم الآخر وما فيه من العدالة الإلهية المطلقة، يبعث في نفس الإنسان الثقة والطمأنينة بأنّ عمله لن يذهب سدى, وبأنّ جهده لن يكون هباء, وبأنه ما لم يكافأ على عمله في الدنيا فإنّ المكافأة قائمة يوم القيامة, وهذا ما يدفع الإنسان إلى العمل الصالح والعمل بطاعة الله واجتناب ما نهى الله عنه، بكل جهده من غير إهمال ولا تقصير.

(ثانيا) تعليق أنظار الناس وقلوبهم بيوم الدين، يدفع الناس إلى التضحية بكل ما يملكون وبأعز ما يملكون لإقامة الحق والعدل, وللاستقامة على المنهاج الصحيح، لأنّ كل ذلك سيكون أمامهم يوم القيامة.

(ثالثا) لا تستقيم الحياة البشرية ولا تقوم حياة تليق بالإنسان وتحقق له السعادة ما لم يكن هناك إيمان باليوم الآخر.

(رابعا) إنّ الإيمان باليوم الآخر يحقق إنسانية الإنسان، ويجعله مستعليا على الرغبات والأهواء والشهوات, وما لم يكن هناك إيمان باليوم الآخر فلن يترفع الإنسان عن الانغماس في الحالة البهيمية المتمثلة بالاستجابة للأهواء والشهوات.

(خامسا) الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالخلود والاستمرار في الحياة , وفي ذلك استجابة لحالة فطرية بداخل الإنسان وهي غريزة حب البقاء , التي يشعر بها كل إنسان, وهذا يجعل الإنسان مطمئنا إلى أنّ الحياة الدنيا المحدودة ما هي إلا مقدمة للحياة الحقيقية التي لا تنقطع يوم القيامة.

(سادسا) الإيمان بيوم الدين هو مفرق الطريق بين صنفين من الناس: المؤمنون به والجاحدون له, وهما صنفان لا يستويان لا في خُلق ولا في شعور, ولا في سلوك ولا في عمل.

9

الآية 5

قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)

المعنى العام للعبادة هو الطاعة والاتباع, أي: إن كل عمل يقوم به المسلم هو عبادة إذا اقترن هذا العمل بالنية ما لم يكن هذا العمل معصية, وهذا هو المفهوم الأوسع للعبادة والطاعة, أما إقامة الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج فهي معنى خاص للعبادة, حيث وردت كلمة عبادة في القرآن في مائتين وخمسة وسبعين موضعا (275), من بين هذه المواضع مائتان وسبعة وثلاثون موضعا (237) كانت العبادة فيها بالمعنى العام وهو الطاعة والاتباع, وثمانية وثلاثون موضعا (38) كانت العبادة فيها بالمعنى الخاص وهو إقامة الشعائر التعبدية.

والسؤال: ما هي الآثار التربوية للعبادة في شخصية الإنسان؟.

والجواب:

(1) العبودية لله وحده تعني التحرر المطلق من كل عبودية لغير الله, وعلى هذا لا يكون الإنسان حرا ما لم يكن عبدا لله وحده، حيث يتحرر من عبودية الأوهام والخرافات, ويتحرر من عبودية النظم والأوضاع , وفي ظل العبودية لله وحده يولد الإنسان من جديد.

(2) مقام العبودية مقام عظيم يشرف به الإنسان, والانتساب إلى الله لا يليق إلا بالأحرار من الناس, وقد سمّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم (عبده) في أشرف مقاماته, فقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (الكهف: 1)، وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) (الإسراء: 1), فسماه عبدا عندما أنزل عليه الكتاب, وسماه عبدا عندما أسرى به, وسماه عبدا عند قيامه بالدعوة، فقال تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا) (الجـن: 19). وقد أرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى القيام بالعبادة في الوقت الذي ضاق صدره من تكذيب المخالفين له، فقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 97-99).

(3) العبادة بمعناه العام تشمل الحياة، وهذا يعني أنّ الصلة بين الإنسان وبين الله هي صلة دائمة من خلال العبادة, وهذه الصلة تدفع القلب البشري إلى الرجوع إلى الله في كل لحظة, وإلى استشارة تعاليمه في كل أمر, وهذه الصلة الدائمة بين الإنسان وبين الله هي أساس التربية الإسلامية.

