التفسير التربويالجزء 1 · ص 170 - 177

الآية 199

الآية 199

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 199)

(1) قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس). معناه: قفوا كما يقف الناس كي تفيضوا كما يفيض الناس، والمخاطب بذلك هم الحُمُس أي: المتشددون في الدين وهم قريش ومن ولدت، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمون الحُمُس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله من حيث أفاض الناس» (البخاري). جاء الإسلام ليقرر مبادئ فيها صلاح الناس، ومن هذه المبادئ المساواة بين الناس في النفس البشرية، والمساواة بين المسلمين في دين الله فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، والحُمُس ميزوا بينهم وبين سائر العرب في كثير من العبادات وخاصة مناسك الحج، فلم يبق الحج كما كان في عهد إبراهيم عليه السلام، ومن هذه التغييرات أنّ عامة العرب يقفون بعرفات والحُمُس يقفون بمزدلفة، وانطلاقا من مبدأ المساواة أمر الله الناس أن يقفوا جميعا في عرفات، فلا موقف إلا في عرفات، ومن لم يقف في عرفات فليس له حج.

(2) وهذا التشريع يتفق مع مقاصد الحج، إذ إنّ الحج مؤتمر سنوي له أهداف متعددة، منها تمتين الوحدة الإسلامية وتقويتها من خلال هذا الاجتماع الكبير، ومنها تأكيد مبدأ المساواة بين الناس بوحدة الأفعال ووحدة المنسك ووحدة اللباس، ومنها التذكير بالموقف يوم الحشر، وما لم يتذكر الواقف في عرفات موقف الحشر فهو لم يصل إلى الغاية المرتجاة من التشريع، ومنها التربية الروحية بالامتناع عن كل المحرمات والامتناع عن بعض المباحات في غير موسم الحج، وهذه بعض الأهداف التربوية من الحج.

(3) قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه). الأمر بالاستغفار لمن وقع منه الذنب أمر مفهوم، ولكن الأمر بالاستغفار لمن لم يقع منه الذنب أمر يحتاج إلى تبيان الحكمة التربوية منه، فنقول: إنّ الإسلام أمر بالاستغفار مطلقا وجعله للمذنب وغير المذنب وخاصة بعد الفراغ من العبادات، كما ثبت في صحيح مسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا» (مسلم)، وكما قال هنا (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه) بعد أداء عبادة الإفاضة من عرفات.

والحكمة التربوية في ذلك هي تذكير الإنسان ببشريته وإنسانيته، فهو عرضة للتقصير في أداء الواجبات وترك المحظورات، وهو غير معصوم عن الخطأ، والمراد به الذنب، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون» (الترمذي)، وتذكير المسلم ببشريته يعني عدم الركون إلى الضعف، وعدم الاستسلام إلى المعصية، بل الاستغفار منها والتوبة إلى الله فيها، ومن هنا كانت التوبة قوة للإنسان في مواجهة ضعفه البشري.

170

(4) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم). كلمة (غفور) تفيد المبالغة في قبول المغفرة، والقدرة على المغفرة مهما عظمت الذنوب ومهما كثرت، ومن هنا فإنّ قوله تعالى (إنّ الله غفور) يفيد الترغيب في التوبة مهما عظمت الذنوب ومهما كثرت وتكررت، أما قوله تعالى (رحيم) فهي تفيد المبالغة في الرحمة، ومن رحمته تعالى بالناس أنه غفور، أي: من رحمته تعالى بالناس قبول التوبة وغفران الذنب.

171

الآيات 200-202

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (البقرة: 200-202)

(1) قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا). قال الإمام القرطبي: «كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفتخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، حتى إنّ الواحد منهم ليقول: الله إنّ أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من ذكرهم آبائهم أيام الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين». تضمنت هذه الآية ترغيب المسلمين وحثهم على ذكر الله بعد الفراغ من أداء مناسك الحج خلافا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والمراد من ذلك تربية المسلمين على أنّ لهم هدفا أسمى من التفاخر بالآباء وهو حمل رسالة الإسلام إلى الناس ونشرها، ومضمون هذه الرسالة ذكر الله تعالى لا التفاخر بالأحساب والتباهي بالأنساب وتناشد الأشعار، كما إنّ المراد من ذكر الله بعد الفراغ من الحج قهر النفس ومحو الآثار السلبية السيئة فيها وتنوير القلب بذكر الله، خلافا لما يحدثه ذكر الآباء والتفاخر بهم من آثار سيئة في النفس البشرية.

(2) قوله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق). قال الإمام القرطبي: «كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم». والمراد من هذا النص تربية المسلمين على أن يطلبوا من الله خير الدنيا وخير الآخرة لا أن يقصروا طلبهم على الدنيا، وقد جاء هذا المراد بأسلوب الذم والتنفير وعدم التشبه بما كان يفعله أهل الجاهلية عقب أدائهم لمناسك الحج.

