التفسير التربويالجزء 1 · ص 2156 - 2163

التفسير التربوي لسورة العنكبوت

التفسير التربوي لسورة العنكبوت

قال القرطبي في التفسير: «سورة العنكبوت: مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة. وفي القول الآخر لهما وهو قول يحيى بن سلام أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين بمكة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نزلت بين مكة والمدينة. وهي تسع وستون آية».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((سورة العنكبوت مكية. وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية. وذلك لذكر (الجهاد) فيها وذكر (المنافقين). ولكننا نرجح أن السورة كلها مكية. وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص كما سيجيء. وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال. وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية. لذلك نرجح مكية الآيات كلها. أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير، لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة، أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن، وهذا واضح في السياق. وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس. والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام. إنها تبدأ بعد الحروف المقطعة بالحديث عن الإيمان والفتنة، وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس، فليس الإيمان كلمة تقال باللسان، إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف. ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها، فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب، وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، استعراضاً سريعا يصور ألوانا من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان على امتداد الأجيال. ثم يعقب على هذا القصص وما تكشف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى، بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها، وقد أخذها الله جميعا. ويضرب لهذه القوى كلها مثلا مصورا يجسم وهنها وتفاهتها. ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض، ثم يوحد بين تلك الدعوات جميعا ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكلها من عند الله، وكلها دعوة واحدة إلى الله. ومن ثم يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له، وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون، ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. ويتناقضون في منطقهم، ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين. وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة، غير خائفين من الموت. ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، فيلتئم الختام مع المطلع، وتتضح حكمة السياق في السورة، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل)).

2156

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (العنكبوت: 1-3)

(1) و (2) و (3) قوله تعالى: (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). فيه تربية على أن كل من يقول آمنت سوف يحصل له الامتحان والابتلاء على هذه الكلمة، وهذا الامتحان يتفاوت في الكم والنوع ولكنه ثابت في الأصل، وأن هذا الامتحان إنما يحصل لإخراج علم الله تعالى بنتيجته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونتيجة هذا الامتحان ظهور صدق الصادق وظهور كذب من يدعي الإيمان متظاهرا به، والامتحان حسب شدة الإيمان فأشد الناس ابتلاء الأمثل فالأمثل، يبتلى الناس حسب دينهم. ومن أهداف هذا الامتحان الإعداد لحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، فالذين لا يمتحنون قد يسقطون عند أول صدمة وأما أي مصيبة. وفي ضوء الآيتين الثانية والثالثة تبدو الأحرف المقطعة في الآية الأولى كأنها قسم من الله تعالى بحقيقة الامتحان، فكأنه تعالى يقسم بالأحرف الأبجدية العربية وفي هذا تعظيم لها، وهي في الحقيقة عظيمة لأن كلام الله تعالى نزل بها. فقوله تعالى: (الم) تقدم القول في أوائل السور، وقيل: قسم أقسم الله به، وقيل: اختصار كلمات: أنا الله أعلم، وقيل: هو اسم للسورة، وقيل: هو اسم للقرآن. (أحسب الناس) استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن (أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) قيل: ظن قوم من المؤمنين أن الله لا يمكن الكفار منهم، وكانت صدورهم تضيق من الامتحان والأذية على الدين فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة. قال سعد بن أبي وقاص: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (الترمذي). وقال أبو سعيد الخدري: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله، ما أشدها عليك؟! قال: «إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء» (ابن ماجة). (ولقد فتنا الذين من قبلهم) من المؤمنين في الأمم السابقة (فليعلمن الله الذين صدقوا) يعني: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم، وقيل: ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه (وليعلمن الكاذبين) والكذب ضد الصدق. وقيل: الصدق هنا الثبات، والكذب هنا الهزيمة، والعلم هنا البيان.

2157

الآية 4

(4) قوله تعالى: (أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون). فيه تهديد ووعيد لمن يمارسون الكفر والمعاصي بأنهم لا يفلتون من الله تعالى لأنه قادر على عقوبتهم في الدنيا قبل الآخرة، وإن لم يفعل فلحكمة يعلمها ونحن لا نعلمها، فهو تعالى حليم عليم. فقوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات) يعني: الشرك والمعاصي (أن يسبقونا) يعني: يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون (ساء ما يحكمون) يعني: بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء.

2158

الآيات 5-7

(5) و (6) و (7) قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم. ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون). فيه ترغيب بالإيمان باليوم الآخر ولقاء الله تعالى من خلال البيان بأن ذلك قريب لأنه آت، وكل ما هو آت قريب. وفيه ترغيب بالجهاد بالمعنى الدعوي حيث إن الجهاد هو بذل الجهد في سبيل الله تعالى، وأول الجهاد هو جهاد النفس بحملها على فعل الفرائض وترك المعاصي، ومن فعل أو ترك فإنما يفعل لنفسه أو يترك لنفسه لأن الله غير محتاج إلى طاعة مطيع أو معصية عاص. وفيه ترغيب بالإيمان والعمل الصالح من خلال الوعد بتكفير السيئات والوعد بالثواب الحسن يوم القيامة وهو الجنة. فقوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) يعني: من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحا فإنه لا بد أن يأتيه (وهو السميع) لما يُقال (العليم) بما يُعمل وما يُعتقد. (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) يعني: ومن جاهد في الدين وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات فإنما يسعى لنفسه، فثواب ذلك كله له ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك (إن الله لغني عن العالمين) يعني: عن أعمالهم، وقيل: من جاهد عدوه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده. (والذين آمنوا) يعني: صدقوا (وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم) يعني: لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) يعني: بأحسن أعمالهم وهي الطاعات. وقيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام. ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام.

