الآية 199
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 199)
(1) قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس). معناه: قفوا كما يقف الناس كي تفيضوا كما يفيض الناس، والمخاطب بذلك هم الحُمُس أي: المتشددون في الدين وهم قريش ومن ولدت، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمون الحُمُس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله من حيث أفاض الناس» (البخاري). جاء الإسلام ليقرر مبادئ فيها صلاح الناس، ومن هذه المبادئ المساواة بين الناس في النفس البشرية، والمساواة بين المسلمين في دين الله فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، والحُمُس ميزوا بينهم وبين سائر العرب في كثير من العبادات وخاصة مناسك الحج، فلم يبق الحج كما كان في عهد إبراهيم عليه السلام، ومن هذه التغييرات أنّ عامة العرب يقفون بعرفات والحُمُس يقفون بمزدلفة، وانطلاقا من مبدأ المساواة أمر الله الناس أن يقفوا جميعا في عرفات، فلا موقف إلا في عرفات، ومن لم يقف في عرفات فليس له حج.
(2) وهذا التشريع يتفق مع مقاصد الحج، إذ إنّ الحج مؤتمر سنوي له أهداف متعددة، منها تمتين الوحدة الإسلامية وتقويتها من خلال هذا الاجتماع الكبير، ومنها تأكيد مبدأ المساواة بين الناس بوحدة الأفعال ووحدة المنسك ووحدة اللباس، ومنها التذكير بالموقف يوم الحشر، وما لم يتذكر الواقف في عرفات موقف الحشر فهو لم يصل إلى الغاية المرتجاة من التشريع، ومنها التربية الروحية بالامتناع عن كل المحرمات والامتناع عن بعض المباحات في غير موسم الحج، وهذه بعض الأهداف التربوية من الحج.
(3) قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه). الأمر بالاستغفار لمن وقع منه الذنب أمر مفهوم، ولكن الأمر بالاستغفار لمن لم يقع منه الذنب أمر يحتاج إلى تبيان الحكمة التربوية منه، فنقول: إنّ الإسلام أمر بالاستغفار مطلقا وجعله للمذنب وغير المذنب وخاصة بعد الفراغ من العبادات، كما ثبت في صحيح مسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا» (مسلم)، وكما قال هنا (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه) بعد أداء عبادة الإفاضة من عرفات.
والحكمة التربوية في ذلك هي تذكير الإنسان ببشريته وإنسانيته، فهو عرضة للتقصير في أداء الواجبات وترك المحظورات، وهو غير معصوم عن الخطأ، والمراد به الذنب، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون» (الترمذي)، وتذكير المسلم ببشريته يعني عدم الركون إلى الضعف، وعدم الاستسلام إلى المعصية، بل الاستغفار منها والتوبة إلى الله فيها، ومن هنا كانت التوبة قوة للإنسان في مواجهة ضعفه البشري.