(3) قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). هذا الدعاء من جوامع الكلم، وحسنة الدنيا عامة في المال والصحة والعلم وغير ذلك، وأما حسنة الآخرة فهي الجنة. وقد ورد في السنة ما يدل على الترغيب في هذا الدعاء، كما هو ظاهر القرآن في مديح من كان هذا دعاؤه، فقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَة) بعد قوله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) يفيد الترغيب في الدعاء الثاني، ويفيد الترهيب من الدعاء الأول وذم أهله.

172

(4) كما إنّ في قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) ترغيب في الدعاء الثاني الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (البخاري ومسلم)، «وقيل لأنس بن مالك رضي الله عنه: ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؟ قد سألت لكم الدنيا والآخرة» (تفسير ابن كثير). وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم ، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، لا تطيقه، أو لا تستطيعه، هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (مسلم).

(5) ولهذه الآيات ترتيب تربوي أشار إليه الإمام الرازي فقال: ((اعلم أنّ الله تعالى بيم أولا مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام)، ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)، وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لابد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإنّ الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر، كما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين) (الشعراء: 78)، ثم أتبعه بالدعاء فقال: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين) (الشعراء:83)).

173

الآية 203

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 203)

(1) قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى). دلت هذه الآية على أمرين: (الأول) رحمة الله تعالى بالناس وتيسيره عليه وترخيصه لهم، فمن أراد قصر الذكر على يومين من أيام التشريق، ومن أراد أكمل الذكر في أيام التشريق الثلاثة مع التساوي في الأجر، والمراد من هذا التشريع التيسير لمن استعجل في العودة إلى بيته وبلده من موسم الحج. (والثاني) دلت هذه الآية على أنّ الصواب قد يتعدد، وليس بالضرورة أن يكون الصواب واحدا بشكل دائم، وهذه القاعدة يحتاجها المسلمون في خلافاتهم الدينية والفقهية، والتي تشعل الحروب الفكرية والكلامية في كثير من الأحيان، وتؤدي إلى فساد البين والتقاطع والتدابر في البيت الواحد. قال الإمام الرازي في التفسير: «قال بعض المفسرين: إنّ منهم من كان يتعجل ومنهم من كان يتأخر، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، وكان المتأخر يرى أنّ التعجيل مخالفة لسنة الحج، وكان المتعجل يرى أنّ التأخر مخالفة لسنة الحج، فبيّن الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل».

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون). دلت هذه الآية على ثلاثة أمور: (الأول) التذكير بالحشر في عبادة هي أقرب العبادات شكلا ومضمونا إلى الحشر، فالحج حشر مصغر، لاجتماع الناس في مكان واحد وزمان واحد ولباس واحد، وخاصة الوقوف بعرفة. (والثاني) الترغيب بالتقوى من خلال التذكير بالحشر، لأنه من تذكر أنه لابد من البعث بعد الموت ولا مناص من الحشر والسؤال والحساب ولا مفر من الجنة أو النار، كان ذلك أبعث على التقوى، والتي هي فعل الواجبات وترك المحظورات. (والثالث) هذه الآية تحمل معنى الترغيب لمن كان محسنا والترهيب لمن كان مسيئا، لأنّ مضمون الحشر هو الحساب، زمنه الثواب لمن أحسن والعقاب لمن أساء، فجمعت هذه الآية بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

174

الآيات 204-207

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 204-207)

(1) يرسم النص القرآني صورة حية لنموذجين من الناس: (الأول) هو نموذج المنافق الشرير. (والثاني) هو نموذج المؤمن الصادق. والمراد من هذا التصوير الفني هو الترهيب من نموذج النفاق والتحذير من صفاته، والترغيب في نموذج الإيمان والدعوة إليه، والتشجيع على الاتصاف بصفاته. والملفت للنظر في هذا الأسلوب ــ أسلوب الوصف ــ هو الدقة التعبيرية، حتى لتحس أنّ هذا النموذج الموصوف بهذه الصفات نموذجا حيا تستطيع أن تميزه من بين الناس، وأنك تعرفه وتعيش معه.

(2) قوله تعالى: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِه). قال القرطبي: «قال علماؤنا: وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدنيا والدين، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأنّ الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن بواطنهم، لأنّ الله تعالى بيّن أحوال الناس وأنّ منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا».

(3) قوله تعالى: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (البخاري)، أي: الشديد الخصومة بالباطل، فدلّ هذا على أنّ الله يبغض من كانت هذه صفته، وذكر ذلك في كتابه ليحذر من هذه الصفة وينفر المؤمنين منها، والمؤمن يكفيه أن يعلم أنّ الله يبغض هذه الصفة حتى يبتعد عنها ويتركها، وخاصة أنها من صفات المنافقين، كما ثبت في صحيح البخاري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث» ذكر منها «إذا خاصم فجر» (البخاري).

(4) قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث» ذكر منها «إذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان» (البخاري)، والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل هو غدر وخيانة، وقد ذكر الله هذه الصفة حتى يبتعد الناس عنها ولا يتصفوا بها.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد). والفساد في الأرض هو العمل بالمعاصي، وهذا ترهيب من الفساد،والمسلم يكفيه أن يعلم أنّ الله لا يحب عملا حتى يبتعد عنه.

