التفسير التربويالجزء 1 · ص 2172 - 2179

الآيات 33-35

الآيات 33-35

(33) و (34) و (35) قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون. ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون). فيه تربية على أن شدة العذاب تتناسب من شدة الذنب، فعقوبة قوم لوط كانت من أشد العقوبات لأن ذنبهم كان من أشد الذنوب. وفيه دعوة إلى الاعتبار بما حصل لقوم لوط من خلال السير والنظر إلى آثارهم، وخص العقلاء بالفائدة من النظر لأنهم المعتبرون عادة. فقوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا) يعني: جاءت الملائكة إلى لوط في هيئة فتية صباح ملاح، وهو يعلم عادة قومه وما ينتظر ضيوفه هؤلاء منهم من سوء لا يملك له دفعا، فضاق صدره وساءه حضورهم إليه في هذا الظرف العصيب. ويختصر هنا هجوم القوم على الضيوف، ومحاورة لوط لهم، ويمضي إلى النهاية الأخيرة، إذ يكشف له الرسل عن حقيقتهم، ويخبرونه بمهمتهم، وهو في هذا الكرب وذلك الضيق (وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) يعني: من الباقين في العذاب مع القوم. (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) يقول صاحب الظلال: ترسم هذه الآية مشهد التدمير الذي أصاب القرية وأهلها جميعا إلا لوطاً وأهله المؤمنين وقد كان هذا التدمير بأمطار وأحجار ملوثة بالطين، ويغلب أنها ظاهرة بركانية قلبت المدينة وابتلعتها، وأمطرت عليها هذا المطر الذي يصاحب البراكين. (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) يعني: وما تزال آثار هذا التدمير باقية تحدث عن آيات الله لمن يعقلها ويتدبرها من القرون. وكان هذا هو المصير الطبيعي لهذه الشجرة الخبيثة التي فسدت وأنتنت فلم تعد صالحة للإثمار ولا للحياة، ولم تعد تصلح إلا للاجتثاث والتحطيم. وقيل في تأويل قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) هي الحجارة التي أبقيت, و آثار منازلهم الخربة، والماء الأسود على وجه الأرض، وكل ذلك باق فلا تعارض.

2172

الآيات 36-37

(36) و (37) قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين. فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين). فيه تربية من خلال تلخيص حياة أمة مدين التي أرسل الله إليها شعيبا عليه السلام، فالبداية بالدعوة إلى عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر والبعد عن الفساد في الأرض، والوسط هو تكذيب قوم شعيب لنبيهم واستعجال العذاب، والنهاية هي الرجفة التي جعلتهم أمواتا إلا المؤمنين منهم. فقوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) يعني: وأرسلنا إلى مدين (فقال يا قوم اعبدوا الله) يعني: أفردوه بالطاعة والعبادة (وارجوا اليوم الآخر) يعني: واخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال، وقيل: صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه (ولا تعثوا في الأرض مفسد ين) يعني: ولا تكفروا فإن الكفر أصل كل فساد، والعثو: أشد الفساد. (فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) فذكر في اختصار انتهاء أمرهم إلى تكذيب رسولهم، وأخذهم بالهلاك والتدمير على سنة الله في أخذ المكذبين.

2173

الآيات 38-40

(38) و (39) و (40) قوله تعالى: (وعاد وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين. فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). في هذه الآيات دعوة إلى النظر والاعتبار من خلال مصارع الأمم السابقة ونهايات المستبدين الظالمين، وأنه تعالى لا يظلم أحدا وإنما يظلم الناس أنفسهم حين يكذبون الأنبياء ويتكبرون على الناس ويبطرون بالنعم ويتبعون الشيطان. فقوله تعالى: (وعادا وثمود) يعني: وأهلكنا عادا وثمودا (وقد تبين لكم) يا معاشر الكفار (من مساكنهم) بالحجر والأحقاف آيات في إهلاكهم (وزين لهم الشيطان أعمالهم) يعني: أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة (فصدهم عن السبيل) يعني: عن طريق الحق (وكانوا مستبصرين) يعني: وكانوا مستبصرين في الضلالة، وقيل: وكانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين، وقيل: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. (وقارون وفرعون وهامان) يعني: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان (ولقد جاءهم موسى بالبينات) يعني: أهلكناهم بعد أن جاءتهم الرسل (فاستكبروا في الأرض) يعني: عن الحق وعن عبادة الله (وما كانوا سابقين) يعني: وما كانوا فائتين لله، وقيل: وما كانوا سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم. (فكلا أخذنا بذنبه) يعني: أخذنا كلا بذنبه، وفيه دليل على أن الذنوب سبب في الهلاك (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) يعني: قوم لوط، والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى الصغار (ومنهم من أخذته الصيحة) يعني: ثمودا وأهل مدين (ومنهم من خسفنا به الأرض) يعني: قارون (ومنهم من أغرقنا) يعني: قوم نوح وقوم فرعون (وما كان الله ليظلمهم) لانه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).

