التفسير التربويالجزء 1 · ص 22 - 29

الآية 5

الآية 5

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (البقرة: 5)

المقصود بأولئك من اتصف بهذه الصفات الخمسة وهي: الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق من رزق الله، والإيمان بالقرآن وسائر الكتب السماوية، واليقين بالآخرة.

وهذه الآية من باب الترغيب في التقوى وصفاتها، ومثل هذا الترغيب كاف للمسلم حتى يحاول تطبيق هذه الصفات ويتمثلها في نفسه، لأنّ جُلّ ما يتمناه المسلم هو أن يكون على بيان ونور وبصيرة من الله في الدنيا، وأن يكون من المفلحين في الآخرة.

وهذه الصورة ليست صورة خيالية يحاول المسلم الوصول إليها فلا يصل، بل هي حالة واقعية تمثلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكان لهم أثر عظيم في حياة البشرية في ذلك الزمان، ولا يزال هذا الأثر مستمرا إلى الآن.

وهذه الصفات التي اتصف بها المتقون هي صفات المؤمنين، إذ إنّ التقوى هنا هي الإيمان، وليست التقوى شعورا أو قولا أو عملا زائدا على الإيمان، ومن هنا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم من اتصف بهذه الصفات بأنه من أهل الجنة، فلا يدخل أحد الجنة بدون تقوى لأنه لا يدخل أحد الجنة بدون إيمان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، فقرأ (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (البقرة:1ــ 5)، ثم قال: هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قرأ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم) (البقرة: 6ــ 7)، ثم قال: هؤلاء أهل النار، قالوا: لسنا منهم يا رسول الله، قال: أجل)) (تفسير ابن كثير).

22

الآيات 6-7

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 6-7)

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة في الذكر الأول» (تفسير ابن كثير).

وفي ذلك تربية من الله للمؤمنين كي لا يفاجؤوا بعدم إيمان قسم من الناس، قلّ هذا القسم أم كثر، فإنّ ذلك لابد حاصل، والداعية الذي لا يضع في حسابه هذه القاعدة لابد أنه سيُصدم ويصاب بخيبة الأمل خلال دعوته الناس إلى الإسلام، ومع ذلك فإن واجب الداعية تبليغ الإسلام للناس ودعوتهم إليه، وهذا الواجب لا يسقط عنه حتى تجاه هذه الفئة التي ختم الله على قلبها، لأنّ علم ذلك ليس إليه وإنما لله وحده.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ المسلم إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صُقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله فيه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين:14)) (الترمذي).

فالذنوب إذا تتابعت على القلب أغلقته وأتاه حينئذ الختم، ومن هنا يجب تربية المسلم على عدم التهاون بالذنوب مهما صغرت لأنها إذا اجتمعت على الإنسان أهلكته، وهذه الملاحظة هي الأساس في الوقاية من الوصول إلى مرحلة الختم على القلوب حيث لا ينفع الإنذار.

وهاتان الآيتان تضمنتا الترهيب من الكفر والتحذير من عواقبه، والوعيد الشديد عليه، بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم)، كما تضمنت الآيات الأربعة السابقة الترغيب في الإيمان والدعوة إليه من خلال المديح له والثناء على أهله، والوعد بالفلاح لمن اتصف به، بقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (البقرة: 5)، فاجتمع الترغيب مع الترهيب، والثواب مع العقاب، وتلك أهم الوسائل التربوية التي اعتمدها القرآن في خطابه للناس.

23

الآية 8

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 8)

قال مجاهد بن جبر: «أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين». ولهذا العدد في وصف الفئات الثلاثة واختصاص المنافقين بالعدد الأكبر من الآيات مدلوله التربوي، وهو أنّ النفاق أخطر من الكفر، ودليل ذلك أيضا أنّ عقوبة المنافق في الآخرة أشد من عقوبة الكافر، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء:145).

وظاهرة النفاق من أخطر الظواهر على المجتمع المسلم، فهم كالسوس ينخر في بنيان المجتمع دون أن يتنبه لهم أحد، وذلك أنهم يتظاهرون بالإسلام بخلاف الكافرين الذين يعلنون عداءهم للإسلام ، ومن هنا اهتم القرآن ببيان صفات المنافقين وأطال في الحديث عنهم حتى يتنبه لهم المسلمون فلا يغترون بما يظهرون من الإسلام. قال الإمام ابن كثير في المدلول التربوي لهذه الآيات: «لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويُجتنب من تلبس بها أيضا». وقال أيضا: «ولهذا نبّه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يُظن بأهل الفجور خير».