(6) قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْم). إنّ المسلم إذا قيل له اتق الله انصاع لأوامر الله وتواضع لذكر الله، وإنّ المنافق إذا قيل له اتق الله كره ذلك وتمرد على أوامر الله وتكبر عن ذكر الله. قال الإمام القرطبي: ((ذكر أنّ يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت، فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي؟! قال: لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ))، فانظر إلى أثر التربية القرآنية في نفوس المؤمنين!.

175

(7) قوله تعالى: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد). ترهيب شديد ووعيد أكيد لمن اتصف بصفات المنافقين المذكورة في هذه الآيات، والترهيب أحد أساليب التربية القرآنية.

(8) قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه). قال الإمام ابن كثير: «قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه أسلم بمكة وأراد الهجرة، فمنعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة في المدينة، فقالوا: له ربح البيع، قال: وأنتم لا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله عز وجلّ أنزل فيه هذه الآية». والمراد من هذا النص ذكر الصفات الحميدة للمؤمنين كي يقتدي بها المسلمون على مر الدهور، فصهيب اشترى دينه بماله كاملا فلم يعتبر نفسه خاسرا، والصحابة لم يعزوه بفقدان المال وإنما هنؤوه بربح الدين، فانظر كيف فهم المسلمون الإسلام ، وبأي ثمن كانوا يفتدون دينهم، ولذلك أنزل الله فيهم قرآنا يتلى، ومدحهم وأثنى عليهم، وشجع المسلمين على الاقتداء بهم.

(9) قوله تعالى: (وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد). قال الإمام الرازي: «فمن رأفته أن جعل النعيم الدائم جزاءً على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوّز لهم كلمة الكفر إبقاءً على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أنّ المصر على الكفر مئة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أنّ النفس له والمال ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا».

176

الآيات 208-209

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 208-209)

(1) قوله تعالى: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة). معناه: خذوا الإسلام بكافة شرائعه، قال مجاهد: «ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة»، والمراد من هذا النص تربية المسلمين على قاعدة من أهم قواعد الإسلام وهي أخذ الإسلام جملة، فلا أنصاف مسلمين ولا أرباع مسلمين، القاعدة في ذلك: إسلام أو لا إسلام، لأنّ أخذ بعض الإسلام وترك بعضه هو تشكيك للناس في الإسلام، فهو يجعل الناس يظنون أنّ الإسلام لو كان صالحا بجملته لكل زمان ومكان لما أخذ أصحابه بعضه وتركوا البعض الآخر، وما يحصل من تشويه للإسلام بأخذ بعضه وترك بعضه أشد خطرا على الإسلام من تركه كله.

(2) قوله تعالى: (السلم). المراد من السلم هنا هو: الإسلام، بإجماع المفسرين، وإنما سمى الإسلام سلما كي يعلم الناس أنه لا سلام إلا بالإسلام، ولا أمان إلا باتباع تعاليم الإسلام، ولا قرار ولا استقرار للبشرية إلا بالدخول في الإسلام كافة وأخذه بكل شرائعه، ومن عاش في الجاهلية قبل الدخول في الإسلام يدرك هذا المعنى، ومن لم بعش فليطلع على المجتمعات البشرية فإنه سيجدها تعيش القلق والاضطراب والفراغ الروحي، وسيجد أنّ الإنسان لا يأمن في هذه المجتمعات لا على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه.

(3) قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ). تحذير للمؤمنين من الأخذ ببعض الإسلام دون بعضه، لأنّ فاعل هذا يكون قد اتبع الشيطان بفعله، ولعل من أساليب الشيطان أنه إن لم يستطع ردّ المسلمين عن الإسلام كله أوقعهم في ترك بعضه.

(4) قوله تعالى: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَات). يدل على أنّ جرم العالم أعظم من جرم الجاهل، وعقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، وهذه ضريبة العلم.

(5) قوله تعالى: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم). قال القرطبي: ((حكى النقاش أنّ كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه: (فاعلموا أنّ الله غفور رحيم)، فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقال الرجل: (فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم)، فقال كعب: هكذا ينبغي)). وقال الرازي: ((يُحكى أنّ قارئا قرأ (غفور رحيم) فسمعه أعرابي فأنكره، فقال: إن هذا كان كلام الله فلا يقول هكذا، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه)). واعلم أنّ هذه قاعدة تربوية هامة، وهي أنّ الترغيب بالرحمة والمغفرة إنما يكون بعد وقوع الذنب لا قبله، لأنّ الترغيب بالرحمة والمغفرة فبل وقوع الذنب يعمي التشجيع على الذنب والإغراء به، وأما قبل وقوع الذنب فيجب الترهيب من المخالفة بذكر صفات الترهيب كالعزة والشدة، ولما كان قوله تعالى (فإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَات) هو تحذير من المخالفة، فناسب أن يقال بعده (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم).

177