التفسير التربويالجزء 1 · ص 1869 - 1876

الآية 112

الآية 112

(112) قوله تعالى: (قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون). فيه تربية على دعاء الفصل وهو دعاء المباهلة، وذلك حينما ينتهي المؤمن من التبليغ والدعوة والحوار مع الطرف الآخر، ويصر الطرف الآخر على التعنت والعناد رغم بطلان رأيه، وفيه تربية على ترك الفصل إلى الله تعالى بأن يهلك الطرف المبطل وينصر الطرف المحق، وذلك قبل تشريع القتال، ولله الأمر من قبل ومن بعد. فقوله تعالى: (قل رب احكم بالحق) ختم السورة بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده، يعني: احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) يعني: ما تصفونه من الكفر به والتكذيب لرسله.

1869

التفسير التربوي لسورة الحج

قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية إلا قوله تعالى: (هذان خصمان) إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا إنهن أربع آيات إلى قوله: (عذاب الحريق. وقال الضحاك: هي مدنية. وقال قتادة: هي مدنية إلا من قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول) إلى قوله (عذاب مقيم). وقال الجمهور: منها مكي ومنها مدني. ومناسبة أول هذه السورة لما قبلها أنه ذكر تعالى حال الأشقياء والسعداء وذكر الفزع الأكبر وهول ما يكون يوم القيامة، وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم، فنزلت هذه السورة تحذيرا لهم وتخويفا لما انطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة وشدّة هولها، وذكر ما أعد لمنكرها وتنبيههم على البعث بتطويرهم في خلقهم، وبهمود الأرض واهتزازها بعد بالنبات)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة مشتركة بين مكية ومدنية كما يبدو من دلالة آياتها، وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال، وآيات العقاب بالمثل، فهي مدنية قطعا. فالمسلمون لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة، وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، أما قبل ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعه أهل يثرب وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم: (إني لم أؤمر بهذا). حتى إذا صارت المدينة دار إسلام شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين والدفاع عن حرية العقيدة، وحرية العبادة للمؤمنين. والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية، وجو السور المكية. فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة، وإثبات البعث، وإنكار الشرك، ومشاهد القيامة، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون، بارزة في السورة. وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال، وحماية الشعائر، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان، والأمر بالجهاد في سبيل الله. والظلال الواضحة في جو السورة كلها هي ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة، والتحذير والترهيب، واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والاستسلام. تبدو هذه الظلال في المشاهد والأمثال)).

1870

الآيات 1-2

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظ﴾ (الحج: 1-2)

(1) و (2) قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد). فيه ترهيب للناس من يوم القيامة، وهو يوم الزلزلة، حيث تذهل المرضعة عن رضيعها رغم ما بينهما من التعلق، وتجهض كل حامل، والناس من شدة الهول يظهرون وكأنهم فاقدي الوعي من السكر وليسوا سكارى. وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب والاستعداد له بالعمل الصالح. روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم) إلى قوله (ولكن عذاب الله شديد) قال: أنزلت عليه هذا الآية وهو في سفر فقال: «أتدرون أي يوم ذلك»؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة»، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الشامة في جنب البعير، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا»، قال عمران: لا أدري قال الثلثين أم لا. (الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح). فقوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) يعني: اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدموا عليها، والاتقاء: الاحتراس من المكروه، والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته، والمراد بهذا النداء المكلفون (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) الزلزلة: شدة الحركة، وأصل الكلمة من زل عن الموضع إذا زال عنه وتحرك، وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء، وقيل: هي الزلزلة المعروفة التي تحدث مع قيام الساعة يوم القيامة. (يوم ترونها) الهاء عائدة على الزلزلة (تذهل) يعني: تنشغل (كل مرضعة عما أرضعت) يعني: تذهل عن الإرضاع وتترك ولدها للكرب الذي نزل بها (وتضع كل ذات حمل حملها) يعني: تجهض من شدة الهول (وترى الناس سكارى) يعني: من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع (وما هم بسكارى) من الخمر على الحقيقة (ولكن عذاب الله شديد).

1871

الآيات 3-4

(3) و (4) قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطن مريد. كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير). فيه تحذير من الفئة التي تجادل بالباطل لأنها فئة ضالة مضلة، ومن يتولاها ويتبعها فإن مصيره مع مصيرها في العذاب يوم القيامة. فقوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) يعني بالقول: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا (ويتبع) في قوله ذلك (كل شيطان مريد) متمرد. (كتب عليه أنه من تولاه) يعني: من تولى الشيطان، وقيل: من تولى صاحب المقالة السابقة (فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير).