(4) العبادة تحمل صاحبها على الاستمرار في مراقبة الله واستشعار عظمته في كل عمل, وهذه المراقبة تدفع الإنسان إلى العمل الدائم والمستمر, وإلى إتقان العمل للفوز بمرضاة الله.

(5) العبادة تنشئ الإنسان المستقيم بتطبيقه لتعاليم الله, والمتوازن الذي يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته, والذي يلبي حاجاته الجسدية كما يلبي حاجاته الروحية.

(6) العبادة تربط القلب البشري بالله, وهذا هو مفرق الطريق بين المنهج التربوي الإسلامي وبين غيره من المناهج التربوية البشرية, التي تربط القلب البشري ببقعة من الأرض أو بفرد معين من الناس أو بأسطورة من الأساطير, وهذا الرابط يصبغ عمل الإنسان وفكره وشعوره بصبغة معينة.

10

(7) العبادة تربي الإنسان على القوة، وعلى مقاومة الضعف البشري المتمثل بالأهواء البشرية التي خلقها الله في الإنسان, قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا) (النساء: 28), فالعبادة تعطي الإنسان قوة الضبط والاعتدال في مواجهة ما يجول بداخله من الأهواء والشهوات, إنها قوة التسامي على هذه الأهواء.

(8) العبادة تزكي النفس البشرية وتطهرها وتشذبها, وما لم يحصل ذلك فإنّ الهدف من العبادة لم يتحقق, فإذا زكت النفس وسمت وتطهرت فاضت بالخير والبذل والتضحية على من حولها، وهذا هو الأثر الاجتماعي للعبادة.

(9) تصدر العبادة عن العقيدة, وهي دليل على صدق الإيمان بهذه العقيدة, ومن ثم فالعبادة هي الجانب العملي للعقيدة, والعبادة بدورها تثبت العقيدة وتقويها وتوطد أسسها.

(10) ومن أخطر ما ابتليت به الأمة المسلمة ذلك الفصل بين العقيدة والعبادة, وكذلك الفصل بين العبادة وآثارها التربوية والاجتماعية، حيث تحولت العبادة إلى مجرد تجارة يكون هم العابد فيها الحصول على الحسنات، دون تطبيق للمضامين التربوية والاجتماعية لهذه العبادة.

(11) إنّ معنى قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) هو لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك, (إياك نعبد) تبرؤ من الشرك, (وإياك نستعين) تبرؤ من الحول والقوة, والتفويض إلى الله تعالى, وهذا المعنى موجود في أكثر من آية من آيات القرآن، كقوله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود: 123)، وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) (الملك: 29)، وقوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) (المزمل: 9). فالعبادة غاية والاستعانة وسيلة, والوسائل لها حكم المقاصد في الإسلام, والغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام.

11

الآيات 6-7

قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 6-7)

معنى هذه الآيات: وفقنا يا الله إلى الطريق المستقيم, طريق الذي أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهو غير طريق المغضوب عليهم: الذين عرفوا الحق وحادوا عنه, وغير طريق الضالين: الذين لم يعرفوا الحق فهم هائمون في الضلالة.

ولنا مع الدعاء الوقفات التربوية التالية:

(1) هذا الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم) هو أول مظاهر العبودية نزولا, إذ إنّ سورة الفاتحة هي ثالث سور القرآن نزولا, ولم ينزل قبلها إلا أوائل سورة العلق وأوائل سورة المدثر. كما إنّ قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) جاء مباشرة بعد قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) ليكون الدعاء هو الترجمة العملية الأولى للعبادة . كما إنّ الدعاء بالتوفيق والتثبيت على طريق الإيمان والإسلام كأول دعاء في الإسلام له دلالة على أهمية هذا الدعاء دون غيره من الأدعية, وعلى أنّ حاجة المؤمن إلى الله حاجة مستمرة كي يثبته على إيمانه.

