التفسير التربويالجزء 1 · ص 2196 - 2204

الآيات 14-16

الآيات 14-16

(14) و (15) و (16) قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون). فيه بيان أن موضوع هذا الكتاب هو الدنيا والآخرة، وأن محور الدنيا يقوم على الابتلاء حيث المؤمنون والكافرون، وأن محور الآخرة هو الحساب حيث الجنة للمؤمنين والنار للكافرين. فقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) يعني: المؤمنين من الكافرين. (فأما الذين آمنوا) يعني: صدقوا بالله والرسول واليوم الآخر (فهم في روضة يحبرون) والروضة: البستان في المكان المرتفع، والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه (يحبرون) يعني: يسرون، وقيل: يكرمون، والحبرة عند العرب: السرور والفرح. (وأما الذين كفروا) بعبادة الله (وكذبوا بآياتنا) القرآنية والكونية (ولقاء الآخرة) يعني: البعث (فأولئك في العذاب محضرون) يعني: مقيمون، وقيل: مجموعون، وقيل: نازلون.

2196

الآيات 17-18

قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: 17-18)

(17) و (18) قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون). في هاتين الآيتين إشارة إلى الصلوات الخمس المفروضة على وجه التقريب من حيث الزمن وذلك قبل أن تفرض الصلاة في الإسراء والمعراج بعد عشرة أعوام من البعثة، وفي ذلك تهيئة للقيام بأمر الفريضة حين تفرض. فقوله تعالى: (فسبحان الله) الآيتان، هذا خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن عباس: الصلوات الخمس في القرآن، قيل له: أين؟ فقال: قال الله تعالى (فسبحان الله حين تمسون) صلاة المغرب والعشاء (وحين تصبحون) صلاة الفجر (وعشيا) العصر (وحين تظهرون) الظهر. وقيل: المعنى: سبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون، واحمدوه عشيا وحين تظهرون. والتسبيح: التعظيم والتنزيه والتقديس. والحمد يكون على النعم والآلاء. قال الماوردي: خص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلبا في أحوال توجب حمد الله تعالى عليها، وفي الليل خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها، فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل.

