التفسير التربويالجزء 1 · ص 1861 - 1868

الآية 96

الآية 96

(96) قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون). فيه بيان أن خروج يأجوج ومأجوج هو من العلامات الكبرى للساعة، وأنه متى حصل ذلك فإن الوقت إلى النفخة الأولى قد أصبح محدودا ومعروفا. فقوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) يعني: إذا فتح سد يأجوج ومأجوج (وهم من كل حدب ينسلون) يعني: من كل ناحية وصوب، والحدب: ما ارتفع من الأرض، والنسلان: مشية الذئب إذا أسرع. وقيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر، وقيل: جميع الخلق، فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف، وهم يسرعون من كل ناحية وصوب.

1861

الآية 97

(97) قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين). فيه ترهيب من مشاهد يوم القيامة حيث تشخص الأبصار ويتنبه الناس من الغفلة مع عدم الفائدة من هذا التنبه، والاعتراف بالذنب مع عدم الجدوى. فقوله تعالى: (واقترب الوعد الحق) يعني: القيامة (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) يعني: لا تكاد تطرف من هول الموقف (يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا) يعني: كنا غافلين عن هذا الموقف (بل كنا ظالمين) يعني: بالمعصية، ووضع العبادة في غير موضعها.

1862

الآيات 98-100

(98) و (99) و (100) قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون). فيه ترهيب من نار جهنم حيث تلقى فيها الأصنام مع من يعبدوها، وترد الأصنام مع عابديها إلى نار جهنم، ولو كانت هذه الأصنام آلهة حقا لما وردوها وخلدوا فيها. فقوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال القرطبي: ((قال ابن عباس رضي الله عنه: آية لا يسألني الناس عنها! لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها، فقيل: وما هي؟ قال: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)، لما أنزلت شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى واليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، فأنزل الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) (الأنبياء: 101). وهذه الآية أصل في القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها، فهذا عبد الله بن الزبعرى قد فهم (ما) في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح)). والحصب: الحطب، وكل ما يلقى في النار (أنتم لها واردون) يعني: فيها داخلون، والخطاب للمشركين عبدة الأصنام، أي أنتم واردوها مع الأصنام. وقال العلماء: لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم، لأن (ما) لغير العاقل، ولو أراد ذلك لقال: (ومن). (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) يعني: لو كانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار، وقيل: ما وردها العابدون والمعبودون، ولهذا قال: (وكل فيها خالدون). (لهم فيها زفير) يعني: لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين زفير، والزفير: صوت نفس المغموم يخرج من القلب (وهم فيها لا يسمعون) لأنهم يحشرون صما، كما قال الله تعالى: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما) (الإسراء: 97)، وفي سماع الأشياء روح وأنس، فمنع الله الكفار من ذلك في النار. وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم.

1863

الآيات 101-103

(101) و (102) و (103) قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون). فيه ترغيب بالإيمان من خلال التذكير بما يؤول إليه المؤمنون يوم القيامة حيث يُبعدون عن النار، ولا يسمعون لها صوتا، ولهم في الجنة ما يشتهون، وهم فيها خالدون، ولا يخافون يوم القيامة لأن ملائكة الرحمة يستقبلونهم بالبشرى والأمان والتطمين. فقوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) يعني: الجنة (أولئك عنها) يعني: عن النار (مبعدون) فمعنى الكلام الاستثناء، ولهذا قال بعض أهل العلم: (إن) هنا بمعنى (إلا) وليس في القرآن غيره. (لا يسمعون حسيسها) يعني: حس النار وحركة لهبها، والحسيس والحس: الحركة، وقيل: إذا دخل أهل الجنةِ الجنة لم يسمعوا حس أهل النار وقبل ذلك يسمعون، والله أعلم (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) يعني: دائمون. (لا يحزنهم الفزع الأكبر) يعني: أهوال يوم القيامة والبعث، وقيل: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الإذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر: رجل أم قوما محتسبا وهم له رضوان، ورجل أذن لقوم محتسبا، ورجل ابتلي برق الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه» (الطبراني في المعجم الصغير والبيهقي في شعب الإيمان)، (وتتلقاهم الملائكة) يعني: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: (هذا يومكم الذي كنتم توعدون)، وقيل: تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور فيه الكرامة.

1864

الآية 104

(104) قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين). فيه بيان أن نهاية الدنيا كبدايتها، فإذا كانت البداية كفتح السجل فإن النهاية كطي السجل، والبعث هو إعادة للخلق، والله يبدأ الخلق ثم يعيده. فقوله تعالى: (يوم نطوي السماء) التقدير: إن الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء (كطي السجل للكتب) يعني: كطي الصحيفة على ما فيها، والسجل: الصك، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة، وأصلها من السجل وهو الدلو، تقول: ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة (كما بدأنا أول خلق نعيده) يعني: نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون. وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده)) (مسلم والنسائي). (وعدا علينا) إنجازه والوفاء به، يعني: البعث والإعادة (إنا كنا فاعلين) للتأكيد.

1865

الآيات 105-106

(105) و (106) قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين). فيه بيان أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وقد كتب الله في التوراة والإنجيل والقرآن أن ميراث الأرض يكون للصالحين من عباده. وفيه تربية على أن الذي يستفيد من بلاغ الأنبياء هم القوم المطيعون لله الخاضعون له محبة وخوفا. فقوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور) الزبور: الكتاب، وزبر: كتب، والمراد من الزبور هنا التوراة والإنجيل والقرآن (من بعد الذكر) الذي في السماء (أن الأرض) يعني: أرض الجنة (يرثها عبادي الصالحون) يعني: العاملون بطاعة الله تعالى.

1866

الآيات 107-108

(107) و (108) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون). فيه بيان أن الغاية من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعثة كل نبي هي رحمة الله تعالى بالناس، فيدلهم على الطريق الصحيح الذي فيه هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وفيه ترغيب بالتوحيد والإسلام من خلال التذكير بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو وحي يوحى إليه من السماء وليس اجتهادا من عند نفسه. فقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) يعني: كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس، فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقيل: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة. (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) فلا يجوز الإشراك به (فهل أنتم مسلمون) يعني: منقادون لتوحيد الله تعالى.

1867

الآيات 109-111

(109) و (110) و (111) قوله تعالى: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون. إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين). فيه إنذار بعد إعذار، وتحذير من العذاب المحتم وقوعه، والذي لا يعلم وقت وقوعه إلا الله تعالى، لأنه صاحب العلم المطلق الذي لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم الجهر من القول ويعلم السر الذي يكون بين اثنين ويعلم الأخفى من السر وهو حديث النفس. والإنذار بعد الإعذار هو امتحان للناس وابتلاء لإرادتهم واختيارهم، وقد أعطوا الفرصة كاملة لأن الحساب لا يكون مباشرة وإنما بعد حين من متاع الدنيا. فقوله تعالى: (فإن تولوا) يعني: فإن أعرضوا عن الإسلام (فقل آذنتكم على سواء) يعني: أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، وقيل: المعنى أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به، ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره (وإن أدري) يعني: وما أدري (أقريب أم بعيد ما توعدون) يعني: أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، وقيل: آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم. (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) يعني: من الشرك وهو المجازي عليه. (وإن أدري) يعني: وما أدري (لعله) يعني: لعل الإمهال (فتنة لكم) يعني: اختبار ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم (ومتاع إلى حين) يعني: إلى انقضاء المدة.

1868