(2) الدعاء يعني الحاجة إلى الله ومن ثم اللجوء إليه, والناس محتاجون إلى الله لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15)، والمؤمن يلجأ إلى الله دائما وفي كل حين وعلى كل حال, وغير المؤمن يلجأ إلى الله مضطرا ومن ثم يعرض بعد أن ينجو ضُر مسّه , قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ) (يونس: من الآية12)، وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورا) (الإسراء:67).

(3) الدعاء هو العبادة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو تعبير عن العبودية وترجمة عملية للإيمان, فالمؤمن حينما يلجأ إلى الله بالدعاء فهو يعبر عن عبوديته لله, ومن هنا فالدعاء في الإسلام واجب لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين) (غافر:60)، ولقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

(4) والدعاء سبيل إلى القوة الحقيقية, لأن المؤمن يدعو الله جل جلاله ليكون له سندا ومعينا وحافظا, ومن كان الله له سندا ومعينا وحافظا فهو حسبه وهو كافيه, ومن هنا نجد أنّ المؤمن لا يقف وحده, ولا يحس بالضياع والقلق والاضطراب والفراغ كما هو الحال في المجتمعات الملحدة, التي وكلها الله إلى نفسها, فكثرت فيها الأمراض النفسية والعقلية وتفشى فيها الانتحار خروجا من اليأس والقنوط والفراغ الروحي, ولذلك كان من دعاء المسلمين «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين».

12

(5) وفي الدعاء تذكير للنفس بحاجتها إلى الله وفقرها إليه، ومن ثم كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها دعاء, الدعاء في كل حركة والدعاء في كل عمل, وقد أحصت كتب الأذكار أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن راجعها وجدها شاملة لأعمال اليوم والليلة. وفي الدعاء ضمان للنفس من الغفلة والنسيان والطغيان والاعتداء، ففي غفلة للنفس عن حقيقة عبوديتها لله قد تقدم على الطغيان والتجاوز.

(6) وبناء على ما تقدم من الكلام نقول: ليس الدعاء مجرد كلمات ومراسم وطقوس يؤديها المؤمن, بل يجب عليه استحضار القلب أثناء الدعاء, ولابد له من التفكر في كل كلمة يقولها, وفي كل جملة يلفظها, لابد له من استحضار القلب والتنبه واليقظة أثناء الدعاء, حتى يكون للدعاء ذلك الأثر التربوي المنشود في شخصية المسلم, وفي سلوكه وحركته وأقواله وأفعاله, وفي هذه الحالة فقط يمكننا أن نربي المسلمين بالدعاء .

الوجه التربوي لتكرار سورة الفاتحة في الصلاة.

يكرر المسلم هذه السورة سبع عشرة مرة في اليوم الواحد إذا هو صلى الفرائض فقط، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (البخاري ومسلم), وضعف ذلك إذا هو صلى السنن, وأضعاف ذلك إذا هو أراد أن يتنفّل في صلاته, فما هي الحكمة التربوية لظاهرة التكرار؟.

التكرار وسيلة تعليمية وتربوية في نفس الوقت, لأنّ الغاية الأساسية من التعليم في الإسلام هي التربية, ولا فائدة من علم ليس له انعكاس في سلوك الإنسان وشخصيته, وعندما يوجب الإسلام على أتباعه تكرار نصوص معينة في كل يوم فمراده من ذلك أن تترسخ مفاهيم هذه النصوص في عقولهم وقلوبهم, وأن تنعكس هذه المفاهيم في سلوكهم وحركاتهم وأفعالهم, ومن خلال التكرار يحصل التنبه واليقظة إلى حقائق النصوص المكررة وأهدافها وغاياتها, وبالتالي تتمثل هذه الحقائق في شخصيته تمثلا دائما ومستمرا.

