التفسير التربوي لسورة الروم
قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية، قال ابن عطية وغيره: بلا خلاف. وقال الزمخشري: إلا قوله: (فسبحان الله حين تصبحون). وسبب نزولها أن كسرى بعث جيشا إلى الروم، وأمّر عليهم رجلا، واختلف النقلة في اسمه؛ فسار إليهم بأهل فارس، وظفر وقتل وخرّب وقطع زيتونهم، وكان التقاؤهم بأذرعات وبصرى، وكان قد بعث قيصر رجلا أميرا على الروم. وقال مجاهد: التقت بالجزيرة. وقال السدي: بأرض الأردن وفلسطين. فشق ذلك على المسلمين لكونهم مع الروم أهل الكتاب، وفرح بذلك المشركون لكونهم مع المجوس ليسوا بأهل كتاب. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم (سيغلبون في بضع سنين). ونزلت أوائل الروم. فصاح أبو بكر بها في نواحي مكة: (الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين). فقال ناس من مشركي قريش: زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ فقال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان. فاتفقوا أن جعلوا ثلاث سنين وثلاث قلائص، وأخبر أبو بكر رسول الله بذلك فقال: (هلا احتطت؟ فارجع فزدهم في الأجل والرهان) فجعلوا القلائص مائة، والأجل تسعة أعوام. فظهرت الروم على فارس في السنة السابعة. وكان ممن راهن أبيّ بن خلف، فلما أراد أبو بكر الهجرة، طلب منه كفيلا، فكفل به ابنه عبد الرحمن.. وظهر الروم على فارس يوم الحديبية. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين. فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (تصدق به). ولما غلبت الروم فارس، وجاء الخبر، فرح المسلمون. وكان ذلك من الآيات البينات الشاهدة بصحة النبوة، وأن القرآن من عند الله، لأنها إيتاء من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معينة. ذلك حين غلبت فارس على الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب. وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم النصرانية، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان. ومن ثم نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين. ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد، ولا في حدود ذلك الحادث، إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت، وليصلهم بالكون كله، وليربط بين سنة الله في نصر العقيدة السماوية والحق الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما، وليصل بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، ثم يستطرد بها إلى الحياة الأخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وإلى العالم الآخر بعد عالم الأرض المحدود، ثم يطوف بهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس، وفي أحوال البشر، وفي عجائب الفطر، فإذا هم في ذلك المحيط الهائل الضخم الرحيب يطلعون على آفاق من المعرفة ترفع حياتهم وتطلقها، وتوسع آمادها وأهدافها، وتخرجهم من تلك العزلة الضيقة، عزلة المكان والزمان والحادث، إلى فسحة الكون كله: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى نواميس الكون وسننه وروابطه. ومن ثم يرتفع تصورهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير، ويشعرون بضخامة النواميس التي تحكم هذا الكون وتحكم فطرة البشر، ودقة السنن التي تصرف حياة الناس وأحداث الحياة، وتحدد مواضع النصر ومواضع الهزيمة، وعدالة الموازين التي تقدر بها أعمال الخلق، ويقوّم بها نشاطهم في هذه الأرض، ويلقون على أساسها الجزاء في الدنيا والآخرة. وفي ظل ذلك التصور المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها، ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى، وفطرة النفس البشرية وأطوارها، وماضي هذه البشرية ومستقبلها، لا على هذه الأرض وحدها، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط. وكذلك يرتبط قلب المسلم بتلك الآفاق والآماد، ويتكيف على ضوئها شعوره وتصوره للحياة والقيم، ويتطلع إلى السماء والآخرة، ويتلفت حواليه على العجائب والأسرار، وخلفه وقدامه على الحوادث والمصائر، ويدرك موقفه هو وموقف أمته في ذلك الخضم الهائل، ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب الله، فيؤدي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام. ويمضي سياق السورة في عرض تلك الارتباطات، وتحقيق دلالاتها في نظام الكون، وتثبيت مدلولاتها في القلوب».