التفسير التربويالجزء 1 · ص 2164 - 2171

الآيات 16-18

الآيات 16-18

(16) و (17) و (18) قوله تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون. وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين). فيه بيان أن دعوة إبراهيم عليه السلام كانت إلى التوحيد والتقوى والإسلام خاصة وأن اليهود والنصارى والعرب كانوا ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام. وفيه تربية على بطلان عبادة الأصنام من خلال بيان عجزها عن رزق الناس وعدم قدرتها على السمع أو النفع أو الضر. وفيه ترغيب في عبادة الله وحده والشكر له على نعمه من خلال التذكير بالمصير إلى الله حيث الحساب والجزاء والعقاب. وفيه تحذير من التكذيب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال الإشارة إلى مصائر المكذبين من الأمم. فقوله تعالى: (وإبراهيم) يعني: واذكر إبراهيم (إذ قال لقومه اعبدوا الله) يعني: أفردوه بالطاعة (واتقوه) يعني: اتقوا عقابه وعذابه (ذلكم خير لكم) يعني: من عبادة الأوثان (إن كنتم تعلمون). (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) يعني: أصناما، وقيل: الصنم والوثن واحد، وقيل: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة (وتخلقون) يعني: وتنحتون (إفكا) يعني: كذبا لأن المراد بها الكذب، والمعنى: إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها (إن الذين تعبدون من دون الله) يعني: الأصنام (لا يملكون لكم رزقا) يعني: لا يرزقونكم (فابتغوا عند الله الرزق) يعني: اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله، فإياه فاسألوه وحده دون غيره (واعبدوه) يعني: وأطيعوه (واشكروا له) يعني: قابلوا نعمه بالشكر عليها لا بالكفر بها (إليه ترجعون) يعني: يوم القيامة. (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) يعني: التكذيب عادة الكفار (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) يعني: وليس على الرسل إلا التبليغ الواضح الصريح الذي به تقوم الحجة.

2164

الآيات 19-20

(19) و (20) قوله تعالى: (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير). فيه تربية على أن إعادة الخلق أهون من الخلق لأول مرة، وأن الله تعالى خلق الخلق من العدم فإعادة الخلق يوم القيامة أهون عليه وأيسر، وذلك أن فريقا من العرب في الجاهلية كانوا ينكرون البعث والآخرة ظنا منهم أن الله غير قادر على ذلك مع أنهم يؤمنون بأن الله السماوات والأرض وخلق الإنسان. فقوله تعالى: (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق) استفهام على معنى التوبيخ، وقيل: هو خطاب لقريش وليس من قول إبراهيم (ثم يعيده) يعني: الخلق والبعث، وقيل: أو لم يروا كيف يبدئ الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبدا، وكذلك يبدئ خلق الإنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا، وكذلك سائر الحيوان. فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة (إن ذلك على الله يسير) لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون. (قل سيروا في الأرض) يعني: قل لهم يا محمد سيروا في الأرض (فانظروا كيف بدأ الخلق) على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) يعني: الخلق والبعث (إن الله على كل شيء قدير).

2165

الآيات 21-23

(21) و (22) و (23) قوله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير. والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم). فيه تربية على أنه تعالى يعذب من يشاء ممن يستحق العقاب ويرحم من يشاء ممن يستحق الثواب لأن له القضاء يوم القيامة. وفيه تربية أن الناس لا يعجزون الله تعالى ولا يخرجون عن قدرته، وأنهم ليس لهم من دونه من ينصرهم أو يعينهم. وفيه تربية على أن رحمة الله للمؤمنين، وأن عذابه للمكذبين. فقوله تعالى: (يعذب من يشاء) يعني: بعدله (ويرحم من يشاء) يعني: بفضله (وإليه تقلبون) يعني: ترجعون وتردون. (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) يعني: إن الله لا يفوته أهل الأرض ولا أهل السماء هربا منه إن عصوه (وما لكم من دون الله من ولي) يحميكم (ولا نصير) يدافع عنكم. (والذين كفروا بآيات الله) يعني: بالقرآن، وقيل: بما نصب من الأدلة والأعلام (ولقائه) يعني: باليوم الآخر (أولئك يئسوا من رحمتي) يعني: من الجنة (وأولئك لهم عذاب أليم) يعني: في النار.

2166

الآية 24

(24) قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون). فيه تربية على أن الكافرين لا يؤمنون بالحوار أو التعايش السلمي مع المؤمنين، وإنما سبيلهم هو القتل والتحريق والبطش لمن خالفهم في الدين أو حاورهم في معتقداتهم أو بين بطلان عبادتهم. فقوله تعالى: (فما كان جواب قومه) ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم (إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) ثم اتفقوا على تحريقه (فأنجاه الله من النار) يعني: من أذيتها (إن في ذلك) يعني: في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها (لآيات) يعني: لعلامات ودلالات على الهداية (لقوم يؤمنون).

