التفسير التربويالجزء 1 · ص 1909 - 1916

الآية 71

الآية 71

(71) قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير). فيه تربية على الحوار مع الطرف الآخر من خلال طلب الإثبات والبرهان، وحيث أن عبادة الأصنام لا دليل عليها ولا علم لنا بها من عقل أو نقل، فإن إعطاء الأصنام صفة الإلهية بعبادتها هو من الظلم والباطل. فقوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا) يعني: ما لا حجة عليه ولا برهان له (وما ليس لهم به علم) من عقل أو نقل (وما للظالمين من نصير) يعني: ينصرهم يوم القيامة.

1909

الآية 72

(72) قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير). فيه تربية بالعقوبة الأخروية وهي النار والمصير السيئ يوم القيامة لأولئك الذين يكرهون سماع القرآن ويكرهون من يُسمعونهم تلاوة القرآن. فقوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) يعني: القرآن (تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) يعني: الغضب والعبوس (يكادون يسطون) يعني: يبطشون، والسطوة: شدة البطش بالضرب أو الشتم (بالذين يتلون عليهم آياتنا) يعني: يأخذونهم أخذا باليد (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار) يعني: أكره من هذا القرآن الذي تسمعون هو النار، فكأنهم قالوا: ما الذي هو شر؟ فقيل: هو النار، وهذا وعيد لهم على سطوتهم بالذين يتلون القرآن (وعدها الله الذين كفروا) يعني: يوم القيامة (وبئس المصير) يعني: الموضع الذي يصيرون إليه في النار.

1910

الآيات 73-74

(73) و (74) قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز). فيه تربية بالإعجاز وذلك أنه تعالى يتحدى الكفار الذين يعبدون الأصنام وغير الأصنام بأمرين، الأول: الخلق وإيجاد الحياة، وقد تحداهم بأضعف المخلوقات وأصغرها حجما، فكيف يكون إلها من لا يستطيع خلق شيء؟! والثاني: العجز عن أخذ ما سلب الذباب، وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن، فقد تبين أن الذباب يملك غدة لعابية هاضمة كبيرة الحجم وسريعة المفعول بحيث تذيب ما أخذته من الناس خلال أجزاء من الثانية وتحوله إلى مادة أخرى غير التي أخذتها، فلو استطاع الناس إمساك الذباب بعد أخذه أي شيء لما استطاعوا استرداده منه. وفيه توبيخ لمن يعبد الأصنام مع الله أو من دونه بأنهم ما قدروا الله حق قدره حين عبدوا غيره معه أو من دونه. فقوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) وإنما قال: (ضرب مثل) لأن حجة الله تعالى على خلقه بضرب الأمثال أقرب إلى الأفهام (إن الذين تدعون من دون الله) يعني: الأوثان الذين عبدوهم من دون الله، وكانت حول الكعبة، وهي ثلاثمائة وستون صنما. وقيل: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل. وقيل: الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) والذباب اسم واحد للذكر والأنثى (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) الاستنقاذ: التخليص، وقيل: كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله (ضعف الطالب والمطلوب) قيل: الطالب الآلهة والمطلوب الذباب، وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم، فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه. وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين؟! وهذا من أقوى الحجج وأوضح البراهين. (ما قدروا الله حق قدره) يعني: ما عظموه حق تعظيمه حين جعلوا هذه الأصنام شركاء له (إن الله لقوي عزيز) فهو سبحانه جبار النعت، عزيز الوصف، لا تصوره الأوهام والأفكار، ولا تقدره العقول، ولا تمثله ولا تدركه الأزمنة، ولا تحده ولا تحويه الجهات، صمدي الذات، سرمدي الصفات.

1911

الآيات 75-76

(75) و (76) قوله تعالى: (الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور). فيه تربية على أنه تعالى حين يصطفي الرسل من الملائكة أو من الناس فلا يفعل ذلك عبثا وإنما بناء على سمعه وبصره وعلمه المطلق بالملائكة والرسل، وبالتالي بناء على صلاحيتهم لذلك دون غيرهم. فقوله تعالى: (الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس) ختم السورة بأن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة، فليس في بعثته أمرا بدعيا، وأخبر أن الاختيار إليه سبحانه وتعالى (إن الله سميع) لأقوال عباده (بصير) بمن يختاره من خلقه لرسالته. (يعلم ما بين أيديهم) يريد ما قدموا (وما خلفهم) يريد ما خلفوا، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية (وإلى الله ترجع الأمور) إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم.