24

الآية 9

قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9)

نقف هنا أمام ظاهرة تربوية فريدة وهي عناية الله تعالى بالمؤمنين، إذ يجعل خداع المنافقين للمؤمنين ــ بإظهار الإيمان وإبطان الكفر كي يحقنوا دماءهم وأموالهم ــ هو خداع له سبحانه، فيشعر المؤمن أنّ الله في صفه، وأنّ معركة المنافقين مع المؤمنين هي معركة المنافقين مع الله، وهذا ما يجعل المؤمن يطمئن ولا يبالي ممن عاداه في الله، فكيف يخاف والله معه؟ وكيف يهاب المنافقين والله معه؟. ومثل ذلك يقال في معركة المؤمنين مع الكافرين، فالله تعالى مع المؤمنين يحبهم ويدافع عنهم : (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور) (الحج: 38).

وإذا كانت عناية الله بالمؤمنين هي الظاهرة الأولى في هذا النص، فإنّ الظاهرة الثانية في هذا النص هي ترهيب الله عز وجلّ للمنافقين من نتيجة هذا النفاق الذي يمارسونه، وهي خداع النفس وإيرادها موارد التهلكة وخسرانها، ومن خسر نفسه فلا ينتفع بأي ربح بعد هذه الخسارة. فأمر المنافقين في هلاك لأنهم لا يستطيعون خداع الله، فالخداع يكون على من له علم بالظاهر فقط، أما من كان له علم بالباطن فلا يكون عليه خداع، ومن خادع الله الذي له علم بالباطن فقد خدع نفسه، ومن ظن أنه خدع الله فقد وقع في إملاء الله واستدراجه، وذلك خداع الله لهم حيث يملي لهم ويستدرجهم.

وكذلك لا يستطيع المنافقون خداع المؤمنين لأنّ الله يحفظهم، ومن حِفظِه لهم أن بين لهم حقيقة النفاق، وفصّل لهم في صفات المنافقين، حتى إنّ من يقرأ آيات النفاق ويتدبر معانيها يُحس أنه يعرف هذا الصنف من الناس، يعرفه ليس في واقع المسلمين الأوائل فقط، بل في واقعه الذي يعيش فيه، ويشعر أنه يعرف هذا الصنف من الناس حتى لو كان ينظر إلى مجموعة من الناس فيهم منافق واحد. وهاهم المسلمون، وفي كل زمان يشيرون إلى المنافقين بأصابعهم، وذلك من آثار حفظ الله للمؤمنين وعنايته بهم.

25

الآية 10

قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10)

النفاق حالة مرضية، والمرض هنا ليس في الجسد وإنما ففي القلب، والمنافق مصاب بحالة فصام، فله ظاهر وهو الإسلام وله باطن وهو الكفر، ومن هنا يجب النظر إلى المنافق على أنه مريض، وبالتالي يجب توقي النفاق من خلال التربية السليمة المانعة لحصول هذه الحالة. والوقاية من النفاق تكون بالتربية القائمة على الانسجام بين الظاهر والباطن بتعويد الإنسان على الصدق، فبدون الصدق يكون للإنسان ظاهر وباطن، وبالصدق فقط يصبح الإنسان منسجما، ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره، فلا فصام ولا نفاق.

الخطوة الأولى في تحول الإنسان السليم إلى منافق هي الكذب، وإلى هذا أشار النص القرآني أعلاه فقال تعالى: (بما كانوا يكذبون)، حيث اعتبر النفاق شكلا خاصا من الكذب، وإلى ذلك أشار الحديث الشريف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث» ذكر منها «إذا حدث كذب» (البخاري). ومن هنا يجب محاربة الكذب مهما قلّ، وفي أي أمر كان، لأنه البذرة الأولى للنفاق، و لعل أخطر ما يتداوله الناس هو قولهم بالكذب الأبيض، أي: الكذب في توافه الأمور، لأنّ النار تكون من مستصغر الشرر، والكذب أسود لا بياض فيه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عن الله صديقا. وإياكم والكذب فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (البخاري). فتحري الصدق يكون في دقائق الأمور وصغارها، وتحري الكذب يكون في دقائق الأمور وصغارها، وهذا ما ينطبق على ما يسميه الناس بالكذب الأبيض. ولو نظرنا إلى المنافقين من زاوية الكذب لوجدنا أنّ جوهر كل صفات المنافقين هو الكذب، ومعنى ذلك أنه لا يمكن للمنافق أن يتحلى بتلك الصفات ما لم يمارس الكذب، ومثال ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وفي رواية «وإذا عاهد غدر» وفي رواية «وإذا خاصم فجر» (مسلم)، وكل هذه الصفات تحتاج لممارسة الكذب.