1872

الآية 5

(5) قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج). فيه تربية على الإيمان بالمعاد إلى الله تعالى من خلال التأكيد على الخلق الأول، فالخالق قدر على إعادة الخلق وهو البعث يوم القيامة. وهذه التربية جاءت من خلال مثالين: الأول: تفصيل موضوع خلق الإنسان، والثاني: تشبيه البعث بالأرض الهامدة الميتة التي يصيبها الماء فتعود إلى الحياة وإلى إنبات النبات. وهذه الآية تعالج مشكلة قائمة زمن البعثة النبوية وهي أن غالبية المشركين من العرب كانوا يؤمنون بأن الله خلق الكون وخلق الإنسان ولكنهم يشكون في قدرة الله تعالى على إعادة الخلق والبعث يوم القيامة. فعن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أما مررت بأرض من أرضك مجدبة ثم مررت بها مخصبة» قال: نعم، قال: ﴿كذلك النشور﴾ (أحمد والحاكم). فقوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى، والمعنى: إن كنتم في شك من الإعادة (فإنا خلقناكم من تراب) يعني: خلقنا أباكم آدم عليه السلام الذي هو أصل البشر (ثم) خلقنا ذريته (من نطفة) وهو المني، سمي نطفة لقلته، وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه (ثم من علقة) وهو الدم الجامد، وسميت كذلك لعلوقها بجدار الرحم (ثم من مضغة) وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ. وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع: رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد» (مسلم). وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول: أي رب، أذكر أم أنثى» (مسلم). (مخلقة وغير مخلقة) والمخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء، والتخليق هنا التمييز والتصوير (لنبين لكم) يعني: كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) وهو مدة الحمل التي تختلف من جنين إلى آخر (ثم نخرجكم طفلا) يعني: أطفالا، فهو اسم جنس، وقيل: المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا، والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ (ثم لتبلغوا أشدكم) يعني: كمال عقولكم ونهاية قواكم (ومنكم من يتوفى) يعني: يموت (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) يعني: أحطه وأدونه، وهو الهرم والخرف (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) يعني: حتى لا يعقل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» (النسائي). (وترى الأرض هامدة) ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول: (فإنا خلقناكم من تراب) فخاطب جمعا، وقال في الثاني: (وترى الأرض " فخاطب واحدا، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث (هامدة) يعني: يابسة لا تنبت شيئا، وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) يعني: تحركت، والاهتزاز: شدة الحركة، والأرض تهتز بالنبات، لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية، فسماه اهتزازا مجازا (وربت) يعني: ارتفعت وزادت (وأنبتت) يعني: أخرجت (من كل زوج) يعني: من كل لون (بهيج) يعني: حسن، يبهج من يراه. ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله: (اهتزت وربت) يرجع إلى الأرض لا إلى النبات.

1873

الآيات 6-7

(6) و (7) قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور). فيه بيان وتقرير لمجموعة من الحقائق العقدية لأولئك الذين ينكرون المعاد إلى الله شكا منهم في قدرة الله في ذلك، وهذه الحقائق هي أنه تعالى الحقيقة الثابتة في الحياة، وأن ما يقوله الحق، وأنه على كل شيء قدير، ومن ذلك قدرته على إحياء الموتى وبعث من في القبور، وأن الساعة وإن كان وقتها مما اختص الله بعلمه فإن حصولها واقع لا محالة ولا شك في ذلك ولا ريب. فقوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) نبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر مصرف، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق الغني المطلق، وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده، وقيل: الحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول وهو الله تعالى (وأنه يحيي الموتى) يعني: يوم القيامة (وأنه على كل شيء قدير) يعني: قادر على ما أراد. (وأن الساعة آتية) يعني: وليعلموا أن الساعة آتية (لا ريب فيها) يعني: لا شك في وقوعها (وأن الله يبعث من في القبور) يعني: للحساب والثواب والعقاب.

1874

الآيات 8-10

(8) و (9) و (10) قوله تعالى: (ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير. ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق. ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلم للعبيد). فيه تحذير من فئة من الناس تجادل في الدين وفي حقائق العقيدة من غير علم بعقل أو نقل، وهدفها إضلال الناس وإبعادهم عن الهداية. وفيه ترهيب لهذه الفئة الضالة المضلة من العقوبة في الدنيا بالذل والإهانة، ومن العقوبة في الآخرة بالعذاب والحريق في النار. فقوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) يعني: ولا كتاب نيّر بيّن الحجة. وقيل: التكرير للمبالغة في الذم، كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! وقيل: يجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة، فالمراد بالآية الأولى إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوة. (ثاني عطفه) يعني: يلوي عنقه مرحا وتعظما، وقيل: يعرض عن الذكر (ليضل عن سبيل الله) يعني: عن طاعة الله تعالى (له في الدنيا خزي) يعني: هوان وذل بما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، وقيل: الخزي هنا الأسر والقتل (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) يعني: نار جهنم. (ذلك بما قدمت يداك) يعني: يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر، وعبر باليد عن الذات لأن اليد هي التي تباشر الأفعال.

1875

الآيات 11-13

(11) و (12) و (13) قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد. يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير). فيه تحذير من نمط محدد من الإيمان لا يقوم على أساس المبدأ والعقيدة وإنما يقوم على أساس المنفعة، فإن حصلت له منفعة من عبادة الله استمر فيها، وإن حصلت له مضرة ترك عبادة الله إلى عبادة غيره. وفيه تحذير من عبادة الأصنام لأنها لا تنفع ولا تضر فلا تتصف بالإلهية، لأن الإله يجب أن يكون قادرا على النفع والضر. وإذا كانت الأصنام لا تنفع ولا تضر فإن عبادتها تضر ولا تنفع لأن عبادتها شرك بالله وضلال عن الطريق الصحيح. فقوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) قال القرطبي في التفسير: ((قال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله، فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني! فقال: (إن الإسلام لا يقال)، فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا! ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: (يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب)، فأنزل الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف). وقال عبد الله بن عباس: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدة ارتدوا)). ومعنى " على حرف) على شك، وحقيقته أنه على ضعف في عبادته كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء طرفه وحده، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد. وقيل: (على حرف) يعني: على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. (فإن أصابه خير اطمأن به) يعني: صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه (وإن أصابته فتنة) يعني: خلاف ذلك مما يختبر به (انقلب على وجهه) يعني: ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) وخسرانه الدنيا بأنه لا حظ له في غنيمة ولا ثناء، وخسران الآخرة بأنه لا ثواب له فيها. (يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه) يعني: هذا الذي يرجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر (ذلك هو الضلال البعيد) يعني: الطويل. (يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه) يعني: هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه تجردا في الكلام، كقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) (سبأ: 24)، (لبئس المولى) يعني: في التناصر (ولبئس العشير) يعني: المعاشر والصاحب والخليل، والمراد الوثن.

1876