وقد احتوت سورة الفاتحة الحقائق التالية:

13

احتوت على حمد الله والإقرار له بالربوبية المطلقة بقوله: (الحمد لله رب العالمين)، والثناء عليه ووصفه بصفة الرحمة التي تفرد بها بقوله: (الرحمن الرحيم)، وتمجيد الله والإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب بقوله: (مالك يوم الدين)، والتبرؤ من الشرك وتخصيص الله تعالى بالإلهية بقوله: (إياك نعبد)، والتبرؤ من الحول والقوة والطول وتخصيص الله تعالى بالمعونة والمساعدة بقوله: (وإياك نستعين)، وسؤال الهداية والتوفيق إلى الدين القويم , وسؤال التثبيت على هذا الدين بقوله (اهدنا الصراط المستقيم)، كما تضمنت الطلب من الله أن يجمعنا في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)، كما اشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة, والتحذير من مسالك أهل الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها بقوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وهذه الحقائق وإن كانت موجودة في غيرها من السور إلا أنها ليست موجودة بهذا العدد القليل من الأسطر وبهذا الحجم القليل من الجمل والكلمات, وهذه هي الميزة التي اختصت بها سورة الفاتحة دون غيرها من السور, ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل, فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي, وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي, فإذا قال: (مالك يوم الدين) قال الله: مجدني عبدي, فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل, فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) (مسلم وأبو داود).

14

التفسير التربوي لسورة البقرة

فضائل سورة البقرة:

ورد في السنة أحاديث صحاح تدل على فضل هذه السورة، وفيها ترغيب في قراءتها وحدها أو مع سورة آل عمران.

(1) فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإنّ البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان» (مسلم).

(2) وفي مسند الدارمي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان»، وفيه أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان في تلك الليلة، أربع من أولها، وآية الكرسي وآيتان بعدها ، وثلاث آيات من آخرها))، وفي رواية «لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق» (الدارمي)).

(3) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال : ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم، فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها» (الترمذي).

(4) وروى البخاري عن أسيد بن حُضير رضي الله عنه قال: «بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه ، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا بن حُضير، قال : قد أشفقت يا رسول الله على يحيى ، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم» (البخاري).

(5) وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، يحاجان عن أهلهما يوم القيامة» ثم قال: «اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» (مسلم وأحمد). الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفرق: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامنة، والبطلة: السحرة.

15

الآيات 1-2

قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 1-2)

قوله تعالى: (الم): الراجح في تفسير الأحرف المقطعة الواردة في أوائل السور هو أنها بعض حروف المعجم الثمانية والعشرين، استغني بذكرها عن ذكر باقي الأحرف، كما يقول الرجل: إنّ ابني يتعلم: أ ــ ب ــ ت ... وهو يقصد أنه يتعلم حروف المعجم، والحكمة من إيراد هذه الأحرف المقطعة هو تبيان إعجاز القرآن، إذ إنّ الناس يعرفون هذه الأحرف ولا يستطيعون تأليف سورة من القرآن المؤلف أساسا من هذه الأحرف. وقد تحدى القرآن المعارضين له أن يأتوا بمثله فما فعلوا، ورخص لهم في التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، ثم رخص لهم أيضا في التحدي بأن يأتوا بسورة من مثله فما فعلوا، ومن هنا ذكرت هذه الأحرف في بداية السور تذكيرا للمسلمين بأنّ القرآن معجزة خالدة ومستمرة. ومن هنا أيضا مفرق الطريق بين من آمن بالقرآن وبين من لم يؤمن به، فالإيمان يقوم على إعجاز يقيني لا يرقى إليه الشك، وتقرير هذه الحقيقة في بداية الطريق أساس في التربية الإسلامية كلها.

قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه): أي: هذا القرآن لا شك في أنه من عند الله، ومن أين يأتي الشك بعد أن تقرر إعجاز القرآن في الآية السابقة. وهنا أيضا نتلمس حقيقة إيمانية لهل أثرها التربوي في شخصية المسلم، فالإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا يقوم على الظن وغلبة الظن، لا يقبل منه إلا إيمانا يقوم على اليقين (لا ريب فيه)، في حين تقوم كل المناهج الأخرى غير الإسلامية على الإيمان بنظريات لا ترقى إلى درجة اليقين، وظنون لا تصل إلى مرتبة نفي الشك والريب، وهنا أيضا مفرق الطريق بين تربية تقوم على أساس من اليقين المطلق الذي لا يرقى إليه الشك وبين تربية تقوم على أساس من النظريات والظنون التي لا تصل إلى مرحلة اليقين، والتربية التي تقوم على الظن وغلبة الظن تبدو تربية مهتزة، وأثر ذلك سيكون واضحا في شخصية الفرد وشخصية الجماعة.