2159

الآيات 8-9

(8) و (9) قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين). فيه تربية على التوازن في العلاقة مع الوالدين في حال كونهما مشركين يسعيان لجعل ابنهما مشركا مثلهما، فليس للابن أن يشرك بالله كما ليس له أن يعاملهما معاملة سيئة، بل يثبت على الإيمان ويعاملهما بالإحسان. وفيه تربية على أن الشرك هو مما لا علم لنا به. وفيه تربية على أن الإنسان بالإيمان والعمل الصالح يكون من الصالحين في الدنيا ومع الصالحين يوم القيامة. فقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت في أربع آيات، فذكر قصة، فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر! والله لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية. (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وفي رواية قال سعد: كنت بارا بأمي فأسلمت، فقالت: لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، ويقال يا قاتل أمه، وبقيت يوما ويوما فقلت: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفسا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت ونزلت الآية. فقوله: (حسنا) يعني: ووصيناه حسنا، وقيل: ووصيناه بالحسن، وهي المعاملة الحسنة بالمعروف (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) والشرك مما ليس للمؤمن به علم (إلي مرجعكم) وعيد في طاعة الوالدين في الشرك (فأنبئكم بما كنتم تعملون) يعني: أخبركم إخبار حساب وجزاء وعقاب. (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم (لندخلهم في الصالحين) مبالغة في الترغيب، والصالحين: الذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته، وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة.

2160

الآيات 10-11

(10) و (11) قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين. وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين). فيه تربية على التفريق بين الامتحان والعقوبة، فالعقوبة تكون على العمل الطالح تكفيرا عنه، والامتحان يكون على العمل الصالح لرفع الدرجات عند الله. وفيه بيان لطبائع المنافقين فهم ليسوا مع المؤمنين في حال الهزيمة وهم مع المؤمنين في حال النصر، يعني هم مع مصلحتهم وليس لهم مبدأ. وفيه بيان أن الامتحان يميز المؤمن من المنافق الذي يدعي الإيمان، وكما يقال: عند الامتحان يثبت الرجل أو يهان. فقوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) يعني: المنافقين كانوا يقولون آمنا بالله (فإذا أوذي في الله) يعني: حصل له البلاء بسبب الإيمان (جعل فتنة الناس) يعني: أذاهم (كعذاب الله) في الآخرة فارتد عن إيمانه، وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله (ولئن جاء) المؤمنين (نصر من ربك ليقولن) هؤلاء المنافقون (إنا كنا معكم) وهم كاذبون، فقال الله لهم (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) يعني: الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقيل: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) يعني: يبين علمه بهم للناس. وقيل: هو تحول العلم من الغيب إلى الشهادة، فهو عالم الغيب والشهادة.

2161

الآيات 12-13

(12) و (13) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون. وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون). فيه تربية على بطلان التبعية العمياء حيث لا نزال نجد في كل أمة من يقول لك: افعل كذا وضعه في رقبتي، والله تعالى يقول لنا: من عمل خطأ فعليه الحساب، ومن تعهد بتحمل الحساب عن غيره يحاسب على عمله ويحاسب على عمل غيره، ومن قال غير ذلك فهو مفتر على الله تعالى وسوف يحاسب يوم القيامة على افترائه كما يحاسب على عمله وعمل غيره. فقوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا) يعني: ديننا (ولنحمل خطاياكم) يعني: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان عليكم وزر فعلينا، أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون) وهذا من قول الله. (وليحملن أثقالهم) يعني: ذنوبهم (وأثقالا مع أثقالهم) يعني: ما يحمل عليهم من سيئات غيرهم بعد فراغ حسناتهم. وقيل: يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته، ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات، فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوها عليه. وقيل: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) يعني: وسوف يحاسبون على افترائهم في قولهم: (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم).

2162

الآيات 14-15

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 14-15)

(14) و (15) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين). فيه تربية على الصبر في الدعوة إلى الله، وأننا لو صبرنا طوال حياتنا لما بلغ صبرنا معشار صبر نوح عليه السلام. وفيه تحذير من الظلم من خلال البيان بأن عاقبة الظالمين هي الهلاك والدمار في الدنيا قبل الآخرة. وفيه تربية على إعجاز القرآن من خلال إخباره عن مآل سفينة نوح عليه السلام. فقوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ذكر قصة نوح تسليه لنبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا، وخص نوحا بالذكر لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض وقد امتلأت كفرا، وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح عليه السلام (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) يعني: أغرقهم الله بالطوفان بسبب ظلمهم. (فأنجيناه) يعني: نوحا (وأصحاب السفينة) يعني: ومن معه في السفينة وهم المؤمنون (وجعلناها) يعني: السفينة، وقيل: العقوبة، وقيل: النجاة (آية للعالمين) يعني: علامة يستدلون بها إلى الإيمان.

2163