2197

(19ـ 24) قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). وفي هذه الآيات القرآنية مجموعة من الآيات الكونية يذكرها الله تعالى لنا من أجل أمرين، الأول: الدعوة إلى الإيمان من خلال النظر في هذه الآيات، والثاني: الدعوة إلى الشكر من خلال الطاعة على هذه الآيات الكونية لأنها نعم أنعم الله بها على الناس وخلقها وسخرها لخدمة الإنسان. فإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي آية كونية ونعمة بشرية. وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر آية ونعمة. وخلق الإنسان من التراب آية ونعمة وإعجاز يتطابق مع أحدث ما توصلت إليه المخابر حيث ثبت أن جسم الإنسان يحتوي على العناصر نفسها الموجودة في التراب وبنسب متقاربة. ونظام الزوجية في عالم الإنسان آية ونعمة وإعجاز لأن الذي توصلت إليه العلوم هو أن نظام الزوجية نظام مطرد في عالم الإنسان والحيوان والجماد. وخلق السماوات والأرض آية ونعمة. واختلاف الألسنة والألوان آية ونعمة. وظاهرة النوم آية ونعمة وإعجاز لا يزال مستغلق السر إلى الآن. وظاهرة البرق آية ونعمة وإعجاز توصلت إليه العلوم الحديثة والتي جزمت أنه لولا البرق لانعدمت الحياة، وذلك أن الحياة كلها تقوم في أحد جوانبها على الآزوت الموجود في التربة، وهذا الآزوت لا بد أن ينفذ من خلال حياة النبات ومنه حياة الحيوان والإنسان، ولكن البرق يقوم بتركيب أكاسيد الآزوت في الهواء من الأوكسجين والآزوت الموجودين في الهواء، ويأتي المطر لحمل هذه الأكاسيد ودفنها في التربة الأرضية واستمرار الحياة فيها وبها. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((ومن تلك الجولة في مشاهد القيامة في العالم الآخر يعود بهم إلى هذا العالم، وإلى مشاهد الكون والحياة، وإلى عجائب الخلق وأسرار النفس، وإلى خوارق الأحداث ومعجزات التكوين. ويبدأ هذه الجولة بتسبيح الله حين تقلب الليل والنهار وحمد الله في الكون العريض بالعشي والأظهار.. إنها جولة ضخمة هائلة لطيفة عميقة، بعيدة الآماد والأغوار. جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح، والسماوات والأرض، والعشي والأظهار، وتفتح هذا القلب لتدبر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور. وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى، وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع، وقوى وطاقات، وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط، وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات. وتوجهه إلى آيات الله في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقا لاختلاف البيئة والمكان. وإلى تدبر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد. وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر، وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع ، وفي بنية الأرض من حياة وازدهار.. (يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون) تلك العملية الدائبة التي لا تكف ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان على سطح الأرض، وفي أجواز الفضاء، وفي أعماق البحار، ففي كل لحظة يتم هذا التحول، بل هذه المعجزة الخارقة التي لا ننتبه إليها لطول الألفة والتكرار، في كل لحظة يخرج حي من ميت ويخرج ميت من حي، وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة، وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام، ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات، ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذى به التربة وتستعد للإخصاب، وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين إنسان أو حيوان أو طائر، والجثة التي ترمى في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات هي مادة جديدة للحياة وغذاء جديد للنبات فالحيوان والإنسان! ومثل هذا يتم في أغوار البحار وفي أجواز الفضاء على السواء. إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لمن يتأملها بالحس الواعي والقلب البصير، ويراها على هدى القرآن ونوره المستمد من نور الله (وكذلك تخرجون) فالأمر عادي واقعي لا غرابة فيه وليس بدعا مما يشهده الكون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في كل مكان!. (ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) والتراب ميت ساكن، ومنه نشأ الإنسان. وفي موضع آخر في القرآن جاء: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) فالطين هو الأصل البعيد للإنسان، ولكن هنا يذكر هذا الأصل ويعقبه مباشرة بصورة البشر منتشرين متحركين للمقابلة في المشهد والمعنى بين التراب الميت الساكن والبشر الحي المتحرك، وذلك بعد قوله: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) تنسيقا للعرض على طريقة القرآن. وهذه المعجزة الخارقة آية من آيات القدرة، وإيحاء كذلك بالصلة الوثيقة بين البشر وهذه الأرض التي يعيشون عليها، والتي يلتقون بها في أصل تكوينهم، وفي النواميس التي تحكمها وتحكمهم في نطاق الوجود الكبير. والنقلة الضخمة من صورة التراب الساكن الزهيد إلى صورة الإنسان المتحرك الجليل القدر، نقلة تثير التأمل في صنع الله، وتستجيش الضمير للحمد والتسبيح لله، وتحرك القلب لتمجيد الصانع المتفضل الكريم. ومن مجال الخلقة الأولى لنوع البشر ينتقل إلى مجال الحياة المشتركة بين جنسي البشر: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين، وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة، ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجا، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارا للحياة والمعاش، وأنسا للأرواح والضمائر، واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء. والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويرا موحيا، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: (لتسكنوا إليها)، (وجعل بينكم مودة ورحمة)، (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقا للآخر، ملبياً لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية، بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء، والمودة والرحمة، لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد. (ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين) وآية خلق السماوات والأرض كثيرا ما يشار إليها في القرآن، وكثيرا ما نمر عليها سراعا دون أن نتوقف أمامها طويلا. ولكنها جديرة بطول الوقوف والتدبر العميق. إن خلق السماوات والأرض معناه إنشاء هذا الخلق الهائل الضخم العظيم الدقيق، الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل، هذا الحشد الذي لا يحصى من الأفلاك والمدارات والنجوم والكواكب والسدم والمجرات، تلك التي لا تزيد أرضنا الصغيرة عن أن تكون ذرة تائهة بينها تكاد أن تكون لا وزن لها ولا ظل! ومع الضخامة الهائلة ذلك التناسق العجيب بين الأفلاك والمدارات والدورات والحركات، وما بينهما من مسافات وأبعاد تحفظها من التصادم والخلل والتخلف والاضطراب، وتجعل كل شيء في أمرها بمقدار. ذلك كله من ناحية الحجم العام والنظام، فأما أسرار هذه الخلائق الهائلة وطبائعها وما يستكن فيها وما يظهر عليها، والنواميس الكبرى التي تحفظها وتحكمها وتصرفها، فهذا كله أعظم من أن يلم به الإنسان، وما عرف عنه إلا أقل من القليل، ودراسة هذا الكوكب الصغير الضئيل الذي نعيش على سطحه لم يتم منها حتى اليوم إلا القليل! هذه لمحة خاطفة عن آية خلق السماوات والأرض التي نمر عليها سراعا، بينما نتحدث طويلا، وطويلاً جدا، عن جهاز صغير يركبه علماء الإنسان، ويحتفظون فيه بالتناسق بين أجزائه المختلفة لتعمل كلها في حركة منتظمة دون تصادم ولا خلل فترة من الزمان! ثم يستطيع بعض التائهين الضالين المنحرفين أن يزعم أن هذا الكون الهائل المنظم الدقيق العجيب وجد واستمر بدون خالق مدبر، ويجد من يستطيع أن يسمع لهذا الهراء! من العلماء!. ومع آية السماوات والأرض عجيبة اختلاف الألسنة والألوان بين بني الإنسان، ولا بد أنها ذات علاقة بخلق السماوات والأرض. فاختلاف الأجواء على سطح الأرض واختلاف البيئات ذلك الاختلاف الناشئ من طبيعة وضع الأرض الفلكي ذو علاقة باختلاف الألسنة والألوان، مع اتحاد الأصل والنشأة في بني الإنسان. وعلماء هذا الزمان يرون اختلاف اللغات والألوان، ثم يمرون عليه دون أن يروا فيه يد الله، وآياته في خلق السماوات والأرض، وقد يدرسون هذه الظاهرة دراسة موضوعية ولكنهم لا يقفون ليمجدوا الخالق المدبر للظواهر والبواطن، ذلك أن أكثر الناس لا يعلمون (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا). وآية خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان لا يراها إلا الذين يعلمون: (إن في ذلك لآيات للعالمين). (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) وهذه آية كذلك تجمع بين ظواهر كونية وما يتعلق بها من أحوال البشرية، وتربط بين هذه وتلك، وتنسق بينهما في صلب هذا الوجود الكبير. تجمع بين ظاهرتي الليل والنهار ونوم البشر ونشاطهم ابتغاء رزق الله، الذي يتفضل به على العباد، بعد أن يبذلوا نشاطهم في الكد والابتغاء، وقد خلقهم الله متناسقين مع الكون الذي يعيشون فيه، وجعل حاجتهم إلى النشاط والعمل يلبيها الضوء والنهار، وحاجتهم إلى النوم والراحة يلبيها الليل والظلام، مثلهم مثل جميع الأحياء على ظهر هذا الكوكب على نسب متفاوتة في هذا ودرجات، وكلها تجد في نظام الكون العام ما يلبي طبيعتها ويسمح لها بالحياة (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) والنوم والسعي سكون وحركة يدركان بالسمع، ومن ثم يتناسق هذا التعقيب في الآية القرآنية مع الآية الكونية التي تتحدث عنها على طريقة القرآن الكريم. (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا، وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) وظاهرة البرق ظاهرة ناشئة من النظام الكوني، ويعللها بعضهم بأنها تنشأ من انطلاق شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلا، ينشأ عنها تفريغ في الهواء يتمثل في الرعد الذي يعقب البرق، وفي الغالب يصاحب هذا وذلك تساقط المطر نتيجة لذلك التصادم، وأياً ما كان السبب فالبرق ظاهرة ناشئة عن نظام هذا الكون كما خلقه البارئ وقدره تقديرا. والقرآن الكريم حسب طبيعته لا يفصل كثيرا في ماهية الظواهر الكونية وعللها، إنما يتخذ منها أداة لوصل القلب البشري بالوجود وخالق الوجود، ومن ثم يقرر هنا أنها آية من آيات الله أن يريهم البرق (خوفا وطمعا) وهما الشعوران الفطريان اللذان يتعاوران النفس البشرية أمام تلك الظاهرة. شعور الخوف من الصواعق التي تحرق الناس والأشياء أحيانا عندما يبرق البرق، أو الخوف الغامض من رؤية البرق وما يوقعه في الحس من الشعور بالقوة المصرفة لهيكل هذا الكون الهائل، وشعور الطمع في الخير من وراء المطر الذي يصاحب البرق في معظم الأحوال، والذي عقب بذكره في الآية بعد ذكر البرق: (وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها) والتعبير بالحياة والموت بالقياس إلى الأرض تعبير يخيل أن الأرض كائن حيّ، يحيا ويموت. وإنها لكذلك في حقيقتها التي يصورها القرآن الكريم، فهذا الكون خليقة حية متعاطفة متجاوبة، مطيعة لربها خاضعة خاشعة، ملبية لأمره مسبحة عابدة. والإنسان الذي يدب على هذا الكوكب الأرضي واحد من خلائق الله هذه، يسير معها في موكب واحد متجه إلى الله رب العالمين. ذلك كله بالإضافة إلى أن الماء حين يصيب الأرض يبعث فيها الخصب فتنبت الزرع الحي النامي، وتموج صفحتها بالحياة المنبثقة في هذا النبات، ومن ثم في الحيوان والإنسان، والماء رسول الحياة فحيث كان تكون الحياة (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) فهنا للعقل مجال للتدبر والتفكير)).

