التفسير التربويالجزء 1 · ص 2067 - 2074

الآيات 192-199

الآيات 192-199

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 192-199)

(192ـ 197) قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين. وإنه لفي زبر الأولين. أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل). فيه تعريف بالقرآن الكريم، فهو كلام الله رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وموضوعه الإنذار والبشارة، والإنذار: إعلام مع تخويف، والتبشير: إعلام مع تطمين، ولغته العربية واضحة وصريحة وجامعة لمبادئ اللغة العربية التي كانت قبله لغة محكية. وقد بشر بهذا الكتاب كل كتاب سماوي قبله، وهذه الحقيقة يعلمها العلماء من بني إسرائيل وإن كتمها بعضهم أو جلهم. فقوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين) عاد إلى ما تقدم بيانه في أول السورة من إعراض المشركين عن القرآن. (نزل به الروح الأمين) يعني: جبريل عليه السلام. (على قلبك) يعني: يتلوه عليك فيعيه قلبك (لتكون من المنذرين) والإنذار إعلام مع تخويف. (بلسان عربي مبين) يعني: لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول. (وإنه لفي زبر الأولين) يعني: وإن ذكر نزوله لفي كتب الأولين وهم الأنبياء. وقيل: إن ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في كتب الأولين. (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) قيل: عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما ممن أسلم. وقيل: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته. وقيل: يرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم. وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب.

(198) و (199) قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين). فيه تربية على أنه ليس للعرب عذر في ترك الإيمان والتولي عن القرآن لأنه نزل بلغتهم، وأما الأعاجم فإن لهم عذر في ذلك ولكن ذلك العذر يزول حين يترجم القرآن إلى لغاتهم، ومن هنا واجب العلماء في هذه الأمة هو ترجمة القرآن إلى لغات العالم كلها. فقوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) يعني: على رجل ليس بعربي اللسان. (فقرأه عليهم) بغير لغة العرب (ما كانوا به مؤمنين) يعني: لما أمنوا ولقالوا لا نفقه.

2067

(200ـ 203) قوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون). فيه تربية على أنه تعالى لا يعذب قوما ما لم يبلغهم القرآن ويدخل إلى قلوبهم، وأن أكثرهم لا يصدقون به حتى يقعوا في العذاب، وأنهم يستعجلون العذاب تكذيبا به، ولكن حين يقع العذاب يحصل لهم الإيمان ولا فائدة من حصوله، ويطلبون المهلة فلا يُجابون إلى ذلك، لأن وقت الابتلاء قد ولى ووقت الحساب قد حصل. فقوله تعالى: (كذلك سلكناه) يعني: القرآن، وقيل: التكذيب به (في قلوب المجرمين) يعني: الكافرين. (لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم) يعني: المكذبين بالقرآن. (فيأتيهم بغتة) يعني: يأتيهم العذاب فجأة (وهم لا يشعرون) بإتيانه. (فيقولوا هل نحن منظرون) يعني: مؤخرون وممهلون، فيطلبون الرجعة هنالك ولا يجابون إليها.

(204ـ 207) قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون. أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون). فيه بيان أنه لا ينفع التأخير لمن حان وقت عذابهم كما لا تنفع الرجعة حين حصول العذاب لأنهم: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) (الأنعام: 28). فقوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون) قال المفسرون: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتي به! فنزلت الآيات. (أفرأيت إن متعناهم سنين) يعني: في الدنيا. (ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) من العذاب والهلاك. (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) يعني: ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه.

2068

الآيات 208-209

(208) و (209) قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. ذكرى وما كنا ظالمين). فيه بيان لرحمته تعالى بالناس وإنصافه لهم، فلا يعذبهم إلا بعد الإنذار، ولا يعاقبهم إلا بعد بعثة الرسل. فقوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية) يعني: وما أهلكنا قرية (إلا لها منذرون) يعني: رسل. (ذكرى وما كنا ظالمين) في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.

2069

الآيات 210-212

(210) و (211) و (212) قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون). فيه بيان لعدم تداخل الوحي السماوي مع الوحي الشيطاني لأنه تعالى منع ذلك وسلب الشياطين قدرتهم على الاستماع إلى الملأ الأعلى وإلى القرآن تتناقله الملائكة في السماء. فقوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) يعني: القرآن، بل ينزل به الروح الأمين. (وما ينبغي لهم) يعني: ولا يحق لهم (وما يستطيعون) ذلك. (إنهم عن السمع لمعزولون) يعني: برمي الشهب.

(213ـ 216) قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين. وأنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون). فيه نهي عن الشرك من خلال التحذير من عقوبته، وفيه دعوة إلى التدرج في الدعوة والنذارة من الأقرب إلى الأبعد، وفيه تربية على التواضع للمؤمنين، وفيه دعوة إلى البراءة من العصاة الكافرين. فقوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) قيل: المعنى قل لمن كفرا هذا. وقيل: هو مخاطبة له عليه الصلاة والسلام وإن كان لا يفعل هذا لأنه معصوم، ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. (وأنذر عشيرتك الأقربين) يعني: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم. وقيل: خص عشيرته الأقربين بالإنذار لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك. (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) يعني: كن لينا معهم. (فإن عصوك) يعني: خالفوا أمرك (فقل إني بريء مما تعملون) يعني: برئ من معصيتكم إياي، لأن عصيانهم إياه هو عصيان لله عز وجل، فهو لا يأمر إلا بما يرضي الله، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه.

