الآيات 11-15
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: 11-15)
(11) و (12) و (13) و (14) و (15) قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين). فيه تربية من خلال التهديد بالاستبدال، استبدال القوم الكافرين المصرين على الكفر بقوم مؤمنين. وفيه تصوير لمشاهد الهلاك والدمار والاستئصال الذي حل بالقوم المصرين على الكفر بالله والتكذيب لأنبيائه، حيث يفرون من العذاب ولا مفر لهم، ويندمون ويعلنون الندم ولكن في الوقت الذي لا فائدة من الندم فيه، كما قال الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم * والبغي مرتع مبتغيه وخيم. فقوله تعالى: (وكم) إخبارية والمراد منها التكثير (قصمنا) والقصم الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت، والمعنى به هنا الإهلاك. وأما الفصم (بالفاء) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة (من قرية) من مدينة حيث يعبر القرآن عن المدن بالقرى وهي الحاضرة في مقابلة البادية (كانت ظالمة) يعني: كافرة، والمراد أهلها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان (وأنشأنا بعدها) يعني: أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم (قوما آخرين) أفضل منهم. (فلما أحسوا بأسنا) يعني: رأوا عذابنا، وقيل: خافوا وتوقعوا (إذا هم منها يركضون) يعني: يفرون ويهربون، والركض العدو بشدة. (لا تركضوا) يعني: لا تفروا، وقيل: إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم (وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم) يعني: إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والمترف: المتنعم، يقال: أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه (لعلكم تسألون) يعني: لعلكم تسألون شيئا من دنياكم استهزاء بهم وتقريعا لهم وتوبيخا لفعلهم، وقيل: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به، وقيل: لعلكم تسألون الإيمان كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم. (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف. (فما زالت تلك دعواهم) يعني: لم يزالوا يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين (حتى جعلناهم حصيدا) يعني: حصيدا بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، وقيل: حصيدا بالعذاب (خامدين) يعني: ميتين، والخمود: الهمود كخمود النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفئ تشبيها بانطفاء النار.