1912

الآيات 77-78

(77) و (78) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير). فيه تربية للمؤمنين وإعداد لهم لحمل الرسالة وأداء الأمانة من خلال مدرسة الصلاة، ومدرسة العبادة، ومدرسة فعل الخير وتقديم المنفعة للناس، ومدرسة الجهاد في سبيل الله، ومدرسة الزكاة والإنفاق في سبيل الله. وفيه تربية على السماحة في الدين، وعلى التمسك بصفة الإسلام دون غيرها من الصفات الفرعية التي تؤدي إلى الفرقة والتنابذ بالألقاب. وفيه تربية على الاعتصام بالكتاب والسنة. وفيه تربية على الشهادة بالحق والشهادة بالعدل والشهادة على الناس، الحاضرين منهم وكذلك الغائبين ما دمنا نعلم أخبارهم من القرآن ومن إخبار الله تعالى لنا عنهم. فالرسول صلى الله عليه وسلم يشهد على أمته أنه بلغ الأمانة وأدى الرسالة، وهم يشهدون على أمم الأنبياء بما علموا عنهم من القرآن، فإخبار القرآن يجعلنا بموضع الحضور في الشهادة لأنه كلام الله الصادق الدقيق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) يعني: الصلاة المفروضة، وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة (واعبدوا ربكم) يعني: امتثلوا أمره بالطاعة (وافعلوا الخير) ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع (لعلكم تفلحون) يعني: لتفلحوا. (وجاهدوا في الله حق جهاده) قيل: عنى به جهاد الكفار، وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم (هو اجتباكم) يعني: اختاركم واصطفاكم للذب عن دينه والتزام أمره (وما جعل عليكم في الدين من حرج) يعني: من ضيق وشدة، ومن رفع الحرج قصر الصلاة، والإفطار للمسافر، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل (ملة أبيكم إبراهيم) يعني: اتبعوا ملة أبيكم (هو سماكم المسلمين من قبل) يعني: هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم (وفي هذا) يعني: وفي هذا القرآن (ليكون الرسول شهيدا عليكم) يعني: بتبليغه إياكم (وتكونوا شهداء على الناس) أن رسلهم قد بلغتهم (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) يعني: المفروضات لأنها هي المعهودة (واعتصموا بالله) يعني: بدلائله العقلية والسمعية، وقيل: بكتابه وسنته (هو مولاكم) يعني: هو سيدكم والمتصرف في أمركم (فنعم المولى ونعم النصير). والحمد لله رب العالمين.

1913

التفسير التربوي لسورة المؤمنون

قال ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير): ((سورة المؤمنين مكية في قول الجميع. روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد أُنزلت علينا عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة، ثم قرأ: (قد أفلح المؤمنون) إِلى عشر آيات)، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه)).

وقال القرطبي في التفسير: ((روى البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما خلق جنة عدن وغرس أشجارها بيده، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون). وروى النسائي عن عبد الله بن السائب قال: (حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فافتتح سورة المؤمنون، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع) (خرجه مسلم بمعناه). وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سُمع عند وجهه كدوي النحل، وأنزل عليه يوما، فمكثنا عنده ساعة، فسُري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: (اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأرضنا وارض عنا، ثم قال: أنزل علي عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات. وقال النحاس: معنى (من أقامهنَّ): من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن، كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه سورة (المؤمنون)، اسمها يدل عليها، ويحدد موضوعها. فهي تبدأ بصفة المؤمنين، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله صلوات الله عليهم من لدن نوح عليه السلام إلى محمد خاتم الرسل والنبيين، وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها، ووقوفهم في وجهها، حتى يستنصر الرسل بربهم، فيهلك المكذبين، وينجي المؤمنين. ثم يستطرد إلى اختلاف الناس بعد الرسل في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد، ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول صلى الله عليه وسلم ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر. وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب. ويختم بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران. فهي سورة (المؤمنون) أو هي سورة الإيمان، بكل قضاياه ودلائله وصفاته، وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل)).

1914

الآيات 1-17

قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: 1-17)

