التفسير التربويالجزء 1 · ص 178 - 185

الآية 210

الآية 210

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (البقرة: 210)

يعتمد القرآن هنا أسلوبا في التربية هو التحذير من عاقبة المخالفة للأمر بعد أن يذكر ذلك الأمر، وهذا الكلام معناه التحذير من الانحراف عن الدخول في الإسلام كافة وأخذه بجميع شرائعه، كما إنه تحذير من اتباع خطوات الشيطان والزلل من بعد العلم.

178

الآية 211

قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211)

(1) وهذه الآية أيضا تحذير من سلوك بني إسرائيل، ذلك السلوك القائم على الكفر بآيات الله بعد طلبها، والأخذ ببعض الشرائع المذكورة في التوراة دون البعض الآخر.

(2) قوله تعالى: (نِعْمَةَ اللَّه). المراد بها الإسلام والرسالات والأنبياء والكتب، والإسلام هو النعمة الكبرى التي أنعم الله بها على الناس، ويدرك هذه النعمة كل مسلم، وفي الآية تحذير من تبديل هذه النعمة كما هو حال من يأخذ ببعضها دون بعض، ووعيد شديد لمن يفعل ذلك، وذلك معنى قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب).

179

الآية 212

قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: 212)

تضمنت هذه الآية المدلولات التربوية التالية:

(1) ذكر الله تعالى في هذه الآية صفتين من صفات الكافرين هما: الانخداع بالحياة الدنيا ومتاعها، والسخرية من المؤمنين لكون ما يملكونه من متاع الدنيا قليل، وقد ذكر الله هاتين الصفتين على سبيل الذم والتبشيع، فدل ذلك على أنّ المسلم يجب أن لا يتصف بهما، وهذا ترهيب.

(2) ذكر الله تعالى ثوابين للمؤمنين إذا لم يتصفوا بصفات الكافرين هما: المنزلة العالية يوم القيامة، والرزق اللامحسوب يوم القيامة، وهذا ترغيب للناس كي يتصفوا بصفات المؤمنين فيفوزوا بالثواب.

(3) دلت هذه الآية على أنّ الزهد في الدنيا من صفات المؤمنين، وهذا ترغيب في الزهد من خلال ذم النقيض، أي: ذم المتكالبين على الدنيا.

(4) في هذه الآية ذم للسخرية التي يمارسها الكافرون تجاه المؤمنين، ومن قبيل الأولى أن تكون سخرية المؤمن من أخيه المؤمن مذمومة، ومعنى ذلك ترهيب المؤمن من السخرية.

(5) دلت هذه الآية على أنّ العطاء في الدنيا لا يدل على رضا الله، لأنّ الله يعطي من شاء ما شاء لحكمة يعلمها، فلا يغتر الكافر بعطاء الله له، فيظن أنّ الله راض عنه.

180

الآية 213

قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)

(1) قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين). التبشير: إعلام مع تطمين، والإنذار: إعلام مع تخويف، والتبشير ترغيب والإنذار ترهيب، فدلت هذه الآية على أنّ الترغيب والترهيب هما من صلب دعوة الرسل، وهذا يدل على الدور التربوي الذي يقوم به الرسل بين الناس، وعلى أهمية الترغيب والترهيب كوسائل في تربية الناس وإدخال الإسلام في نفوسهم.

(2) قوله تعالى: (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين). قدم كلمة (مبشرين) على كلمة (منذرين)، وكذلك في قوله تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين) (النساء: 165)، وكذلك في قوله تعالى: (شاهدا ومبشرا ونذيرا) (الأحزاب: 45)، لأنّ التبشير يجري مجرى الوقاية والإنذار يجري مجرى العلاج، والوقاية مقدمة على العلاج. ولهذا التقديم مدلول آخر وهو أنّ رحمته تعالى سبقت غضبه. واعلم أنّ في الإنسان عاطفتين: عاطفة الرجاء وهذه ينفع معها التبشير والترغيب، وعاطفة الخوف وهذه ينفع معها الإنذار والترهيب، وهذا الكلام يقودنا إلى قاعدة تربوية وهي أنه: من كانت عنده عاطفة الرجاء غالبة كان الترغيب والتبشير معه أنفع، ومن كانت عنده عاطفة الخوف غالبة كان الإنذار والترهيب معه أنفع، وهذه القاعدة التربوية تدلنا على مدى حاجة الداعية إلى العلم بالنفوس البشرية وعواطفها ومداخلها قبل الدخول في تجربة الدعوة إلى الله بين الناس.