2198

الآيات 25-27

(25) و (26) و (27) قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم). فيه تربية على الربط بين قيامه تعالى بأمر السماء والأرض وبين قدرته على البعث والإعادة، والاستدلال من قيامه تعالى بأمر الخلق بقدرته على إعادة الخلق. وفيه تربية على أن إعادة الخلق والبعث يوم القيامة أهون من الخلق الأول لأن الخلق الأول يكون من العدم. فقوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) يعني: قيامها واستمساكها بقدرته، وقيل: بتدبيره وحكمته، وقيل: (بأمره) بإذنه (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) يعني: الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم، والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث كما يجيب الداعي المطاع مدعوه، وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر. (وله من في السموات الأرض) يعني: خلقا وملكا وعبدا (كل له قانتون) يعني: مطيعون طاعة انقياد، وقيل: (قانتون) مقرون بالعبودية قولا وعملا. (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) أما بدء الخلق فالخلق من العدم، وقيل: بخلق الإنسان في بطن أمه، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته، استدلالا بالشاهد على الغائب (وهو أهون عليه) يعني: الإعادة هين عليه، فأهون بمعنى هين، لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء، والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه قولهم: الله أكبر، ومعناه الله الكبير (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) يعني: ما أراده عز وجل كان، وقيل: المثل الصفة، والمعنى: وله الوصف الأعلى في السماوات والأرض وهو أنه ليس كمثله شيء (وهو العزيز) الذي لا يغالب ولا يمانع (الحكيم) الذي يضع الأمور في مواضعها الصحيحة.

2199

الآية 28

(28) قوله تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون). فيه تربية على بطلان الشرك من خلال المثل، وهو أنه لا أحد من الناس يرضى بالمساواة بينه وبين عبده مساواة تامة، فكيف يرضى لله أن يسوي بينه وبين أحد من خلقه على جهة الإلهية والعبادة أو على جهة الربوبية والخلق أو على جهة النية والقصد أو على جهة العمل والتوجه. فقوله تعالى: (ضرب الله لكم مثلا) الآية، المعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء؟! فهذا مثل ضربه الله للمشركين. وقيل: نزلت هذه الآية في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وأما قوله: (من أنفسكم) ثم قال: (من شركاء) ثم قال: (من ما ملكت أيمانكم) فالأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. وقال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) يعني: من يقول بالشرك فقوله لا يتفق مع العقول السليمة والفطر المستقيمة.