2167

الآية 25

(25) قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين). فيه تربية على الصحبة، وأن الصحبة على الباطل في الدنيا تتحول إلى عداوة وخصومة يوم القيامة وتكون سببا في دخول صاحبها إلى النار، وهذا كقوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف: 67). فقوله تعالى: (وقال) يعني: إبراهيم (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا) يعني: تتوادون بها، والمعنى: جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) يعني: تتبرأ الأوثان من عبادها، والرؤساء من السفلة (ومأواكم النار) هو خطاب لمن يعبدون الأوثان الرؤساء منهم والاتباع، وقيل: تدخل فيه الأوثان (وما لكم من ناصرين) ينصرونكم من عذاب الله يوم القيامة.

2168

الآيات 26-27

(26) و (27) قوله تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم. ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين). فيه دعوة إلى الهجرة من دار الاستبداد حيث يحارب المسلم في دينه إلى دار الحرية حيث يكون المسلم حرا في معتقده وعبادته ودعوته. وفيه بيان أن الهجرة كطاعة تورث الذرية الصالحة والأجر في الدنيا والأجر في الآخرة. فقوله تعالى: (فآمن له لوط) يعني: لوط أول من صدق إبراهيم حين رأى النار عليه بردا وسلاما، وقيل: آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخيه، وآمنت به سارة وكانت بنت عمه (وقال إني مهاجر إلى ربي) يعني: إبراهيم عليه السلام. قال القرطبي: «قال قتادة: هاجر من كوثا وهى قرية من سواد الكوفة إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وامرأته سارة. قال الكلبي: هاجر من أرض حران إلى فلسطين. وهو أول من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة». (إلى ربي) يعني: إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني (إنه هو العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم) الذي يضع الأمور في مواضعها. (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) يعني: منّ الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ولدا ويعقوب ولدَ ولد، وإنما وهب له إسحاق من بعد إسماعيل، ويعقوب من إسحاق (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه (وأتيناه أجره في الدنيا) يعني: اجتماع أهل الملل عليه، وذلك أن أهل كل دين يتولونه (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) يعني: مع الصالحين في الثواب والمقام. وكل هذا حث على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدين الحق.

2169

الآيات 28-30

(28) و (29) و (30) قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. قال رب انصرني على القوم المفسدين). فيه بيان أن دعوة لوط عليه السلام كان إلى توحيد الله وطاعته من خلال ترك الفواحش، والابتعاد عن قطع الطرق، وترك المنكرات. وفيه تربية على طريقة الكافرين في التعامل مع الدعوة الحقة وهي استعجال العذاب في الدنيا تكذيبا به وردا له. وفيه تربية على أن الفصل بين الناس في الأقوام السابقة كان فصلا إلهيا بإنجاء المؤمنين المصدقين وإهلاك الكافرين المكذبين. فقوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه) يعني: واذكر لوطا إذ قال لقومه موبخا أو محذرا (أئنكم لتأتون الفاحشة) وهي أن الرجال يأتي بعضهم بعضا (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) يعني: بالمعنى العام لا بالمعنى الفردي، وقيل: بالاستحلال لها. (أئنكم لتأتون الرجال) يعني: شهوة من دون النساء (وتقطعون السبيل) قيل: كانوا قطاع الطريق، وقيل: كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة، وقيل: إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال (وتأتون في ناديكم المنكر) يعني: تفعلون المنكرات في مجالسكم (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) يعني: استعجلوا العذاب تكذيبا بوقوعه. (قال رب انصرني على القوم المفسدين) يعني: حين كذبوا بالعذاب استنصر لوط عليه السلام ربه كي يصدقه في دعواه بوقوع العذاب في حال التكذيب.

2170

الآيات 31-32

(31) و (32) قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين. قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين). فيه تربية على أن منهج الأنبياء قائم على التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإن كانوا كافرين، من خلال البيان بأن إبراهيم عليه السلام كان يريد تأخير العذاب عن قوم لوط عليه السلام. فقوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) يعني: هلاك قوم لوط ونجاة لوط ومن معه، وقيل: مبشرين بنصرة لوط على قومه (قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين) يعني: كافرين مكذبين. (قال) إبراهيم (إن فيها لوطا) يعني: كيف تهلكونها وفيها لوطا (قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) يعني: الباقين في العذاب.

2171