التفسير التربويالجزء 1 · ص 1820 - 1827

الآية 9

الآية 9

(9) قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين). فيه بيان لسنة الأنبياء في أقوامهم حيث الدعوة إلى الله ثم المفاصلة على أساس العقيدة والدين ثم الفصل من الله بإنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، وأن هذه سنة الله في سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم في قومه، فلا يستعجلون العذاب والهلاك لأنه قادم على أيدي المؤمنين من خلال القتال في سبيل الله. فقوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد) يعني الأنبياء بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم (ومن شاء) يعني: الذين صدقوا الأنبياء (وأهلكنا المسرفين) يعني: الذين أسرفوا بالشرك في الله.

1820

الآية 10

(10) قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون). فيه تعنيف وتوبيخ وزجر للعرب الذين أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكروا أن يكون القرآن من عند الله من خلال البيان بأنهم أمة لم يكن لها شأن وذكر قبل القرآن، وسيكون لهم شأن بالقرآن، والله تعالى يرفع بهذه الكتاب أقواما ويضع أقواما آخرين. فقوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا) يعني: القرآن (فيه ذكركم) والمراد بالذكر هنا الشرف، وهذا كقوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك) (الزخرف: 44)، (أفلا تعقلون) هذا الأمر الذي نذكره. وقيل: (فيه ذكركم) يعني: ذكر أمر دينكم وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها؟!.

1821

الآيات 11-15

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: 11-15)

(11) و (12) و (13) و (14) و (15) قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين). فيه تربية من خلال التهديد بالاستبدال، استبدال القوم الكافرين المصرين على الكفر بقوم مؤمنين. وفيه تصوير لمشاهد الهلاك والدمار والاستئصال الذي حل بالقوم المصرين على الكفر بالله والتكذيب لأنبيائه، حيث يفرون من العذاب ولا مفر لهم، ويندمون ويعلنون الندم ولكن في الوقت الذي لا فائدة من الندم فيه، كما قال الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم * والبغي مرتع مبتغيه وخيم. فقوله تعالى: (وكم) إخبارية والمراد منها التكثير (قصمنا) والقصم الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت، والمعنى به هنا الإهلاك. وأما الفصم (بالفاء) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة (من قرية) من مدينة حيث يعبر القرآن عن المدن بالقرى وهي الحاضرة في مقابلة البادية (كانت ظالمة) يعني: كافرة، والمراد أهلها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان (وأنشأنا بعدها) يعني: أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم (قوما آخرين) أفضل منهم. (فلما أحسوا بأسنا) يعني: رأوا عذابنا، وقيل: خافوا وتوقعوا (إذا هم منها يركضون) يعني: يفرون ويهربون، والركض العدو بشدة. (لا تركضوا) يعني: لا تفروا، وقيل: إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم (وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم) يعني: إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والمترف: المتنعم، يقال: أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه (لعلكم تسألون) يعني: لعلكم تسألون شيئا من دنياكم استهزاء بهم وتقريعا لهم وتوبيخا لفعلهم، وقيل: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به، وقيل: لعلكم تسألون الإيمان كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم. (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف. (فما زالت تلك دعواهم) يعني: لم يزالوا يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين (حتى جعلناهم حصيدا) يعني: حصيدا بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، وقيل: حصيدا بالعذاب (خامدين) يعني: ميتين، والخمود: الهمود كخمود النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفئ تشبيها بانطفاء النار.

1822

الآيات 16-17

(16) و (17) قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين). فيه تربية على بطلان توحيد الربوبية من دون توحيد الإلهية والعبادة، فإذا كانوا يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض فكيف لا يعبدون هذا الخالق بل يعبدون الأصنام التي هي مخلوقة لله رب العالمين؟!. فقوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) يعني: عبثا وباطلا، بل خلقناها للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه. وقيل: وما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح. واللعب المنفي هنا ضد الحكمة. (لو أردنا أن نتخذ لهوا) اللهو: الزوجة، وقيل: الولد (لاتخذناه من لدنا) يعني: من عندنا لا من عندكم (إن كنا فاعلين) يعني: ما كنا فاعلين، (إن) بمعنى النفي وقد تم الكلام عند قوله: لاتخذناه من لدنا، وقيل: لو أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة، ومال إلى هذا بعض المفسرين لأن الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل.

1823

الآية 18

(18) قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون). فيه ترهيب من عبادة غير الله معه أو من دونه، لأن وصف الأصنام بالإلهية هو مجرد كلام لسان وأما النتيجة فهي قيام الحق بعبادة الله وحده وبطلان عبادة الأصنام بذهابها وزهوقها. فقوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل) القذف: الرمي، يعني: نرمي بالحق على الباطل، والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان، وقيل: كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان، وقيل: الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره، وقيل: أراد بالحق الحجة وبالباطل شبهاتهم، وقيل: الحق المواعظ والباطل المعاصي، والقرآن يتضمن الحجة والموعظة (فيدمغه) يقهره ويهلكه، وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة (فإذا هو زاهق) يعني: هالك وتالف (ولكم الويل مما تصفون) يعني: العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الرب بما لا يجوز وصفه، وقيل: الويل واد في جهنم، وقيل: مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد.

1824

الآيات 19-20

(19) و (20) قوله تعالى: (وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون). فيه بيان لبطلان عبادة غير الله تعالى لأن كل ما سوى الله هو ملك لله، فكيف يكون معبودا من كان عبدا؟! وكيف يكون معبودا مع الله أو من دون الله من كان مِلكا لله؟! وفيه دعوة للناس على الاقتداء بالملائكة في الطاعة والعبودية والخضوع لله رب العالمين. فقوله تعالى: (وله من في السموات والأرض) يعني: ملكا وخلقا، فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه (ومن عنده) يعني: الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله (لا يستكبرون) يعني: لا يأنفون (عن عبادته) والتذلل له (ولا يستحسرون) يعني: لا يعيون، مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، وقيل: لا يملون ولا يكلون. (يسبحون الليل والنهار) يعني: يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما (لا يفترون) يعني: لا يضعفون ولا يسأمون، يُلهمون التسبيح والتقديس كما يُلهمون النفس. قال عبد الله بن الحارث: سألت كعبا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب، فضمني إليه وقال: يا بن أخي هل يشغلك شيء عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس.

1825

الآية 21

(21) قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم يُنشِرون). فيه بيان أن الإله بجب أن يتصف بالقدرة على الحشر والنشر، ولما كان كل ما يُعبد من دون الله لا يتصف بذلك ولا يقدر على ذلك فإنه لا يصح أن يكون إلها معبودا لا مع الله ولا من دونه. فقوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) استفهام ومعناه الجحد، يعني: لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، وقيل: (أم) هنا بمعنى هل، يعني: هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى.

1826

الآية 22

(22) قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون). فيه تربية على بطلان تعدد الإله، لأن التعدد يستوجب الخصومة، والخصومة تستوجب فساد السماء والأرض، ولما كانت السماء والأرض قائمتين من دون فساد فهذا يدل على وحدانية الإله القادر المختار، والقرآن هنا يحاور بأسلوب نقض الفرض وبرهان الخلف. فقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) يعني: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، وقيل: لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير لأن أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا، وقيل: معنى (لفسدتا) أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) نزه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد.

1827