التفسير التربويالجزء 1 · ص 2188 - 2195

الآية 67

الآية 67

(67) قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون). فيه رد على المشركين الذين زعموا أنهم إن اتبعوا الإيمان تعرضوا للخوف والحرب وانعدام الأمن، وذلك من خلال التذكير لهم بأنه تعالى تكفل بطعامهم وأمنهم في شركهم فمن قبيل الأولى أن يتكفل بطعامهم وأمنهم في إيمانهم. فقوله تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) يعني: هي مكة وهم قريش أمنهم الله تعالى فيها (ويتخطف الناس من حولهم) يعني: يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، والخطف الأخذ بسرعة. فذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. والمعنى: جعلت لهم حرما آمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل، وخلصتهم في البر كما خلصتهم في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر، فهذا تعجيب من تناقض أحوالهم (أفبالباطل يؤمنون) يعني: الشرك، وقيل: إبليس (وبنعمة الله يكفرون) يعني: بعافية الله، وقيل: بعطائه، وقيل: بإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف يكفرون، وهذا تعجيب وإنكار خرج مخرج الاستفهام.

2188

الآيات 68-69

(68) و (69) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). فيه تربية بالترهيب من تكذيب النبي أو الافتراء على الله من خلال الوعيد بالنار على ذلك. وفيه تربية على العدالة الإلهية في الهداية والإضلال، فهو تعالى لا يوزع الهداية أو الإضلال عشوائيا أو اعتباطيا بل يهدي من يسعى في الهداية ويُضل من يسعى في الضلال. وفيه تربية على الإحسان بنوعيه: الإحسان مع الله بأن تعبد الله كأنك تراه، والإحسان مع خلق الله بالتنازل عن بعض الحق أو كله لوجه الله تعالى. فقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) يعني: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا (أو كذب بالحق لما جاءه) يعني: بالقرآن والتوحيد ومحمد صلى الله عليه وسلم (أليس في جهنم مثوى للكافرين) يعني: مستقر، وهو استفهام تقرير. (والذين جاهدوا فينا) يعني: جاهدوا الكفار في طلب مرضاتنا. وهذا قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. وليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله (لنهدينهم سبلنا) يعني: سبل الثبات على الإيمان، وقيل: وفقه الله إلى الحق، وقيل: إلى الجنة (وإن الله لمع المحسنين) يعني: هو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة، وبين المعيتين بون واسع.

