التفسير التربوي لسورة الحج
قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية إلا قوله تعالى: (هذان خصمان) إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا إنهن أربع آيات إلى قوله: (عذاب الحريق. وقال الضحاك: هي مدنية. وقال قتادة: هي مدنية إلا من قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول) إلى قوله (عذاب مقيم). وقال الجمهور: منها مكي ومنها مدني. ومناسبة أول هذه السورة لما قبلها أنه ذكر تعالى حال الأشقياء والسعداء وذكر الفزع الأكبر وهول ما يكون يوم القيامة، وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم، فنزلت هذه السورة تحذيرا لهم وتخويفا لما انطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة وشدّة هولها، وذكر ما أعد لمنكرها وتنبيههم على البعث بتطويرهم في خلقهم، وبهمود الأرض واهتزازها بعد بالنبات)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة مشتركة بين مكية ومدنية كما يبدو من دلالة آياتها، وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال، وآيات العقاب بالمثل، فهي مدنية قطعا. فالمسلمون لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة، وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، أما قبل ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعه أهل يثرب وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم: (إني لم أؤمر بهذا). حتى إذا صارت المدينة دار إسلام شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين والدفاع عن حرية العقيدة، وحرية العبادة للمؤمنين. والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية، وجو السور المكية. فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة، وإثبات البعث، وإنكار الشرك، ومشاهد القيامة، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون، بارزة في السورة. وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال، وحماية الشعائر، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان، والأمر بالجهاد في سبيل الله. والظلال الواضحة في جو السورة كلها هي ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة، والتحذير والترهيب، واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والاستسلام. تبدو هذه الظلال في المشاهد والأمثال)).