التفسير التربويالجزء 1 · ص 1885 - 1892

الآية 27

الآية 27

(27) قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق). فيه بيان لفريضة الحج ووجوبها على كل الناس المؤمنين، فمن لا يستطيع القدوم راكبا فليأت ماشيا، ومن لا يجد الخيل القوية التي توصله إلى البيت الحرام لأداء الفريضة فليأت على الخيل الضامرة مهم كانت المسافة بعيدة على صاحبها. فقوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) والأذان: الإعلام، والمخاطب بذلك إبراهيم عليه السلام، وقيل: بل المخاطب بذلك محمد صلى الله عليه وسلم (يأتوك رجالا) يعني: مشاة إن لم يستطيعوا القدوم راكبين (وعلى كل ضامر) والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر (من كل فج) يعني: من كل ناحية وصوب (عميق) يعني: بعيد، ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر.

1885

الآية 28

(28) قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير). فيه تربية على أن منافع الحج دينية ودنيوية، وحصول المنافع الدنيوية لا يقلل من قيمة المنافع الدينية ما دام المؤمن قاصدا للمنافع الدينية. وفيه تربية على أنه من أساسيات الحج الأضحية للفقراء والمساكين. فقوله تعالى: (ليشهدوا) يعني: أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا، أي ليحضروا، والشهود الحضور (منافع لهم) يعني: المناسك، كعرفات والمشعر الحرام، وقيل: المغفرة، وقيل: التجارة، وقيل: هو عام في منافع الدنيا والآخرة (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وهي أيام الحج، وقيل: المراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر، مثل قولك: باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك، وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله، وأما أيام النحر فهي أربعة، يوم النحر وثلاثة بعده إلى غروب الشمس من اليوم الرابع (على ما رزقهم) يعني: على ذبح ما رزقهم (من بهيمة الأنعام) والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم (فكلوا منها) أمر ومعناه الندب عند الجمهور (وأطعموا البائس الفقير) والفقير من صفة البائس، وهو الذي ناله شدة البؤس، يقال: بئس إذا افتقر، فهو بائس. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر.

1886

الآية 29

(29) قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق). فيه ترغيب بالتحلل من الإحرام بعد أداء مناسك الحج، وترغيب بالوفاء بالنذور، وترغيب بالطواف في البيت حول الكعبة المشرفة، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، وهو نوع من الطواف. فقوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) يعني: ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعر ونحوه، وقيل: ليزيلوا عنهم أدرانهم (وليوفوا نذورهم) أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية (وليطوفوا بالبيت العتيق) الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. وللحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، والفريضة هو طواف الإفاضة.

والعتيق: القديم، لأنه أول بيت وضع للناس في الأرض.

1887

الآية 30

(30) قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور). فيه ترغيب بتعظيم حرمات الله وهي مناسك الحج من خلال البيان بأن الله يرضى عن هذا التعظيم ويجازي عليه. وفيه بيان أن الأصل في الذبائح هو الحل وأن التحريم استثناء. وفيه تربية على اجتناب الشرك واجتناب قول الزور. وفيه تعظيم لحرمة قول الزور حيث قرنه مع الشرك بالله وعبادة الأوثان، مع العلم أن عبادة الأوثان هي نمط من قول الزور وشهادة الزور. فقوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله) يعني: مناسك الحج (فهو خير له عند ربه) يعني: التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها، وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير (وأحلت لكم الأنعام) أن تأكلوها: وهى الإبل والبقر والغنم (إلا ما يتلى عليكم) يعني: في الكتاب من المحرمات كالميتة وما أهل به لغير الله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الرجس: الشيء القذر، والوثن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان (واجتنبوا قول الزور) والزور: الباطل والكذب، وسمى زورا لأنه أميل عن الحق، وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور.

1888

الآية 31

قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 31)

(31) قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق). فيه ترهيب من الشرك من خلال البيان بأن مصير الشرك كمصير من يهوي من السماء فيتناثر على الأرض قطعا تتسابق إلى افتراسها الطيور، وأن مصير الشرك كمصير من يهوي في واد بعيد النهاية فيختفي الساقط فيه. فقوله تعالى: (حنفاء لله) يعني: مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق، ولفظة (حنفاء) من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء) يعني: هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا، فهو بمنزلة من خر من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه (فتخطفه الطير) يعني: تقطعه بمخالبها (أو تهوي به الريح في مكان سحيق) والسحيق: البعيد.