2189

التفسير التربوي لسورة الروم

قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية، قال ابن عطية وغيره: بلا خلاف. وقال الزمخشري: إلا قوله: (فسبحان الله حين تصبحون). وسبب نزولها أن كسرى بعث جيشا إلى الروم، وأمّر عليهم رجلا، واختلف النقلة في اسمه؛ فسار إليهم بأهل فارس، وظفر وقتل وخرّب وقطع زيتونهم، وكان التقاؤهم بأذرعات وبصرى، وكان قد بعث قيصر رجلا أميرا على الروم. وقال مجاهد: التقت بالجزيرة. وقال السدي: بأرض الأردن وفلسطين. فشق ذلك على المسلمين لكونهم مع الروم أهل الكتاب، وفرح بذلك المشركون لكونهم مع المجوس ليسوا بأهل كتاب. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم (سيغلبون في بضع سنين). ونزلت أوائل الروم. فصاح أبو بكر بها في نواحي مكة: (الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين). فقال ناس من مشركي قريش: زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ فقال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان. فاتفقوا أن جعلوا ثلاث سنين وثلاث قلائص، وأخبر أبو بكر رسول الله بذلك فقال: (هلا احتطت؟ فارجع فزدهم في الأجل والرهان) فجعلوا القلائص مائة، والأجل تسعة أعوام. فظهرت الروم على فارس في السنة السابعة. وكان ممن راهن أبيّ بن خلف، فلما أراد أبو بكر الهجرة، طلب منه كفيلا، فكفل به ابنه عبد الرحمن.. وظهر الروم على فارس يوم الحديبية. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين. فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (تصدق به). ولما غلبت الروم فارس، وجاء الخبر، فرح المسلمون. وكان ذلك من الآيات البينات الشاهدة بصحة النبوة، وأن القرآن من عند الله، لأنها إيتاء من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معينة. ذلك حين غلبت فارس على الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب. وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم النصرانية، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان. ومن ثم نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين. ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد، ولا في حدود ذلك الحادث، إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت، وليصلهم بالكون كله، وليربط بين سنة الله في نصر العقيدة السماوية والحق الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما، وليصل بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، ثم يستطرد بها إلى الحياة الأخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وإلى العالم الآخر بعد عالم الأرض المحدود، ثم يطوف بهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس، وفي أحوال البشر، وفي عجائب الفطر، فإذا هم في ذلك المحيط الهائل الضخم الرحيب يطلعون على آفاق من المعرفة ترفع حياتهم وتطلقها، وتوسع آمادها وأهدافها، وتخرجهم من تلك العزلة الضيقة، عزلة المكان والزمان والحادث، إلى فسحة الكون كله: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى نواميس الكون وسننه وروابطه. ومن ثم يرتفع تصورهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير، ويشعرون بضخامة النواميس التي تحكم هذا الكون وتحكم فطرة البشر، ودقة السنن التي تصرف حياة الناس وأحداث الحياة، وتحدد مواضع النصر ومواضع الهزيمة، وعدالة الموازين التي تقدر بها أعمال الخلق، ويقوّم بها نشاطهم في هذه الأرض، ويلقون على أساسها الجزاء في الدنيا والآخرة. وفي ظل ذلك التصور المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها، ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى، وفطرة النفس البشرية وأطوارها، وماضي هذه البشرية ومستقبلها، لا على هذه الأرض وحدها، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط. وكذلك يرتبط قلب المسلم بتلك الآفاق والآماد، ويتكيف على ضوئها شعوره وتصوره للحياة والقيم، ويتطلع إلى السماء والآخرة، ويتلفت حواليه على العجائب والأسرار، وخلفه وقدامه على الحوادث والمصائر، ويدرك موقفه هو وموقف أمته في ذلك الخضم الهائل، ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب الله، فيؤدي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام. ويمضي سياق السورة في عرض تلك الارتباطات، وتحقيق دلالاتها في نظام الكون، وتثبيت مدلولاتها في القلوب».

2190

الآيات 1-7

قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ (الروم: 1-7)

(1ـ 5) قوله تعالى: (الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم). فيه تربية على إعجاز القرآن من خلال إخباره عن الغيبيات، حيث أخبر في هذه الآيات المكية عن أمرين: غلبة الروم على الفرس، ونصر المؤمنين على الكافرين في غزوة بدر. فقوله تعالى: (الم) قال الرازي: إن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن إلا هذه السورة وسورتين أخريين. فنقول فيما يتعلق بهذه السورة أن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف، وهذه المعجزة هي الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع. (غلبت الروم) يعني: أمام الفرس. (في أدنى الأرض) يعني: أرض الشام وهي أدنى الأرض بالنسبة لجزيرة العرب، وقيل: في أذرعات وبصرى، وقيل: في فلسطين والأردن (وهم) يعني: الروم (من بعد غلبهم) يعني: أمام الفرس (سيغلبون. في بضع سنين) والبضع ما بين الثلاثة إلى التسعة (لله الأمر) يعني: إنفاذ الأحكام (من قبل ومن بعد) يعني: من قبل هذه الغلبة ومن بعدها، وقيل: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء. فأخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته (ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله) يعني: في غزوة بدر، لأنه تعالى سمى ما حصل بين الروم والغرس بالغلبة وأما النصر فلا يكون إلا للمؤمنين (ينصر من يشاء) يعني: من أوليائه، لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه، فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره، وإنما هو ابتلاء ويسمى غلبة وقد يسمى ظفرا (وهو العزيز) في نقمته (الرحيم) لأهل طاعته، فجمع في أسمائه بين الترهيب والترغيب. وقيل: ذكر من أسمائه هذين الاسمين لأنه إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك لعزته وعدم افتقاره، وإن نصر المحب فذلك لرحمته عليه. وقيل: إن نصر الله المحب فلعزته واستغنائه عن العدو ورحمته على المحب، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ورحمته في الآخرة واصلة إليه.