26

الآيات 11-12

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11-12)

الإفساد في الأرض هو العمل بمعصية الله، والإصلاح في الأرض هو العمل بطاعة الله، والمنافقون مفسدون في الأرض لأنّ كل صفة من صفاتهم هي معصية لله، سواء كانت كذبا أو غدرا أو فجورا أو إخلافا في الوعد إلى غير ذلك من صفاتهم. وإذا قيل للمنافقين (لا تفسدوا في الأرض) كان جوابهم (إنما نحن مصلحون)، ومن أسس التربية الإسلامية الصحيحة زرع هذه القاعدة في عقل المسلم وقلبه، وهذه القاعدة هي أن لا ينخدع بالادعاءات، فما من دعوة إلا وتنسب لنفسها الصلاح، سواء كان ذلك عن حسن نية أم كان ذلك عن سوء نية، فلا نحكم على صلاح الدعوات بمجرد قول أصحابها عنها أنها إصلاح في الأرض، وفي المثل العامي: «لا أحد يقول عن زيته عكر».

وهنا نجد أن المنافقين يدعون الصلاح وهم في الحقيقة مفسدون ولا يعلمون أنهم مفسدون، وهذا معنى قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). ومع أنّ فرعون كان من أشد الناس فسادا في الأرض نجده يدعي الصلاح فيقول لقومه: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد) (غافر: 29)، وقومه كذلك يقولون عن قوم موسى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) (الأعراف: 127)، فلسان حال ولسان مقال كل دعوة هو ادعاء الصلاح في الأرض واتهام المخالفين لها بالفساد في الأرض. والمسلم لا يغتر بهذه الادعاءات، وإنما ينظر من منظار الحق الذي أنزله الله في كتابه وعلّمه لنبيه وللمؤمنين به، وهو المنظار الذي يقوم على أنّ كل دعوة يقوم أصحابها بالمعصية في الأرض فهي دعوة مفسدة وإن ادعت الصلاح، وكل دعوة يقوم أصحابها بالطاعة في الأرض فهي دعوة مصلحة وإن اتهمها أعداؤها بالفساد.

27

الآية 13

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13)

إنّ معنى قوله تعالى: (آمنوا كما لآمن الناس) هو: آمنوا إيمانا صحيحا لا رياء فيه كما آمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإنّ معنى قولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء) هو اتهام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالسفاهة. والسفيه هو: الجاهل، الضعيف الرأي، القليل العلم بمواضع المصالح والمضار. وهنا نجد أنّ المنافقين يريدون إيمانا خاصا بهم، باعتبارهم من أشراف القوم، لا يجمعهم مع إيمان عامة الناس، باعتبارهم من الأراذل. وهذه المقولة تدل على أنهم لا يريدون الإيمان، وتدل على رغبة في تفرقة الصف الإسلامي. والموقف الإسلامي في هذه المسألة واضح وصارم، وهو أنّ الإيمان واحد، وأنّ الإيمان يجمع السيد مع العبد، والغني مع الفقير، والأشراف مع العامة، ويسوي بينهم، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا) (الكهف: 28). والموقف القرآني واضح من أولئك الذين يقولون (أنؤمن كما آمن السفهاء)، فإذا كان السفيه هو الجاهل فمن يقول (أنؤمن كما آمن السفهاء) جاهل، وإذا كان السفيه هو الضعيف الرأي، فلا أضعف رأيا ممن يقول (أنؤمن كما آمن السفهاء)، وإذا كان السفيه هو القليل العلم بمواضع المصالح والمضار، فمن يقول (أنؤمن كما آمن السفهاء) لا يعلم مصلحة نفسه من ضررها، ولذلك وصفهم الله بقوله: (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون).

ونأخذ من هذا النص حقيقتين تربويتين:

(1) إنّ الإيمان واحد، والمؤمنون متساوون، ولا فرقة في الصف الإسلامي.

