التفسير التربويالجزء 1 · ص 1692 - 1699

الآية 60

الآية 60

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 60)

(60) قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا). سبب هذه القصة ما أخرجه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم» (البخاري ومسلم). فقوله تعالى: (وإذا قال موسى لفتاه) الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه نبي الله موسى بن عمران المذكور في القرآن، وفتاه: هو يوشع بن نون. (لا أبرح) أي لا أزال أسير (حتى أبلغ مجمع البحرين) أي ملتقاهما. قلت: الراجح في مجمع البحرين حسب التاريخ والجغرافيا هو أنه ملتقى شعبتي البحر الأحمر، وأن القصة حصلت بعد عبور بني إسرائيل للبحر الأحمر وغرق فرعون ومن معه، والله أعلم. (أو أمضي حقبا) بضم الحاء والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. قال القرطبي: «وفي هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك كان دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام. قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث».

1692

الآيات 61-65

(61) و (62) و (63) و (64) و (65) قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا. فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا. قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا. فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). يناقش هذا الجزء من القصة الصحبة بين موسى عليه السلام وفتاه الذي هو يوشع بن نون، ولعل أهم ما فيه من الناحية التربوي هو الربط بين الرحمة والعلم، فالله تعالى آتى الخضر عليه السلام رحمة منه وعلمه من علمه، والعلاقة بين الرحمة والعلم هي كالعلاقة بين العاطفة والعقل، والتوازن في هذه الثنائية هو الأساس في الصلاح بينما طغيان إحداهما على الأخرى يؤدي إلى الأخطاء. فقوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا) والسرب المسلك، وقيل: جمد الماء فصار كالسرب، وجمهور المفسرين أنه بقي موضع سلوك الحوت فارغا، وفي البخاري: «فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيرا. فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ يضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا أستيقظ نسي أن يخبره، ويضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر» وفي رواية «وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما أستيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما». (فلما جاوزا) مجمع البحرين (قال لفتاه آتنا غداءنا) سأل موسى فتاه الغداء (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) يعني: تعبا وجوعا. وقوله تعالى: (آتنا غداءنا) فيه تربية على اتخاذ الزاد في الأسفار وهو من الأخذ بالأسباب، ولا يتنافى مع التوكل لأن التوكل هو الاعتماد على الله بعد الأخذ بالأسباب، ولنا أن نقول: إن الأخذ بالأسباب من التوكل المأمور به شرعا. وفي صحيح البخاري: ((إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وتزودوا) (البقرة). قوله تعالى: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلفت كبيرا، فاعتذر بذلك القول (واتخذ سبيله في البحر عجبا) أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات ثم عاش بعد ذلك، وفي صحيح البخاري: «فكان للحوت سربا ولهما عجبا». قوله تعالى: (قال ذلك ما كنا نبغي) أي قال موسى لفتاه: أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم (فارتدا على آثارهما قصصا) فرجعا يقصان آثارهما لئلا يخطئا طريقهما، وفي صحيح البخاري: «رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم موسى فرد عليه، فقال: وأنى بأرضك السلام، قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا». قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا) العبد هو الخضر عليه السلام، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة كحديث البخاري في هذه القصة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء» (البخاري والترمذي)، والخضر نبي عند الجمهور، والآيات تشهد بنبوته لأن أفعاله لا تكون إلا بوحي، وأيضا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي. (آتيناه رحمة من عندنا) والرحمة هنا النبوة (وعلمناه من لدنا علما) أي علم الغيب وهو من دلائل النبوة.

1693

الآيات 66-70

(66) و (67) و (68) و (69) و (70) قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا. قال إنك لن تستطيع معي صبرا. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا). وهذا الجزء من القصة يذكر الحوار عند اللقاء بين موسى والخضر عليهما السلام، وأبرز وقفة تربوي فيه هو تعليم الصبر وممارسته بضبط النفس عما تكره من أجل تحصيل العلم. فقوله تعالى: (قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) فيه تربية على أدب السؤال والملاطفة فيه، والمعنى: هل يتفق لك ويخف عليك؟ وفيه دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى أفضل منه بالرسالة. (قال) الخضر (إنك لن تستطيع معي صبرا) يعني: إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي، لأن الظواهر التي هي علمك لا تتفق معه. (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟) يعني: وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تعلم وجه الحكمة فيه؟ والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها. (قال ستجدني إن شاء الله صابرا) أي سأصبر بمشيئة الله (ولا أعصى لك أمرا) أي قد ألزمت نفسي طاعتك، وقيل: استثنى في الصبر فصبر، وما استثنى في قوله: (ولا أعصي لك أمرا) فاعترض وسأل، وقيل: إنما كان ذلك منه، لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدرى كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه. (قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا) أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك، وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة، فلو صبر ودأب لرأى العجب، لكنه أكثر من الاعتراض فتعين الفراق والإعراض.

1694

الآيات 71-73

(71) و (72) و (73) قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا). فقوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) وفي صحيح البخاري: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين قال له الخضر يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر إذ أخذ الفأس فنزع لوحا قال فلم يفجأ موسى إلا وقد قلع لوحا بالقدوم فقال له موسى ما صنعت قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها». (قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) يعني: عجبا، وقيل: منكرا، وقيل: الإمر الداهية العظيمة. (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) ولم يقل: لك، تلطفا من الخضر بموسى عليهما السلام. (قال لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسرا) يعني: أنه نسي فاعتذر، وفيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة وأنه لا يدخل تحت التكليف، وفي صحيح البخاري: «فكانت الأولى من موسى نسيانا».