قوله تعالى: (هدى للمتقين): فيه دلالة واضحة على أنّ القرآن لا يهتدي به إلا من كان تقيا، أي: من كان الخوف من الله يملأ جوانبه ويستولي على قلبه وعقله وروحه، والمدلول التربوي لهذه الحقيقة هو أنك أيها ــ المسلم ــ لن تهتدي بهذا القرآن ما لم تكن تقيا، فعليك أن تسلك طريق التقوى حتى تصل إلى الهداية، والمدلول التربوي الآخر لهذه الحقيقة القرآنية هو تربية المسلم على بذل الجهد للوصول إلى الثمرة، وبالتالي دور المسلم في هداية نفسه، والاعتماد على النفس في تحقيق هذا الاهتداء.

16

قوله تعالى: (هدى للمتقين): يحسن بنا أن نقف عند التقوى كأحد الأصول الإسلامية، فالتقوى في اللغة تعني: الخوف والخشية، والتقوى في الشرع تعني: الخوف والخشية من الله، أي: خوف دائم وخشية مستمرة من الله تعالى، والخوف من الله تعالى يكون من الناحية العملية بفعل ما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه، والحذر من عقاب الله في الدنيا والآخرة إذا فرّط المسلم في عمله. ومن هنا تبدو التقوى أساسا في تطبيق تعاليم الإسلام وتنفيذ تشريعاته، وبالتالي فالإسلام يقوم على التقوى، فإذا وجدت التقوى فنحن أمام تربية إسلامية متماسكة وقوية ولها إشعاعها الواضح من شخصية المسلم كفرد ومن شخصية المسلمين ككل، وإذا فقدت التقوى فنحن أمام حالة من التربية النفاقية التي سرعان ما تزول عند أول صدمة. ولذلك نجد أنّ كلمة التقوى ومشتقاتها، كالأمر بالتقوى والحض عليها، موجودة في القرآن الكريم في حوالي مائتين وأربعين موضعا (240)، أي: لا تكاد صفحتان من القرآن الكريم تخلوان من لفظة التقوى منسابة ففي الذكر الحكيم. والمفهوم القرآني للتقوى ليس كالمفهوم الشائع لدى الناس الذي يربط التقوى بالورع ويفرّق بين مؤمن تقي ومؤمن غير تقي، بل المفهوم القرآني لا يكاد يفرق بين التقوى والإيمان، فكل مؤمن تقي وكل تقي مؤمن، والذي براجع صفات المتقين في القرآن كما هو وارد في مطلع سورة البقرة وفي غيرها من السور يجد أنّ صفات المتقين هي صفات المؤمنين. ومحل التقوى هو داخل الإنسان ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التقوى ههنا»، ثلاث مرات، يشير إلى صدره (مسلم). وأثر التقوى يكون في حركة الإنسان، أي: في قوله وفعله، ومجالها الحياة بكل معانيها.

ومن هنا نقول: إنّ التقوى كأصل داخلي نفسي هي أساس في التربية الإسلامية كلها، سواء كانت تربية عقيدية أو تربية خُلقية أو تربية جسمية أو تربية عقلية أو تربية نفسية أو تربية اجتماعية أو تربية جنسية، وهذه أهداف التربية السبعة، ولذلك يحسن بالمربي التركيز الدائم والعمل المستمر على إيجاد وبناء حالة التقوى داخل المسلم من دون كلل ولا ملل حتى يصل بالمسلم إلى السوية الإيمانية التي أرادها الله له والتي تحقق له السعادة في الدارين، الدنيا والآخرة.

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: من الآية3).

الغيب: هو ما غاب عن العباد، والمراد بالغيب هنا: الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر والبعث والجنة والنار والجن.

والغيب غيبان: مطلق ونسبي، والمطلق هو ما غاب عن كل العباد، والنسبي هو ما غاب عن بعضهم.