2191

(6) و (7) قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون). فيه تربية على أنه تعالى لا يخلف وعده وكذلك لا يخلف وعيده لأن ذلك عليه محال. وفيه تربية على أن غير المؤمنين لا يعلمون إلا القشور من علوم الدنيا وهم بعلوم الآخرة جاهلون تماما. فقوله تعالى: (وعد الله) يعني: في غلبة الروم على الفرس، وفي نصر المؤمنين على الكافرين في غزوة بدر (لا يخلف الله وعده) يعني: وعد الله لا خلف فيه (ولكن أكثرهم لا يعلمون) يعني: لا يعلمون وعده وأنه لا خلف في وعده. (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) يعني: علمهم منحصر في الدنيا، وأيضا لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها (وهم عن الآخرة هم غافلون) يعني: هم عن الآخرة غافلون، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة.

2192

الآية 8

(8) قوله تعالى: (أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون). لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة غفلة الكافرين عن أمور الدنيا والآخرة بين في هذه الآية غفلتهم عن أهم أمر في الدنيا والآخرة وهو أمر توحيد الله والمعاد إليه يوم القيامة. فقوله تعالى: (أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق) يعني: لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم فقط وإنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم حتى يعلموا أن الله لم يخلق السماوات وغيرها إلا بالحق (وأجل مسمى) يعني: ينتهون إليه وهو يوم القيامة، وقيل: هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوق أجلا، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) يعني: بالبعث بعد الموت، واللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بالبعث بعد الموت.

2193

الآيات 9-10

(9) و (10) قوله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال السير في الأرض والنظر في مصارع الأمم السابقة وآثارهم، وعدم الاغترار بالتقدم المادي والعمراني فإنه لا يغني عن الناس شيئا إن لم يؤمنوا بالله والمعاد إليه لأنه إلى فناء والإيمان إلى بقاء. فقوله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا) يعني: ببصائرهم وقلوبهم (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض) يعني: قلبوها للزراعة (وعمروها أكثر مما عمروها) يعني: وعمروها أولئك أكثر مما عمروها هؤلاء فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدتهم (وجاءتهم رسلهم بالبينات) يعني: بالمعجزات، وقيل: بالأحكام البينات في الحق والباطل والحلال والحرام، فكفروا ولم يؤمنوا (فما كان الله ليظلمهم) بأن يهلكهم بغير ذنب ولا رسل ولا حجة، وقيل: لا حاجة له في ظلمهم لأنه الله (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) يعني: بالشرك والعصيان. (ثم كان عاقبة الذين أساءوا) يعني: فعلوا القبيح وهو الشرك (السوء) يعني: النار (أن كذبوا بآيات الله) يعني: لأن كذبوا بالآيات الكونية والآيات القرآنية (وكانوا بها يستهزئون).

2194

الآيات 11-13

(11) و (12) و (13) قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون. ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون. ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين). فيه تربية على الربط بين الخلق والإعادة فالإيمان بالله على أنه الخالق يستوجب الإيمان بالبعث والمعاد إلى الله. وفيه بيان لحال الكافرين يوم القيامة حيث ينتقلون إلى اليأس من رحمة الله والإحباط بعبادة غيره معه أو من دونه، والغاية من بيان هذا المشهد قبل حصوله هو الدعوة إلى اجتنابه في الدنيا بالبعد عن موجباته. فقوله تعالى: (الله يبدأ الخلق) يعني: في الدنيا (ثم يعيده) يعني: في الآخرة (ثم إليه ترجعون) يعني: يوم القيامة. (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) يعني: يسكتون وتنقطع حجتهم ولم يؤمل أن يكون له حجة، وقيل: يتحيرون. (ولم يكن لهم من شركائهم) يعني: ما عبدوه من دون الله (شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين) يعني: يقولون ليسوا بآلهة ويتبرؤون منها وتتبرأ منهم.

2195