(3) قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه). هذه الآية تدل على دور الكتاب السماوي بين الناس، فهو لم ينزله الله كي تطرب الآذان بتلاوته، ولم ينزله الله كي يستمتع الناس بثقافته، ولم ينزله كي يُقرأ في المناسبات، ولم ينزله كي تفتتح به برامج الإذاعات والتلفزيونات، وإنما أنزله الله كي يتحاكم إليه الناس في كل شؤونهم الحياتية صغيرها وكبيرها، وأنزله الله كي يتحاكم إليه الناس في سائر خصوماتهم وخلافاتهم صغيرها وكبيرها، وما أحوج الناس إلى هذه القاعدة في دور الكتاب وخاصة أولئك المنتسبين إلى الكتاب، وما أحوج الدعاة إلى تبيانها للناس، وما أحوج المربين إلى حمل الناس على الالتزام بها.

181

(4) قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُم). هذه الآية تدل على طبيعة الخلاف بين الناس وخاصة أهل الكتب السماوية، فهو خلاف سببه البغي، البغي بأشكاله: بغي الرياسة، وبغي الحسد، وبغي الهوى، وبغي الحرص، وبغي الطمع، وبغي الكبر والتعالي، والبغي يحصل أولا ثم ترفع شعارات فكرية وثقافية كي تضفي على الخلاف والفرقة طابع النزاهة، وطابع التجرد من المصالح الخاصة، وهذه الحقيقة جديرة بأن يقف عندها كل من يحاول ردم الهوة بين الفرق المتناحرة، فلا ينخدع بما يرفعه أصحاب هذه الفرق من شعارات، بل يبحث عن البغي كسبب للخلاف والفرقة. ومن خلال هذه الحقيقة نلمس دور التربية في الخلافات والنزاعات التي ستحصل في المستقبل، وكذلك دور التربية في إزالة الخلافات والنزاعات. ولهذه الحقيقة شواهد من القرآن كقوله تعالى في سورة آل عمران: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم) (آل عمران: 19)، وقوله تعالى في سورة الشورى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم) (الشورى: 14)، وقوله تعالى في سورة الجاثية: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم) (الجاثـية: 17).

182

الآية 214

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)

(1) دلت هذه الآية على أنه لا إيمان من دون امتحان، سواء كان الامتحان بالفقر أم بالمرض أم بالخوف من الأعداء، والامتحان له هدفان تربويان: (الأول) إعداد المؤمنين كي يقوموا بدورهم في الرسالة وإعمار الأرض والخلافة. (والثاني) بيان الصادق في ادعائه الإيمان من الكاذب في هذا الادعاء، كي لا يكون الكاذبون عقبة في المستقبل يمنعون الصف الإيماني من أداء دوره في الحياة.

(2) وفي هذه الآية تسلية للمؤمنين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانوا من المهاجرين الذين تركوا الأهل والمال أم من الأنصار الذين تكالبت عليهم قوى الشرك من كل حدب وصوب، وفيها تسلية لسائر المؤمنين من بعدهم على ما يلاقونه من الامتحان والابتلاء، والتسلية تؤتي ثمارها وتؤدي دورها خاصة إذا كانت من الله، والعزاء يأخذ مجراه بتعميم المصيبة، فالمصيبة إذا عمّت سهلت، وفي الأمثال يُقال: «من تذكر مصيبة غيره هانت عليه مصيبته».

(3) وتعميم المصيبة دلّ عليه النص بقوله تعالى: (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم)، وفي الحديث عن خباب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه» (البخاري).

(4) قوله تعالى: (ألا إنّ نصر الله قريب). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» (البخاري). وفي هذين النصين تربية على التفاؤل والأمل بنصر الله مع الثبات على الإيمان وعدم الاستعجال، وهكذا يجب أن يكون المسلمون دائما، فلا يتشاءمون بالهزيمة بل يتفاءلون بنصر الله مع الحفاظ على موجبات النصر من ثبات على الإيمان وعدم الاستعجال. والتربية على التفاؤل والأمل من الله مع شروط هذا التفاؤل أساس مهم من الأسس التربوية، لأنّ من أخطر وسائل الهدم تربية الناس على اليأس والتشاؤم، حيث إنّ اليأس والتشاؤم يهدمان النفوس ويعطلان الأجسام.