1889

الآيات 32-33

(32) و (33) قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق). فيه ربط بين تعظيم شعائر الله ومنها مناسك الحج وبين التقوى والخوف والخشية من الله تعالى. وفيه تربية على اليسر في الدين حيث سمح لمن يسوق الأضحية أن ينتفع بها ومنها إلى أن تصل إلى الوقت المحدد والمكان المعلوم للتضحية بها. فقوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب، أي علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة، فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة، فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها، وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع، وهو من تقوى القلوب (فإنها من تقوى القلوب) فأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث: (التقوى ها هنا) وأشار إلى صدره. (لكم فيها منافع) يعني: البدن، من الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك، إذا لم يبعثها ربها هديا، فإذا بعثها فهو الأجل المسمى، فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة، وشرب لبنها بعد ري فصيلها (إلى أجل مسمى) يعني: نحرها (ثم محلها إلى البيت العتيق) يريد أنها تنتهي إلى البيت، وهو الطواف وقوله: (محلها) مأخوذ من إحلال المحرم، والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق.

1890

الآيات 34-35

(34) و (35) قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعم فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقنهم ينفقون). فيه دعوة إلى التوحيد وإلى الإسلام لله رب العالمين، ومن الإسلام لله الذبح باسمه وبذكره تعالى حين الذبح، واجتناب ذكر غير الله على الذبيحة لأن ذلك من الشرك. وفيه تربية على الإخبات وهو الخضوع والذلة لله. وفيه تربية بالقدوة من خلال ذكر صفات المخبتين وهي: خوف القلب حين ذكر الله، والصبر على المصائب، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله وجوبا أو تطوعا، وصفات المخبتين هي عينها صفات المتقين المذكورة في مطلع سورة البقرة، مما يدل على أن الإخبات والتقوى شيء واحد. فقوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا) لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد، أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا، والمنسك: الذبح وإراقة الدم، والنسك أيضا: الطاعة (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) يعني: على ذبح ما رزقهم، فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك (فإلهكم إله واحد) يعني: فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له (فله أسلموا) يعني: لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا، وقيل: المراد الاستسلام والطاعة والانقياد (وبشر المخبتين) والمخبت: المتواضع الخاشع من المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأرض، والمعنى: بشرهم بالثواب الجزيل. (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) يعني: خافت وحذرت مخالفته، فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه (والصابرين على ما أصابهم) يعني: من المصائب (والمقيمي الصلاة) يعني: على أوقاتها بأركانها وسننها وهيئاتها (ومما رزقناهم ينفقون) وهذا يشمل الزكاة الواجبة والنفقة المفروضة وصدقات التطوع.

1891

الآيات 36-37

(36) و (37) قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين). فيه ترغيب بالأضحية والذبح لله تعالى، وأن فيها طهارة لقلب وماله، كما فيها ترضية وتندية للفقير والمحتاج، وفيها إقامة لحبل الألفة والمودة بين المعطي والآخذ. فقوله تعالى: (والبدن) سميت بدن لأنها تبدن، والبدانة: السمن، وقيل: البدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة، والهدي عام في الإبل والبقر والغنم (جعلناها لكم من شعائر الله) هذا نص في أنها بعض الشعائر (لكم فيها خير) يعني: منافع في الدين والدنيا (فاذكروا اسم الله عليها صواف) يعني: انحروها على اسم الله وقد صفت قوائمها (فإذا وجبت جنوبها) يعني: إذا سقطت بعد نحرها، ومنه وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط (فكلوا منها) أمر ومعناه الندب، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه، وفيه أجر وامتثال، إذا كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم (وأطعموا) أمر ومعناه الوجوب (القانع والمعتر) والقانع: الفقير الذي لا يسأل، والمعتر: الفقير الذي يسأل، وهو من به عرّة من الجوع، والعرّة حركة رجفانية في الوجه. (لن ينال الله لحومها) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية. والنيل لا يتعلق بالباري تعالى ولكنه تعبير مجازي عن القبول، والمعنى: لن يصل إليه (ولكن يناله التقوى منكم) يعني: ولكن يصل إليه التقوى منكم، وهو ما أريد به وجه الله، فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه (كذلك سخرها لكم) يعني: بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهى أعظم منا أبدانا وأقوى منا أعضاء، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما يظهر إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده (لتكبروا الله على ما هداكم) ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها في الآية قبلها، وذكر هنا التكبير، وواجب أحدهما، وجائز الجمع بينهما (وبشر المحسنين) يعني: بالجنة، وظاهر اللفظ يقتضي العموم في كل محسن.

1892