وللإيمان بالغيب آثاره الظاهرة في تربية الإنسان وفي بناء شخصيته وفي توازنها:

17

(1) في الإيمان بالغيب تتحقق شخصية الإنسان ويجتاز عتبة الحيوان، فلا يكون الإنسان إنسانا ما لم يؤمن بالغيب، لأنّ الحيوان يؤمن بما تدركه الحواس فقط بينما الإنسان أوتي من الطاقات ما يجعله يؤمن بما لا تدركه الحواس، وفي ذلك نقلة هائلة في تصور الإنسان للوجود ولماهية هذا الوجود، فالإنسان لا يعيش وحده، وحقيقة الكون لا تنحصر في ماديته، وهذا التصور عن الوجود له أثره الواقعي في سلوك الإنسان وفي علاقته مع الكون من حوله.

(2) والإيمان بالغيب مع الإيمان بالحاضر ثنائية يقرها الإسلام ويوجه إليها الإنسان كي يحقق التكامل في شخصيته، فالمسلم هو الإنسان الكامل الذي يعيش بشقيه المادي والمعنوي وينظر إلى الوجود بكلتا عينيه، ولا ينظر إلى الوجود بعين واحدة كأنه أعور كما هو حال الماديين قديما وحديثا.

(3) اعتبر الإسلام أنّ الإيمان بالحاضر هو المدخل إلى الإيمان بالغيب، ومن هنا وجّه الإسلام الإنسان إلى التفكر في نفسه وفي الكون من حوله فقال تعالى: (وفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون) (الذاريات:20ــ 21).

والتفكر في ذلك يؤدي إلى الإيمان بأول الغيبيات، أي: الوجود الإلهي القائم بتدبير آيات النفس وآيات الكون، ومنه الإيمان بسائر الغيبيات التي أخبر الله عنها.

(4) والإيمان بالغيب مرتبة عالية من الإيمان، عالية في الفضل وعظيمة في الأجر، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((والذي لا إله غيره، ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ (الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ـــ إلى قوله ـــ وأولئك هم المفلحون) (البقرة:1ــ 5) (الحاكم)، وقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من قوم أعظم منا أجرا؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: «ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا» وفي رواية)) نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)) (أحمد).

قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (البقرة: من الآية3).

إنّ إقامة الصلاة تعني أداءها بأركانها وسننها وهيئاتها بأوقاتها المخصوصة مع الخشوع والتفكر فيها.

وإقامة الصلاة لا تعني أداءها فقط، لأنّ هذا التعبير يحمل بالإضافة إلى الأداء معنيين آخرين هما: الديمومة في أدائها، والقيام بها مع الاعتناء بأمرها.

والصلاة من أهم العبادات أثرا في بناء وتربية الشخصية الإسلامية الربانية، وذلك لأنها عبادة يومية تكرر في اليوم الواحد خمس مرات على الأقل.

فما هي الآثار التربية لهذه العبادة في شخصية المسلم؟.

(1) الصلاة مصدر قوة للإنسان وعلاج لضعفه البشري، لأنّ الإنسان ضعيف بخلقته قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا) (النساء: من الآية28)، ووجه القوة في الصلاة هو الاتصال بالله تعالى القوي، خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

(2) والصلاة أساس في تحرر الإنسان، لأنّ العبودية لله من خلال الصلاة تعني التحرر من العبودية للأهواء والشهوات، ومن العبودية لكل القوى الطاغوتية والشيطانية التي تعبد في الأرض، ولا يكون الإنسان حرا ما لم يكن عبدا لله وحده.

18

(3) والصلاة أساس في تربية النفس وتشذيبها وتهذيبها، لأنّ الصلاة تردع صاحبها عن الفواحش والمنكرات، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: من الآية45)، ولا يكون المسلم مصليا ما لم تصل به الصلاة إلى طهارة النفس وصفاء القلب وخشوع الجوارح.

(4) وإقامة الصلاة تعني التسامي بالنفس البشرية وتحريرها من أسر الخوف واليأس، ومن أسر الكبر والاستعلاء، لقوله تعالى: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (المعارج:19ــ 22).

(5) وفي الصلاة تقوية للروح والجسد والعقل، ففي حركاتها تقوية للجسد، وفي التفكر والتدبر فيها تقوية للعقل، وفي الخشوع والدعاء والمناجاة فيها تقوية للروح، وبالتالي فالصلاة تمنح الإنسان القوة المتوازنة للروح والجسد والعقل.