(1ـ 11) قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون). فيه تربية بالقدوة الحسنة على سبع من الصفات التي يجب على كل مؤمن الاتصاف بها وهي: الخشوع في الصلاة، وترك اللغو في الكلام، وإيتاء الزكاة، وحفظ الفرج عن الحرام، وأداء الأمانات، والمحافظة على العهود، والمحافظة على الصلاة. وفيه تربية بالترغيب من خلال الوعد بدخول الجنة في أعلى درجاتها وهي الفردوس لمن يتصف بهذه الصفات ويحافظ عليها حتى الممات. فقوله تعالى: (قد أفلح) الفلاح: الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير، وأفلح دخل في الفلاح، ويقال أفلحه إذا صيّره إلى الفلاح (المؤمنون) والإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان. (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وقيل: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى هذه الآية، فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. والخشوع محله القلب، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، إذ هو ملكها. وقيل: الخشوع هو أن لا يعبث المصلي بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر سعيد بن المسيب رحمه الله رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. (والذين هم عن اللغو معرضون) واللغو: هو الكلام الذي لا ضرورة له ولا حاجة فيه، وقد يكون حراما وقد يكون مكروها وقد يكون مباحا، وقد امتدح الله تعالى عباد الرحمن فقال: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) (الفرقان: 72)، كما امتدح الجنة فقال في صفتها: (لا تسمع فيها لاغية) (الغاشية: 11)، واعلم أنه تعالى لما وصفه المؤمنين بالخشوع في الصلاة أتبعه بالإعراض عن اللغو فجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس. (والذين هم للزكاة فاعلون) والزكاة هنا هي تزكية النفس البشرية وتطهيرها من كل ما هو سلبي ومنكر خاصة وأن هذه السورة مكية، ومع ذلك تدخل زكاة المال في إطار هذه الآية، والزكاة بشطرها المالي هي طهارة للقلب والمال: طهارة للقلب من الشح ومن حب الذات ومن وساوس الشيطان، وطهارة للمال من حق الفقير فيه، وفيها تأمين اجتماعي للأفراد جميعا وضمان اجتماعي للعاجزين ووقاية للمجتمع كله من التفكك والانحلال. (والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) يعني: أحل الله الزواج وحرم الزنا، وفي هذا طهارة للروح والبيت والجماعة، ووقاية النفس والأسرة والمجتمع، فحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير الحلال، وحفظ القلوب من التطلع إلى غير الحلال، وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب، هو من مكارم الأخلاق التي سعى الإسلام لبناء المجتمع على أساسها. والمجتمع الذي تنطلق فيه الشهوات بغير حساب مجتمع معرض للخلل والفساد، لأنه لا أمن فيه للبيت، ولا حرمة فيه للأسرة، والبيت هو الوحدة الأولى في بناء المجتمع، والأسرة هي الأساس في بناء المجتمع. وحين جاء الإسلام كان في المجتمع العربي أنماط متعددة من النكاح ومنها الزواج المعروف اليوم فحرم سائر أنواع الأنكحة وهدم سائر الزيجات إلا زواج الناس اليوم. (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) يعني: يقومون على رعاية الأمانات والحفاظ على العهود كما يقوم الراعي على غنمه، والأمانات كما العهود على أنواع، منها ما يكون بين الإنسان وبين ربه، ومنها ما يكون بين الإنسان وبقية الناس، ومنها ما يكون بين الإنسان والكون والأحياء من حوله (والذين هم على صلواتهم يحافظون) والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها في أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها (أولئك هم الوارثون) يعني: من عمل بما ذكر في هذه الآيات من الصفات السبعة التي أتينا على ذكرها فهم الوارثون (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) يعني: يرثون منازل أهل النار من الجنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار، ويجعل الكفار في منازلهم في النار» (ابن ماجة)، وقيل: يُسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وفي صحيح مسلم: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة».

1915

(12ـ 16) قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيمة تبعثون). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر والاعتبار بمراحل خلق الإنسان مرورا في الدنيا إلى الموت ثم إلى البعث يوم القيامة والحساب والجزاء والعقاب. فالله تعالى خلق آدم من التراب والطين، ثم خلق بني آدم من الماء المهين، والعناية الإلهية قائمة في عملية تخليق الإنسان بمراحلها: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم اللحم، ثم نشأة الإنسان في الحياة خارج الرحم، ثم استمراره في الحياة حتى الموت، ثم بعثه يوم القيامة من بعد الموت. ولقد دعا القرآن الإنسان إلى الإيمان من خلال النظر في النفس البشرية كما في هذه الآيات، والنظر في الكون من خلال آيات أخرى، والنظر في آثار الأمم السابقة، والنظر في السماء كما في كثير من الآيات، وهذه هي طريقة القرآن في الدعوة إلى الإيمان. فقوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان) الإنسان هنا آدم عليه السلام لأنه خلق من الطين (من سلالة من طين) يعني: استل من الطين، وقيل: خلق على مراحل من الطين. (ثم جعلناه) يعني: أبناء آدم (نطفة) يعني: شيئا قليلا مهينا (في قرار مكين) يعني: في الرحم. (ثم خلقنا النطفة علقة) وسميت علقة لعلوقها بجدار الرحم (فخلقنا العلقة مضغة) وسميت مضغة لأنها تكون بحجم المضغة التي يمضغها الإنسان (فخلقنا المضغة عظاما) وهي مرحلة من مراحل تكون الجنين داخل الرحم وتسمى مرحلة تشكل النويات العظمية (فكسونا العظام لحما) يعني: تميز النسيج المحيط بالجنين إلى جلد وشحم تحت الجلد وعضلات وأوعية دموية وأعصاب (ثم أنشأناه خلقا آخر) قيل: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا، وقيل: هو خروجه إلى الدنيا، وقيل: هو عام في النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت (فتبارك الله) تفاعل من البركة، ومعناه: تمجد وتقدس وتنزه عن المثيل (أحسن الخالقين) يعني: أتقن الصانعين، وهذا يقال لمن صنع شيئا خلقه، وذهب البعض إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى، وقيل: لا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) يعني: بعد الخلق والحياة. (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) يعني: البعث بعد الموت.

(17) قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر في خلق السماوات السبع بما فيهن من الكواكب والنجوم والشمس والقمر، ومن خلال اكتشاف قيامه تعالى بأمر السماوات وتدبيره لهن. فقوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) يعني: سبع سماوات، وقيل للسموات طرائق لأن بعضها فوق بعض، والعرب تسمى كل شيء فوق شيء طريقة (وما كنا عن الخلق غافلين) يعني: مهملين، وقيل: غافلين في القيام بمصالحهم وحفظهم، وهو معنى الحي القيوم.

1916