(2) إنه لا عذر بالجهل في حقائق الإيمان، لأنّ الله تعالى وصف المنافقين في هذه الآية فقال: (ولكن لا يعلمون)، كما وصفهم في الآية السابقة فقال: (ولكن لا يشعرون)، ومع ذلك لم يعذرهم بجهلهم ولم يرفع العقوبة عنهم. فالمنافقون حين قالوا (إنما نحن مصلحون)، قالوا ذلك جهلا منهم بحقيقة أنفسهم، ومع ذلك وصفهم الله بقوله: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)، وحين قالوا (أنؤمن كما آمن السفهاء)، قالوا ذلك جهلا منهم بحقيقة الإيمان وحقيقة المؤمنين، ومع ذلك وصفهم الله بقوله (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)، فلم يعذرهم في الحالتين. وحقيقة الجهل يجب أن يتنبه إليها القائمون بالتربية الإسلامية، لأنّ الجهل على نوعين: الجهل البسيط، وصاحبه لا يعلم، ويعلم أنه لا يعلم، والجهل المركب، وصاحبه لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم. فأما الجاهل البسيط فيجب تعليمه، وأما الجاهل المركب فيجب إقناعه بأنه جاهل، فإن اقتنع فيجب تعليمه، وإن لم يقتنع أنه جاهل فلا فائدة من تعليمه، والجهل المركب داء عضال نادرا ما يفيد فيه التعليم، وهذا هو حال المنافقين حيث وصفهم الله بقوله: (ولكن لا يشعرون)، وبقوله: (ولكن لا يعلمون).

28

الآيات 14-15

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: 14-15)

نلمح في هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) من الصفات الأصيلة في النفاق الحقيقي هي أنّ المنافق ذو وجهين: وجه مع المؤمنين حين يقابلهم فيقول لهم (آمنا)، ووجه مع رؤسائه في النفاق أو الكفر حيث يقول لهم (إنا معكم إنما نحن مستهزئون) أي: بالمؤمنين حين نقول لهم (آمنا). وهذه الصفة، وهي أن يكون الإنسان ذا وجهين لا تأتي من فراغ ولا تتولد وتتشكل دفعة واحدة، وإنما تبدأ من العلاقات الاجتماعية العادية غير المتعلقة بالكفر والإيمان، ولذلك حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة فقال: «إنّ من شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» (البخاري)، أي: حذر من النفاق الاجتماعي لأنه مدخل إلى النفاق الإيماني، ومن هنا يجب تربية الفرد المسلم على أن يكون بوجه واحد مع كل الناس قطعا للطريق واستئصالا للمدخل إلى النفاق الإيماني.

(2) قوله تعالى: (إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم) إشارة إلى قاعدة أساسية من قواعد القرآن الكريم وهي: الجزاء من جنس العمل، فمن عمل خيرا جوزي خيرا، ومن عمل شرا جوزي شرا، وهذا هو الأساس في العدل الإلهي، وهو ما يسمى في علم التربية نظرية الثواب والعقاب. ومثل هذا النص في القرآن كثير كقوله تعالى: (وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون))يس: 54)، وقوله تعالى: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (الصافات: 39)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (الطور: 16).

(3) في قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) في مقابلة قول المنافقين: (إنما نحن مستهزئون) سمّى الله العقوبة باسم الذنب، وذلك من قبيل المشاكلة اللفظية. ومثل ذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين) (آل عمران: 54)، وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم) (النساء: 142)، وقوله تعالى: (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم) (التوبة: 79). والأدب التربوي مع الله يحمل المسلم على أن لا يصف الله تعالى بأسماء أو صفات غير لائقة به، فلا يقال عن الله أنه (المستهزئ) أو (الخادع) أو (الماكر) أو (الساخر).

(4) مع أنّ المنافقين كانوا يستهزئون من المؤمنين، فإنّ الله تعالى لم يأمر المؤمنين بمعاقبتهم، بل تولى بنفسه تقرير عقوبتهم فقال: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون). وهذا تقرير لحقيقة إيمانية مذكورة في عدد من النصوص وهي: إنّ المعركة مع المؤمنين هي معركة مع الله، وإعلان الحرب على المؤمنين هو إعلان للحرب على الله، وإنّ الله لم يترك المؤمنين وحدهم في حربهم مع الكافرين والمنافقين، وإنما هو مع المؤمنين يدافع عنهم: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور) (الحج: 38)، وهذه الحقيقة لها أثرها التربوي في بث الطمأنينة في قلوب المؤمنين وإنزال الرعب في قلوب الكافرين والمنافقين.

29