التفسير التربويالجزء 1 · ص 2075 - 2083

الآية 3

الآية 3

(3) قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون). فيه تربية على أعلى درجات الإيمان، فإقامة الصلاة رمز للعبادات البدنية، وإيتاء الزكاة رمز للعبادات المالية، واليقين بالآخرة أساس في استقامة المجتمع وبعده عن المخالفات الشرعية. فقوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) صفات مادحة للمؤمنين، وكنى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عن عمل الصالحات مطلقا، وخصهما لأنه العبادات إما مالية وإما بدنية. (ويؤتون الزكاة) قيل: الزكاة المفروضة، وقيل: الزكاة هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق لأن السورة مكية. (وهم بالآخرة هم يوقنون) تأكيد لما وصف المؤمنون به من حيث أن اليقين بالآخرة يستلزم الخوف، والخوف يستلزم تحمل مشاق التكليف، فلا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

2075

الآيات 4-5

(4) و (5) قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون. أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون). فيه تحذير من عدم الإيمان بالآخرة من خلال الضلال في الدنيا والضلال في الآخرة. فقوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني: لا يصدقون بالبعث (زينا لهم أعمالهم) قيل: أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة، وقيل: زينا لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها، وقيل: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه (فهم يعمهون) يعني: يترددون في أعمالهم الخبيثة، وقيل: يتمادون، وقيل: يتحيرون. (أولئك الذين لهم سوء العذاب) وهو جهنم (وهم في الآخرة هم الأخسرون) يعني: خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر من كل خاسر.

2076

الآية 6

(6) قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم). فيه تأكيد على أن القرآن كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى (حكيم) يضع الأمور في مواضعها (عليم) ينزل للناس ما يحتاجونه في أمور دنياهم وفي أمور آخرتهم. فقوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن) يعني: يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه (من لدن) من عند (حكيم عليم) وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته (حكيم)، ودقائق علمه (عليم).

2077

الآية 7

(7) قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون). تتناول هذه السورة من قصة موسى عليه السلام موقف الوحي الأول، حيث يخطئ موسى الطريق من فلسطين إلى مصر ومعه أهله، فيرى من بعيد نارا، فيأتي إليها بحثا عن أصحابها ليسألهم عن الطريق أو يأخذ منهم شيئا من النار للتدفئة. فقوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله) يعني: واذكر إذ قال موسى لزوجته (إني آنست نارا) يعني: أبصرتها من بعد (سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس) يعني: أي بشعلة نار (لعلكم تصطلون) يعني: تستدفئون من البرد.

2078

(8ـ 12) قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين. يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم. وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون. إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم. وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين). وفي هذه الآيات يكون الوحي الأول من الله تعالى إلى موسى عليه السلام، حيث يكلفه بالرسالة إلى فرعون وقومه ويؤيده بالمعجزات وعلى رأسها معجزة العصا ومعجزة اليد. فقوله تعالى: (فلما جاءها) يعني: فلما جاء موسى إلى النار، وقال المفسرون: لما رأى موسى النار وقف قريبا منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا، فعجب منها وأهوى إليها ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها وتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها على أنها مأمورة لا يدري من يأمرها (نودي) يعني: ناداه الله (أن بورك من في النار ومن حولها) وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، قال: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت). (وسبحان الله رب العالمين) تنزيها وتقديسا لله رب العالمين. (يا موسى إنه) الهاء كناية عن الأمر والشأن (أنا الله العزيز) الغالب الذي ليس كمثله شيء (الحكيم) في أمره وفعله. (وألق عصاك) وإنما قال له ذلك ليعلم موسى أن المكلم له هو الله، وأن موسى رسوله، وكل نبي لابد له من آية في نفسه يعلم بها نبوته، وفي الكلام حذف: أي وألق عصاك فألقاها من يده فصارت حية (فلما رآها تهتز كأنها جان) وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم (ولى مدبرا) خائفا على عادة البشر (ولم يعقب) يعني: لم يرجع، وقيل: لم يلتفت (يا موسى لا تخف) يعني: من الحية وضررها (إني لا يخاف لدي المرسلون). (إلا من ظلم) يعني: لا يخاف لدى المرسلون وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم (ثم بدل حسنا بعد سوء) فإنه لا يخاف (فإني غفور رحيم) يعني: لمن تاب وترك السيئات وعمل الحسنات. (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) يعني: من غير مرض كبرص ونحوه (في تسع آيات) يعني: هذه الآية داخلة في تسع آيات، وقيل: في بمعنى مع، فالآيات عشرة منها اليد، والتسع: الفلق والعصا والجراد والقمل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطمس (إلى فرعون وقومه) يعني: إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه (إنهم كانوا قوما فاسقين) يعني: خارجين عن طاعة الله.

2079

الآيات 13-14

(13) و (14) قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين). فيه تلخيص سريع لموقف فرعون وقومه من الرسالة السماوية، فهم جحدوا بها ظاهرا واتهموا حاملها بالسحر وأيقنت بها أنفسهم، ولكنهم كانوا ظالمين متكبرين فكانت عاقبتهم الهلاك والدمار والغرق في اليم كما هو الحال في عاقبة كل الأمم التي كذبت رسلها. فقوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) يعني: واضحة بينة (قالوا هذا سحر مبين) جروا على عادتهم في التكذيب، وذلك بوصف المعجزة أنها من السحر. (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) يعني: تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين (فانظر) يا محمد (كيف كانت عاقبة المفسدين) يعني: آخر أمر الكافرين الطاغين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه. والخطاب له والمراد غيره.