(217ـ 220) قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم. الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين. إنه هو السميع العليم). فيه دعوة إلى التوكل على الله بالترهيب منه (العزيز)، والترغيب فيه (الرحيم)، والتذكير بعلمه المطلق الذي لا يخفى عليه خافية من خاطر أو قول أو عمل. فقوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم) يعني: فوض أمرك إليه فإنه العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه. (الذي يراك حين تقوم) يعني: حين تقوم إلى الصلاة، وقيل: حين تقوم حيثما كنت. (وتقلبك في الساجدين) يعني: في المصلين، وقيل: في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيا. (إنه هو السميع العليم) تقدم.

2070

الآيات 221-223

(221) و (222) و (223) قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم. يلقون السمع وأكثرهم كاذبون). فيه تحذير من الكهنة الذين يحاولون التظاهر بالتنبؤات من خلال ما تلقي لهم الشياطين من الأكاذيب، حيث يستمع الشيطان إلى معلومة صحيحة فيخلطها بمائة معلومة كاذبة ويقرقر بها إلى أتباعه من الكهنة والمنجمين. فقوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم) وإنما قال: (تنزل) لأنها أكثر ما تكون في الهواء، وأنها تمر في الريح. (يلقون السمع) يعني: الشياطين (وأكثرهم كاذبون) يعني: الكهنة.

2071

الآيات 224-227

(224) و (225) و (226) و (227) قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). فيه بيان لطبيعة الشعراء ومنهجهم وحكم الله تعالى فيهم، فأغلبهم ضالون مضلون، يتيهون في الأوهام والتخيلات، ويبالغون في الكلام والادعاءات، ويخالفون الأقوال بالأعمال، إلا الفئة القليلة المؤمنة منهم، والتي تعمل الصالحات، وتذكر الله كثيرا، وتقرض الشعر نصرة للمظلوم وهجاء للظالم. فالشعر كالكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. والله تعالى يختم هذه السورة من خلال التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور للظالمين المستبدين من القادة والرؤساء والملوك والشعراء، حيث يحذرهم سوء المنقلب وتعاسة الخاتمة في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) يعني: ضلال الجن والإنس، وقيل: الزائلون عن الحق. ودل بهذا على أن الشعراء أيضا غاوون، لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك. وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (الدارقطني والطبراني). (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) يعني: في كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق، لأن من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تثبت، ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال. (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) يعني: كاذبون، يدلون بكلامهم على الكرم والخير والشجاعة ولا يفعلونه. ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق، فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني: قالوا وفعلوا (وذكروا الله كثيرا) في كلامهم (وانتصروا من بعد ما ظلموا) وإنما يكون الانتصار بالحق، وما حده الله عز وجل، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وفي هذا تهديد لمن انتصر بظلم، والمعنى: سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله تعالى. وقيل: (أي منقلب ينقلبون) يعني: أي مصير يصيرون، وأي مرجع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا. والحمد لله رب العالمين.

2072

التفسير التربوي لسورة النمل

قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية بلا خلاف. ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها واضحة، لأنه قال: (وما تنزلت به الشياطين)، وقبله: (وإنه لتنزيل رب العالمين)، وقال هنا: (طس تلك آيات القرآن): أي الذي هو تنزيل رب العالمين)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة مكية نزلت بعد الشعراء، وهي تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه، وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات. وموضوع السورة الرئيسي كسائر السور المكية هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، والإيمان بالوحي وأن الغيب كله لله، لا يعلمه سواه، والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم، وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر، والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله. ويأتي القصص لتثبيت هذه المعاني، وتصوير عاقبة المكذبين بها، وعاقبة المؤمنين».

2073

الآيات 1-2

قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 1-2)

(1) و (2) قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين. هدى وبشرى للمؤمنين). فيه ترغيب بالقرآن الكريم، كتاب الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم من خلال تعداد صفاته في الوضوح والهداية والبشرى، فقد أنزل الله القرآن بفصيحات اللغة العربية، وجعله كتاب هداية للناس في أمور دنياهم وآخرتهم، وفيه إعلام مع تطمين للمؤمنين، كما فيه إعلام مع تخويف للكافرين، حيث جمع القرآن بين الترغيب والترهيب، والبشارة والنذارة. فقوله تعالى: (تلك) يعني: هذه (آيات القرآن وكتاب مبين) فأضاف الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأن المضاف إلى العظيم عظيم. (وكتاب مبين) يعني: القرآن، وإبانته أنه يبين ما أودعه من العلوم والحكم والشرائع، وأن إعجازه ظاهر مكشوف. وقيل: اللوح المحفوظ، وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن. وقيل: القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بوصف النكرة فهو الوصف. (هدى وبشرى للمؤمنين) قيل: هدى إلى الجنة، وبشرى بالثواب. وقيل: هدى من الضلال، وبشرى بالجنة. وقيل: إن معنى كونها هدى للمؤمنين هو زيادة هداهم. وقيل: هدى لجميع الخلق، ويكون الهدى بمعنى الدلالة والإرشاد والتبيين، لا بمعنى تحصيل الهدى، وبشرى للمؤمنين خاصة، وخصهم بالذكر لانتفاعهم به.

2074