2174

الآيات 41-43

(41) و (42) و (43) قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون). فيه تربية على قوة التوحيد ووهن الشرك من خلال البيان بأن الشرك كبيت العنكبوت هو من أوهن البيوت مع أن الخيط الذي نسج به هو من أقوى الخيوط.وفيه ترهيب من عبادة غير الله تعالى من خلال التذكير بعزته تعالى التي لا تغالب وحكمته التي لا يعجزها شيء. وفيه ترغيب بالعلم والعقل من أجل الاستفادة من الأمثال التي يضربها الله تعالى للناس في كتابه. فقوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا (وإن أوهن البيوت) يعني: أضعف البيوت (لبيت العنكبوت) وقيل: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت (لو كانوا يعلمون) يعني: لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا لما عبدوها. (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء) يعني: إن الله يعلم ضعف ما يعبدون من دونه (وهو العزيز) الذي لا يرام جانبه (الحكيم) الذي يضع الأمور في مواضعها. (وتلك الأمثال) يعني: هذا المثل وغيره مما ذكر سور متعددة (نضربها) يعني: نبينها (للناس وما يعقلها) يعني: يفهمها (إلا العالمون) يعني: العالمون بالله، فالعالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه.

2175

الآية 44

(44) قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال التذكير بآية خلق السماوات والأرض، وهي آية يستدل بها على وجوده تعالى ووحدانيته، كما هي نعمة أنعم الله بها على الناس حيث سخر السماء والأرض وكل ما خلق لخدمة الإنسان. فقوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق) يعني: بالعدل والقسط، وقيل: لهدف وليس عبثا (إن في ذلك لآية) يعني: لعلامة ودلالة (للمؤمنين) يعني: المصدقين.

2176

الآية 45

(45) قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون). فيه تربية من خلال قراءة القرآن وإقامة الصلاة وذكر الله، وأن الغاية من هذه الفرائض هي تربية النفس وتهذيبها، وعلامة التربية هنا هي البعد عن المحرمات صغيرها وكبيرها. فقوله تعالى: (اتل) أمر بالتلاوة والمواظبة عليها (ما أوحي إليك من الكتاب) يعني: القرآن (وأقم الصلاة) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وإقامة الصلاة أداؤها في وقتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) يعني: الغاية من الصلاة هي البعد عن الذنوب كبيرها وصغيرها. وقيل: إن الصلاة الخمس تكفر ما بينها من الذنوب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» (الترمذي). وقيل: الصلاة هنا هو ما يتلى في الصلاة وهو ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي. وقيل: العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا، فإن الصلاة تنهى ما دمت فيها (ولذكر الله أكبر) يعني: ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، وقيل: ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء، وقيل: إن ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر (والله يعلم ما تصنعون) وهذا نوع من الترهيب والحث على مراقبة النفس في أعمالها وأقوالها.

2177

الآيات 46-47

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 46-47)

(46) و (47) قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون. وكذلك أنزلنا إليك الكتب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون). فيه تربية على الحوار والتعايش السلمي مع المسالمين من أهل الكتاب، وعلى العكس من ذلك فإن الظالمون منعم والمحاربون للمسلمين فإنهم لا حوار لهم ولا تعايش سلمي معهم. ومع أن هذه الآيات مكية فإن الآيات المدنية جاءت مصدقة لها فقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة: 8ـ9). فقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) يعني: يجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته، رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة (إلا الذين ظلموا منهم) يعني: إلا الذين ظلموكم ولا يزالون يحاربونكم، وهذه الآية محكمة لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول. وقيل: (إلا الذين ظلموا منهم) معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يقبلوا بالتعايش السلمي مع المسلمين. (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) روى البخاري عن أبي هريرة: قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم». (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) يعني: القرآن (فالذين آتيناهم الكتاب) يعني: التوراة والإنجيل (يؤمنون به) يعني: بالقرآن (ومن هؤلاء) يعني: العرب (من يؤمن به) يعني: القرآن (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) وهذا تنفير لأهل الكتاب عما هم عليه من الكفر بالقرآن والمعنى: إنكم آمنتم بكل شيء، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة، إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بالقرآن في أنه من عند الله يكون كافرا.

2178

الآيات 48-49

(48) و (49) قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون). فيه دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكل ما أخبر به في القرآن من أخبار الأمم السابقة وتفاصيل قصص أنبيائهم يدل على نبوته لأن لم يقرأ ذلك في كتاب ولم يعرف عنه القراءة ولا الكتابة. فقوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) يعني: وما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابا، ويخط حروفا (لارتاب المبطلون) يعني: من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال المفسرون: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية دليلا على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك. (بل هو آيات بينات) يعني القرآن، والمعنى: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه (في صدور الذين أوتوا العلم) وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به يحفظونه ويقرءونه، ووصفهم بالعلم لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر. قال المفسرون: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون، وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم حكماء علماء وهم في الفقه كالأنبياء. وقيل: (بل هو) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم (آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) من أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) يعني: الكافرون، لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به.

2179