2080

الآيات 15-17

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 15-17)

(15) و (16) و (17) قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين. وورث سليمانُ داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين. وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون). فيه تربية على أن العلم نعمة، وأن العالم أفضل من الجاهل، وأن شكر النعمة يكون بأن يقول المؤمن: الحمد لله رب العالمين. وفيه ترغيب بوراثة العلم من خلال تعليمه للأبناء. وفيه تربية على أنه من شكر المنعم الإعلام والتحديث بحصول النعمة. وفيه تربية على أنه من أجلّ النعم نعمة التسخير حيث سخر الله للإنسان كل ما خلق وكل ما حوله، وخص سليمان عليه السلام بتسخير الجن والإنس والطير. فقوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما) يعني: فهما، وقيل: علما بالدين والحكم وغيرهما وقيل: النبوة والخلافة في الأرض والزبور (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين). وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم وأجزل القسم، وأن من أوتي العلم فقد أوتي فضلا على كثير من عباد الله المؤمنين. (وورث سليمانُ داود) يعني: في النبوة والملك، بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمى ميراثا تجوزا، وهذا نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» (الديلمي)، (وقال يا أيها الناس) يعني: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله (علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء) قال المفسرون: لم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله سبحانه وتعالى سخر له الإنس والجن والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، وورث أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكان ملك سليمان وداود قبل الميلاد بألف سنة (إن هذا لهو الفضل المبين). (وحشر لسليمان جنوده) يعني: جُمع (من الجن والإنس والطير فهم يوزعون) يعني: يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون، وقيل: ويوزعون في جماعات، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم، وأصل الوزع هو الكف. وفي الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم.

2081

الآيات 18-19

(18) و (19) قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين). فيه بيان أن النمل أمة كالناس، وأنهم يتكلمون، وأنه تعالى تكريما لهم سمى هذه السورة باسمهم، وأن أهل العصر الحديث رغم الثورة المعلوماتية التي قاموا بها فإنهم لم يتوصلوا إلى فهم لغة النمل، ومثل ذلك يقال في أمة الطيور. و فيه تربية على أنه من شكر النعم محاولة الشكر، وأن من شكر النعم العمل الصالح، وأن العمل بطاعة الله والذي يجعل الناس من الصالحين هو من شكر النعم. فقوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قيل: هو واد بأرض الشام، وقيل: هو بالطائف (قالت نملة يا أيها النمل) قيل: سميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها، وخصت هذه النملة بالذكر لنطقها وإيمانها (ادخلوا مساكنكم) يعني: بيوتكم للوقاية من التحطيم (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) يعني: يكسرونكم بأقدامهم (وهم لا يشعرون) قيل: التفاتة مؤمن إلى عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا وهم لا يشعرون. وهو إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. (فتبسم ضاحكا من قولها) قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله: (ضاحكا) إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا. وقد كرم الإسلام النمل خاصة والحيوان عامة فروى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح الله» (مسلم). (وقال رب أوزعني) يعني: ألهمني، وقيل: أصله من وزع فكأنه قال: كفني عما يسخط (أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) يعني: مع عبادك الصالحين.

2082

(20ـ 23) قوله تعالى: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين. فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم). هذه العلاقة بين سليمان عليه السلام وبين الهدهد هي مما لا علم لي به، ولم أستطع تفهم هذا الدور الذي يقوم به الهدهد لسليمان عليه السلام، ولذلك أقول: في هذه الآيات تربية على أنه من العلم ما اختص الله نفسه بعلمه، ومن العلم أن يقول الإنسان عما لا يعلمه: لا أعلم، وكما يقال: نصف العلم لا أدري، والمرء يستر جهله حتى إذا دخل دار العلم فعندها يُقر بجهله ولا يستحي به. فقوله تعالى: (وتفقد الطير) ذكر شيئا آخر مما جرى له في مسيره الذي كان فيه، والتفقد: تطلب ما غاب عنك من شيء، والطير اسم جامع والواحد طائر، والمراد بالطير هنا جنس الطير وجماعتها، وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها. قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك. ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته، قال: لو أن نعجة على شاطئ الفرات أخذها الذئب لسئل عنها عمر. فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان». (فقال ما لي لا أرى الهدهد) يعني: ما للهدهد لا أراه، فهو من القلب الذي لا يعرف معناه. والهدهد طير معروف وهدهدته صوته (أم كان من الغائبين) يعني: بل كان من الغائبين. (لأعذبنه عذابا شديدا) قيل: إن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه، وقيل: تعذيبه أن يسجنه مع أضداده، فأضيق السجون السجن مع الأضداد (أو لأذبحنه) وهذا دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد (أو ليأتيني بسلطان مبين) يعني: بحجة بينة. (فمكث غير بعيد) يعني: الهدهد، ثم جاء (فقال أحطت بما لم تحط به) يعني: علمت ما لم تعلمه من الأمر، فكان في هذا رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب (وجئتك من سبإ بنبإ يقين) أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح. وقيل: سبأ اسم رجل نسب إليه القوم، وقيل: سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. وقيل: اسم امرأة سميت بها المدينة. والصحيح أنه اسم رجل. (إني وجدت امرأة تملكهم) لما قال الهدهد: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين) قال سليمان: وما ذلك الخبر؟ قال: (إني وجدت امرأة تملكهم) يعني: بلقيس بنت شراحيل. وروى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه. قلت: ولها أن تكون ما دون ذلك بأن تكون ملكة أو رئيسة، وأما الخلافة فهي كالنبوة في اختصاص الرجال بها. (وأوتيت من كل شيء) يعني: مما تحتاجه المملكة، وقيل: أوتيت من كل شيء في زمانها (ولها عرش عظيم) يعني: سرير، ووصفه بالعظمة في الهيئة ورتبة السلطان. وقيل: كان من ذهب تجلس عليه.

2083