التفسير التربوي لسورة المؤمنون
قال ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير): ((سورة المؤمنين مكية في قول الجميع. روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد أُنزلت علينا عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة، ثم قرأ: (قد أفلح المؤمنون) إِلى عشر آيات)، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه)).
وقال القرطبي في التفسير: ((روى البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما خلق جنة عدن وغرس أشجارها بيده، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون). وروى النسائي عن عبد الله بن السائب قال: (حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فافتتح سورة المؤمنون، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع) (خرجه مسلم بمعناه). وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سُمع عند وجهه كدوي النحل، وأنزل عليه يوما، فمكثنا عنده ساعة، فسُري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: (اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأرضنا وارض عنا، ثم قال: أنزل علي عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات. وقال النحاس: معنى (من أقامهنَّ): من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن، كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه سورة (المؤمنون)، اسمها يدل عليها، ويحدد موضوعها. فهي تبدأ بصفة المؤمنين، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله صلوات الله عليهم من لدن نوح عليه السلام إلى محمد خاتم الرسل والنبيين، وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها، ووقوفهم في وجهها، حتى يستنصر الرسل بربهم، فيهلك المكذبين، وينجي المؤمنين. ثم يستطرد إلى اختلاف الناس بعد الرسل في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد، ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول صلى الله عليه وسلم ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر. وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب. ويختم بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران. فهي سورة (المؤمنون) أو هي سورة الإيمان، بكل قضاياه ودلائله وصفاته، وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل)).