1695

الآيات 74-76

(74) و (75) و (76) قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا). فقوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله) وفي صحيح البخاري: «فلما خرجا من البحر مروا بغلام يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده»، (قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) يعني: منكرا، وهي أبلغ من إمرا لأن الذنب في القتل أكبر من الذنب في خرق السفينة، وقيل: الزكية التي لم تذنب، ولم يكن بالغا، ولذلك قال موسى زكية لم تذنب، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) فقال هنا: لك، وهذه أشد من الأولى. (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) شرط وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما التزمه الأنبياء (قد بلغت من لدني عذرا) يعني: بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي، وهذا يدل على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقا، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع. وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب».

1696

الآيات 77-78

(77) و (78) قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). فقوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) يعني: لئام (استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدار يريد أن ينقض) يعني: مائل وقرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع، وفيه دليل على وجود المجاز في القرآن (فأقامه) فأومأ الخضر بيده على الجدار فأصلح ميلانه (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) يعني قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا، فلا يستحقون إصلاح الجدار. وفي هذه الآية دليل على سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه، والاستطعام سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة، بدليل قوله: (فأبوا أن يضيفوهما) فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا وينسبوا إلى اللؤم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. (قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا). تأويل الشيء: مآله، يعني: قال له: إني أخبرك لم فعلت ما فعلت. وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله موسى، لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما».

1697

الآيات 79-82

(79) و (80) و (81) و (82) قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا. فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا). فقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) استدل بهذا من قال: إن المسكين أحسن حالا من الفقير، وقيل: إنهم كانوا تجارا ولكن من حيث هم مسافرون في لجة بحر وبحال ضعف عن مدافعة خطب، عبر عنهم بالمساكين، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها، وهذا كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب: مسكين (فأردت أن أعيبها) أي أجعلها ذات عيب (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) قيل: كان الملك يأخذ كل سفينة جيدة غصبا فلذلك عابها الخضر وخرقها، وفي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه. قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) وهو من كلام الخضر عليه السلام، وهو الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين، ومعنى خشينا: خفنا. (فأردنا أن يبدلهما ربهما) يعني أن يرزقهما الله ولدا (خيرا منه زكاة) أي دينا وصلاحا (وأقرب رُحما) أي رحمة، وقيل: إن الرُحم هنا بمعنى الرَحم. (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين) هذان الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم (في المدينة) يعني: في القرية، والقرية تسمى مدينة (وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا) ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما المباشر، وقيل هو الأب السابع، وقيل: العاشر، وفيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك وما فعلته عن أمري) يقتضي أن الخضر نبي (ذلك تأويل) أي تفسير (ما لم تسطع عليه صبرا). ومن أدب الخضر عليه السلام أنه أسند خرق السفينة إلى نفسه فقال: (فأردت أن أعيبها) بينما أسند استخراج الكنز لله فقال: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما). وقيل: إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني، قال: كن بساما ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك.

1698

الآيات 83-85

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (الكهف: 83-85)

(83) و (84) و (85) قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا. إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا. فأتبع سببا). فيه تربية على طريقة القرآن في التعامل مع التاريخ والقصص، فهو لا يهتم بذكر الأسماء والأشخاص والأماكن، كما لا يهتم بالتحديد الدقيق للتأريخ، لأن الغاية من القصة هي العبرة، ولو اهتم القرآن بما ذكرنا لتحول إلى كتاب في التاريخ لا تتسع له المجلدات، وهذا لا يتسق مع الرسالة السماوية التي هي رسالة هداية للناس. فقوله تعالى: (ويسألونك) وذلك أن كفار مكة بعثوا إلى يهود المدينة بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونهم عنه، فأرسل اليهود إلى كفار مكة أن سلوه عن ثلاث فإن أجاب وإلا فهو متقول على النبوة فشأنكم به: سلوه عن رجل طواف في الأرض ما قصته؟ وعن فتية في الدهر الأول كان لهم أمر عجب؟ وسلوه عن الروح؟ فنزلت سورة الكهف (عن ذي القرنين) ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به فلم يعين اسمه وقومه وبلاده لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة في العبر. والتاريخ المدون ذكر ملكا اسمه الإسكندر المقدوني ذو القرنين، ومن المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور في القرآن ، فالإسكندر الإغريقي كان وثنيا وهذا الذي يتحدث عنه القرآن مؤمن بالله وحده معتقد بالبعث والآخرة. وإن التاريخ المدون قد ذكر أكثر من عشرة ملوك اشتهروا بلقب ذي القرنين لأن هذه الصفة كانت تطلق على الملوك الذي توسعوا في ملكهم فبلغوا قرني الشمس من جهة الشرق والغرب (قل سأتلو عليكم منه ذكرا) فالذي يسطره القرآن من خبر ذي القرنين هو ما يكون مفيدا في الذكر والتذكر والعبرة والفائدة (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا) يعني: مكن الله له في الأرض فأعطاه سلطانا عظيما ويسر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع (فأتبع سببا) يعني: أخذ بالأسباب في الحياة والرسالة والعمران. وهنا نلمح التوافق بين المنهج الإلهي ومنهج ذي القرنين، فالله تعالى أعطاه الأسباب وذو القرنين أخذ بالأسباب وأتم بها، وسلوك الطريق المؤدي إلى الهدف هو من الأخذ بالأسباب.

1699