(6) والصلاة سبب للرزق، لقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طـه:132).

(7) وفي الصلاة شفاء من الأمراض التي تصيب الجسد، لما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «أشكمت درده؟»، أي: أتشتكي بطنك، بالفارسية، قلت: نعم يا رسول الله، قال: «قم فصلّ، فإنّ الصلاة شفاء» (ابن ماجة).

(8) وفي الصلاة شفاء من أمراض النفس وحالات الشدة النفسية التي تلم بالإنسان، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (أبو داود)، وكان يقول لبلال الفارسي رضي الله عنه: «أقم الصلاة، أرحنا بها يا بلال» (أبو داود).

(9) والصلاة صلة دائمة بالله، وهذه الصلة ترفع الإنسان عن حاجات الأرض ومادية الحياة، ومن خلال هذه الصلة تكون المراقبة الدائمة للنفس البشرية في حركاتها وسكناتها.

(10) وفي الصلاة تتحقق ثنائية الطهارة: طهارة الروح وطهارة الجسد، لأنّ الصلاة لا تصح إلا بجسد طاهر وثياب طاهرة ومكان طاهر من سائر النجاسات.

(11) وفي صلاة الجماعة يحس المؤمن بالمساواة حقيقة وفعلا، فالكل سواسية بين يدي الله، ولا امتياز لأحد على أحد.

(12) وفي صلاة الجماعة يحس المؤمن بقوة هذه الجماعة ووحدتها والرابطة الأخوية التي اجتمعت عليها، أي: الأخوة في الله.

(13) وفي صلاة الجماعة يحس المؤمن بحقيقة العلاقة مع الإمام، تلك العلاقة القائمة على الطاعة في المعروف، فإذا أخطأ الإمام أو سها رده المأموم إلى الصواب وأرشده إلى الحق، فصلاة الجماعة بهذا المعنى تمرين يومي على الطاعة.

وبعد: فهذا فيض من الآثار التربوية لهذه الفريضة الإسلامية، أي: الصلاة، فما أحوجنا إلى الصلاة كمدخل لتربية وبناء الشخصية المسلمة تربية ربانية، كما أرادها الله وكما تمثلت في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: من الآية3).

خرج الإنفاق هنا مخرج العموم، فهو يشمل: الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة وصدقات التطوع، وعبادة الإنفاق لها مدلولات تربية كثيرة وإليك بعضها:

19

(1) الكائن البشري مخلوق ضعيف، ومن مظاهر ضعفه حرصه على المال ومحبته له، ومن ثم الانخراط في جمعه، يقول الله تعالى: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّا) (الفجر:19ــ 20)، ومن هنا كان الإنفاق قوة للإنسان ومحاولة للقضاء على الضعف البشري، وبناء الإنسان القوي، وذلك لا يكون إلا بتطهير النفس من الشح وتزكيتها من البخل والحرص، فالشح والبخل والحرص من أمراض النفس.

(2) الإنفاق يعني الإحساس بالفقر والحاجة ومن ثم مساعدة الفقير والمحتاج، وبالتالي تعميق معنى الأخوة في الله والأخوة في البشرية والشعور بالأواصر الإنسانية، وكل هذه المعاني أساس في التربية الإسلامية الصحيحة.

(3) الإنفاق يعني تحويل الحياة إلى تعاون بين الغني والفقير، والقضاء على التطاحن بين الناس وما يولده من بغضاء وشحناء، والإنفاق يعني تأمين العاجز والضعيف والقاصر والمحتاج، ولا يخفى أثر هذه المعاني في بناء المجتمع الإسلامي القائم على المحبة والتعاون.

(4) والمنهج القرآني في تربية المسلم على الإنفاق لا يقتصر على مجرد الأمر بذلك، بل يقوم على خطوات تربوية تصل بالمسلم إلى الإنفاق طوعا، والبذل محبة، والعطاء عن رضى وطيب خاطر، وهذه الخطوات هي:

أولا ــ النظرة للمال على أنه لله، والإنسان ليس مالكا له بل هو وكيل عليه مستخلف فيه، قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه) (الحديد: من الآية7)، وهنا قال تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون) (البقرة: من الآية3).