183

الآية 215

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215)

(1) قوله تعالى: (يَسْأَلونَك). ظاهرة الأسئلة ظاهرة مهمة ويجب التعامل معها تربويا من خلال الاهتمام بها والإجابة عليها، لأنّ مصدر التساؤل إما أن يكون من الاقتناع بالعقيدة والبحث عن السلوك الذي يتفق معها أو يكون من أعداء الإسلام حيث يلقون الأسئلة على المسلمين للتشكيك، وهنا يبادر المسلمون لسؤال المراجع الدينية، وفي كل الحالات يجب الاهتمام بالتساؤلات والإجابة عليها.

(2) قوله تعالى: (مَاذَا يُنْفِقُون). هذا السؤال جوابه (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر)، وبقية الكلام في وجوه الإنفاق زيادة على السؤال، وهذه قاعدة تربوية وتعليمية مهمة وهي أن لا يقتصر العالم على الإجابة على السؤال، بل يضيف إلى الجواب ما يعتقد أنّ السائل محتاج إليه وإن لم يسأل عنه، وهذا كالكلام ابتداء على أمر يحتاجه الناس ولم يسألوا عنه.

(3) قوله تعالى: (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر). لهذا القول مدلولان تربويان: (الأول) إنّ الإنفاق خير للأخذ والمعطي والجماعة سواء، ومن هنا سمى الله المال خيرا. (والثاني) إنّ المنفق عليه أن ينفق من خير ما يملك ومن أحب ما يملك، لا أن ينفق الرديء والسيئ، لأنّ الإنفاق قرض يقدمه الإنسان لله وسيلقى ثوابه.

(4) قوله تعالى: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل). نلمح في هذا الترتيب مراعاة الميول الفطرية عند الإنسان بأن جعل الله الإنفاق على الأقرب فالأقرب، وهذه القاعدة التربوية يجب الأخذ بها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ومراعاة الميول الفطرية في التشريع الإسلامي يدل على رحمة الله بالإنسان، كما نجد في هذه المراعاة ترغيب على فعل الخير، حيث يصبح الباعث على الفعل طاعة الله وصلة الرحم والاهتمام بالقرابات والحقوق.

(5) قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم). مع أنّ هذا الكلام إخبار، فإنّ مضمونه هو الترغيب في فعل الخير وذلك من خلال الإخبار بالرقابة الدائمة من الله على الإنسان، ولهذه الرقابة أثرها التربوي في التشجيع على فعل الخير والإكثار من فعل الخير والوقاية من فعل الشر أو الاقتراب منه.

184

الآية 216

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)

(1) قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم). نقف في هذه الآية أمام طريقة فريدة في التربية تقوم على التحبيب بالمكروه والتكريه بالمحبوب من خلال التسليم بعلم الله وقضائه ومن خلال تجربة الإنسان نفسه، وذلك أنّ القتال وغيره من الفرائض الدينية وكذلك السنن الدينية، تحس النفس البشرية بالكره لها لما فيها من المشقة،وبالعكس تحس النفس البشرية بالحب للشهوات بشكل عام، وذلك معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات» (مسلم)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (مسلم). والله تعالى بين للناس أنّ الفرائض وإن كانت مكروهة طبعا فإنها خير، لأنها تؤدي إلى صرح الناس في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة، وأنّ الشهوات وإن كانت محبوبة طبعا فإنها شر، لأنها تؤدي إلى فساد الناس في الدنيا ودخول النار في الآخرة، والإنسان الذي يقرأ هذا الكلام الرباني لابد وأنه مر بتجارب، كره أشياء وتبين بالنتيجة أنها خير له، وأحب أشياء وتبين له بالنتيجة أنها شر له، ومن هنا يحصل التسليم بحقيقة هذا النص القرآني، هذا ناهيك عن التسليم بعلم الله تعالى المطلق وقضائه الهادف ومعرفته بما يَصلح للناس ويُصلحهم.

(2) قوله تعالى: (واللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون). ترغيب على فعل الفرائض وإن كانت مكروهة، وترك الشهوات وإن كانت محبوبة. قال الإمام الرازي: «فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد، وذلك لأنّ الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره ومصلحته، علم قطعا أنّ الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن، فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أنّ علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك».

185