التفسير التربويالجزء 1 · ص 1684 - 1691

الآية 50

الآية 50

(50) قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا). قال الرازي في علاقة هذه الآية بما قبلها: ((اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها، وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة هنا تنبيها على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر)). وفيها تحذير من الفسق باعتباره الذنب الذي أخرج إبليس من الجنة. وفيها تحذير من ولاية الشيطان وذريته واستبدالها بولاية الله تعالى لأن الشيطان عدو للإنسان فلا يأتي منه إلا الشر. وفيها تحذير من الظلم بأحد أشكاله وهو هنا استبدال ولاية الرحمن بولاية الشيطان. فقوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) خرج على طاعة الله تعالى تكبرا منه على الحق واستصغارا لآدم لأنه خلق من طين وإبليس خلق من نار، وكان يظن أن الجنس النار أفضل من جنس الطين (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو) استفهام ويحمل معنى التوبيخ والتعنيف والإنكار من الله تعالى على الناس الذين اتخذوا الشيطان وليا لهم من دون الله تعالى (بئس للظالمين بدلا) يعني: بئس عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الله، وقيل: بئس إبليس بدلا عن الله.

1684

الآيات 51-53

(51) و (52) و (53) قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا. ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا). في علاقة هذه الآيات بما قبلها قال الرازي في التفسير: ((فيه وجوه: (أحدها) وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السماوات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم. (وثانيها) وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة، فلم تقدم عليها. (وثالثها) أن يكون المراد كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة، فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل، وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به)). فقوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته، أي لم أشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت، وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض (ولا خلق أنفسهم) يعني أنفس المشركين، فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟وقيل: الكناية في قوله: (ما أشهدتهم) ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يخوض في هذه الأشياء (وما كنت متخذ المضلين) يعني الشياطين والكفار (عضدا) أي أعوانا يقال: اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت، والأصل فيه عضد اليد، ثم يوضع موضع العون، لأن اليد قوامها العضد. (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) يعني: واذكروا يوم يقول الله: أين شركائي الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي (فدعوهم) أي فعلوا ذلك (فلم يستجيبوا لهم) أي لم يجيبوهم إلى نصرهم ولم يكفوا عنهم شيئا (وجعلنا بينهم موبقا) يعني: حاجزا، وقيل: الموبق واد في جهنم يسيل نارا. (ورأى المجرمون النار) رأي العين (فظنوا أنهم مواقعوها) يعني: أيقنوا، فالظن هنا بمعنى اليقين والعلم (ولم يجدوا عنها مصرفا) أي مهربا لإحاطتها بهم من كل جانب.

1685

الآية 54

(54) قوله تعالى: (ولقد صرَّفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). فيه دليل على رحمته تعالى بالناس وخاصة الكافرين منهم الذين لا يؤمنون مهما تكررت الآيات وتنوعت البيانات، وتصريف القرآن هو إيراده على أوجه متعددة من المعاني التي أنزل عليها وهي الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والأمثال والجدل. فقوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) يعني: ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية، وقيل: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) أي جدالا ومجادلة بالباطل. روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار، فيقول الله له: ما صنعت فيما أرسلت إليك؟ فيقول: رب آمنت بك، وصدقت برسلك، وعملت بكتابك، فيقول الله له: هذه صحيفتك ليس فيها شيء من ذلك؟ فيقول: يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة، فيقال له: هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك، فيقول: ولا أقبلهم يا رب، وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي؟ فيقول الله تعالى: هذا اللوح المحفوظ أم الكتاب قد شهد بذلك، فقال: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى، فقال: يا رب لا أقبل إلا شاهدا علي من نفسي، فيقول الله تعالى: الآن نبعث عليك شاهدا من نفسك، فيتفكر من ذا الذي يشهد عليه من نفسه؟ فيختم على فيه، ثم تنطق جوارحه بالشرك، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيدخل النار وإن بعضه ليلعن بعضا يقول لأعضائه: لعنكن الله فعنكن كنت أناضل، فتقول أعضاؤه: لعنك الله، أفتعلم أن الله تعالى يكتم حديثا؟ فذلك قوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)) (أخرجه مسلم).

1686

الآية 55

(55) قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا). فيه تحذير للناس من عدم اختيار الإيمان والاستغفار بعد أن جاءهم الإيمان والهدى على يد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لأن عدم الإيمان يؤدي إلى الهلاك والدمار وعذاب الاستئصال، وهذا التحذير في حق الأمم لا في حق الأفراد. فقوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) أي القرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام (ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين) وسنة الأولين عادة الأولين في عذاب الاستئصال، وقيل: المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، (أو يأتيهم العذاب قبلا) يعني: عيانا.

1687

الآية 56

(56) قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا). فيه تربية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمن الناس طوعا لا أن يتعرضوا لعذاب الاستئصال، وليست من مهمة الرسل التحكم على الله بطلب العذاب. وفيه بيان أن من يجادل بالباطل لغرض لدحض الحق، وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا يجادلونهم لأن المجادلة إنما تحصل من الجانبين. وفيه بيان أن الكافرين لم يكونوا جادين في حوارهم بل تحولوا إلى السخرية بآيات الله وإنذاراته. فقوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين) بالجنة لمن آمن (ومنذرين) بالعذاب في الدنيا والنار في الآخرة لمن كفر (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) قيل: نزلت في المقتسمين الذين كانوا يجادلون في الرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون: ساحر أو مجنون أو شاعر أو كاهن، والدحض: الإزالة والإبطال (واتخذوا آياتي) يعني: آيات القرآن والآيات الكونية الدالة على الإيمان (وما أنذروا) من الوعيد والترهيب والعقاب (هزوا) يعني: لعبا وباطلا. وقيل: هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم، وقيل: هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين.

1688

الآية 57

(57) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا). فيه تربية على أن الكفر بالله بعد العلم بالإيمان هو أشد وأكبر أنواع الظلم. وفيه تربية على أن الختم على القلوب والآذان والطبع عليه بعد الإيمان يكون بسبب الكفر. فقوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه فتهاون بها وأعرض عن قبولها (ونسى ما قدمت يداه) أي ترك

كفره ومعاصيه فلم يتب منها، فالنسيان هنا بمعنى الترك (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) بسبب كفرهم، يعني: نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم (وإن تدعهم إلى الهدى) يعني: إلى الإيمان (فلن يهتدوا إذا أبدا).

1689

الآية 58

(58) قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا). فيه تربية على أن ترك المؤاخذة على الكفر والمعصية هو من الله تعالى إمهال للناس وليس إهمالا لهم، وهو من رحمته تعالى بالناس لعلهم يحذرون من العذاب قبل وقوعه في وقته المحدد. فقوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة) الغفور: البليغ المغفرة وهو إشارة إلى دفع المضار، ذو الرحمة: الموصوف بالرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادرا عليها، وأما فعل الرحمة فهو متناه، وقيل: المراد أنه يغفر كثيرا لأنه ذو الرحمة (لو يؤاخذهم بما كسبوا) من الكفر والمعاصي (لعجل لهم العذاب) ولكنه يمهل (بل لهم موعد) أي أجل مقدر يؤخرون إليه (لن يجدوا من دونه موئلا) يعني: ملجأ ومنجى.

1690

الآية 59

(59) قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا). فيه تربية على أن هلاك الأمم مقدر ومقرر بضوابط وقواعد وهي: إرسال الرسل أولا، وكفر الأمم بعد ذلك، والإمهال إلى حين لعل القوم يتوبون. فقوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) يعني: وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم مثل قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا (وجعلنا لمهلكهم موعدا) يعني: وقتا محددا معلوما لا يتجاوزونه.

1691