ثانيا ــ المدح على الإنفاق والتشجيع عليه، فقوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون) (البقرة: من الآية3)، خرج مخرج المدح، وكذلك قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير) (الحديد: من الآية7).

ثالثا ــ التحذير من ترك الإنفاق واعتباره إلقاء بالنفس إلى التهلكة، قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة) (البقرة: من الآية195).

رابعا ــ للمال وظيفة اجتماعية، لابد أن يقوم بها لأنها تعود بالنفع على عامة المجتمع، ومن هنا حرم الإسلام كنز المال فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) (التوبة: من الآية34).

خامسا ــ وللمال وظيفة فردية ، فإنفاقه تطهير للنفس وتزكية لها، قال تعالى: (خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية103).

سادسا ــ والتقوى ليست مجرد ادعاء بل هي أعمال، ومن هذه الأعمال الإنفاق في سبيل الله، يقول الله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِين) (البقرة:2)، ثم وصفهم بقوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون) (البقرة: من الآية3)، وعقب على ذلك بقوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (البقرة: 5).

سابعا ــ والإنفاق حينما يمارسه المسلم فهو في الظاهر يقدمه للمحتاج، وهو في الحقيقة يقدمه لله تعالى، فالله تعالى يأخذه بنفسه، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَات) (التوبة: من الآية104)، وهذا الذي يقرره القرآن وصفا لله تعالى بأنه (يأخذ الصدقات) إنما هو تربية للمسلم على الصلة المباشرة بالله.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (البقرة: من الآية4).

20

ما أنزل إليك: هو القرآن، وما أنزل من قبلك: هي الكتب السماوية السابقة للقرآن. وفي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابا أنزل الله؟ قال : «مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ، وهو إدريس، ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن» (تفسير القرطبي). والمؤمن يجب عليه أن يؤمن بكل الكتب السماوية التي أنزلها الله على الأنبياء، وهذا الإيمان له آثاره الواضحة في تربية الشخصية الإسلامية، ومن هذه الآثار:

(1) الشعور بوحدة المعبود ووحدة الدين ووحدة البشرية ووحدة الرسل، فلا فرق بين رسول ورسول لأنه لا فرق بين كتاب وكتاب.

(2) بناء الشخصية المتسامحة والبعيدة عن التعصب المقيت الذي يقوم على التفرقة بين الكتب والتفريق بين الرسل، كما هو حال اليهود في رفضهم الإنجيل والقرآن ورفضهم الإيمان بنبوة عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكما هو حال النصارى حين يرفضون القرآن ولا يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

(3) يولد في النفس البشرية الاطمئنان إلى رعاية الله تعالى للإنسان، وإلى امتداد هذه الرعاية منذ آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو تعالى لم يخلق الإنسان ثم يتركه كي يخبط في الأرض خبط عشواء.

(4) يولد في النفس البشرية الثبات، فلا يحس المسلم أنه منقطع بإسلامه عن أسلافه من البشر، بل إنّ ما يؤمن به هو ما آمن به الأنبياء وأتباعهم منذ آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة.

(5) وهذا الإيمان بالكتب السماوية السابقة للقرآن يجعل الأمة المسلمة وارثة الرسالات السماوية ووارثة النبوات، وهي الأمة المسؤولة عن حفظ هذا التراث من العقيدة والنبوة والرسالة، وهي القدوة والأسوة لموكب الإيمان المستمر إلى لآخر الزمان.

قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: من الآية4).

تكلمنا عن الإيمان باليوم الآخر وآثاره التربوية عند الكلام عن قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّين) (الفاتحة: 4)، ونعود هنا فنؤكد أنّ المطلوب ليس مجرد العلم بوجود الآخرة، وإنما اليقين بحصول ذلك اليوم ووقوعه يقينا جازما لا يرقى إليه الشك. واليقين بالآخرة هو يقين بالعدالة الإلهية المطاقة، وهذا يولد في النفس البشرية الاطمئنان والاستقرار في الدنيا وكذلك الاستقامة في الحياة، والرغبة في العمل الصالح والسعي المستمر لإصلاح الحياة البشرية، وكل هذه المعاني أساس في سعادة البشرية في هذه الحياة الدنيا.

21