2200

الآيات 29-30

(29) و (30) قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين. فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون). لما بين تعالى في الآية السابقة بطلان الشرك وعدم اتساقه مع العقل السليم بين في هذه الآيات أن الذين يقولون به لا يقولون ذلك من علم بل من اتباع للأهواء والظلم. وفيه تربية بالترهيب من عدم الهداية في الدنيا وانعدام النصرة في الآخرة لمن يقول بالشرك في الله. وفيه ترغيب بالإيمان باعتباره الدين الذي يتفق مع الفطرة وباعتباره الدين الذي يتفق مع خلق الله تعالى للناس، وأن الذين يختارون الكفر والشرك إنما يتناطحون مع صخرة الفطرة حيث يتحطمون عليها. فقوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك (فمن يهدي من أضل الله) يعني: لا هادي لمن أضله الله تعالى بعد أن اختار سبيل الضلال (وما لهم من ناصرين) يعني: في الآخرة. (فأقم وجهك للدين حنيفا) يعني: مائلا عن الشرك، وقيل: مستقيما على الإسلام، وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه (فطرة الله التي فطر الناس عليها) وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» (البخاري)، (لا تبديل لخلق الله) يعني: لا تبدلوا خلق الله، وقيل: هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق (ذلك الدين القيم) يعني: ذلك القضاء المستقيم، وقيل: دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يعني: لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه.

2201

الآيات 31-32

(31) و (32) قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون). وفي هاتين الآيتين تربية على الإنابة إلى الله، وعلى الخوف والخشية من الله، وعلى إقامة الصلاة، وعلى الوحدة في الدين والبعد عن الشقاق والخصومة والفرقة، وأن الفرقة والتشعب هي من دين الكافرين وليست من دين الله. فقوله تعالى: (منيبين إليه) يعني: راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، وقيل: منقطعين إليه بالطاعة (واتقوه) يعني: خافوه وامتثلوا ما أمركم به (وأقيموا الصلاة) يعني: بأوقاتها وأركانها وسننها وهيئاتها والجماعة فيها (ولا تكونوا من المشركين) يعني: أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص. (من الذين فرقوا دينهم) يعني: أهل الكتاب والأمم غير المسلمة (وكانوا شيعا) يعني: فرقا وأديانا (كل حزب بما لديهم فرحون) يعني: مسرورون معجبون لأنهم لم يتبينوا الحق.

2202

الآيات 34-37

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 34-37)

(33) و (34) و (35) قوله تعالى: (وإذ ا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون. ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون). فيه تربية على أن اللجوء إلى الله في وقت الرخاء أفضل وأصدق من اللجوء إلى إليه في وقت الشدة. وفيه بيان لحالة فئة من الناس متناقضة في إيمانها، فإذا مرت بشدة لجأت إلى الله، وإذا مرت برخاء عادت إلى شركها بالله. وفيه تهديد لهذه الفئة بالوعيد على الكفر والترهيب من العقوبة عليه. وفيه تربية على أن الشرك لا دليل عليه ولا برهان. فقوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر) يعني: قحط أو شدة (دعوا ربهم) أن يرفع ذلك عنهم (منيبين إليه) يعني: مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام هو التعجيب من أمر المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، فإذا مس هؤلاء الكفار ضر من مرض وشدة دعوا ربهم واستغاثوا به في كشف ما نزل بهم، مقبلين عليه وحده دون الأصنام لعلمهم بأنه لا فرج عندها. (ثم إذا أذاقهم منه رحمة) يعني: عافية أو نعمة (إذا فريق منهم بربهم يشركون) يعني: يشركون به في العبادة. (ليكفروا بما آتيناهم) قيل: هي لام كي، وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد (فتمتعوا) يعني: مكناهم من ذلك لكي يتمتعوا (فسوف تعلمون) تهديد ووعيد. (أم أنزلنا عليهم سلطانا) يعني: كتابا، وهذا استفهام فيه معنى الإنكار، والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة (فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) وهذا مجاز كما يقال إن كتابه لينطق بكذا. وفيه معنى لطيف وهو أن المتكلم من غير دليل كأنه لا كلام له، لأن الكلام هو المسموع وما لا يقبل فكأنه لم يسمع فكأن المتكلم لم يتكلم به، وما لا دليل عليه لا يقبل، فإذا جاز سلب الكلام عن المتكلم عند عدم الدليل جاز إثبات التكلم للدليل.

2203

(36) و (37) قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون. أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون). لما بين حال المشرك الظاهر شركه في الآيات السابقة، بين هنا حال المشرك الذي هو دونه والذي تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط، ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك، بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء، فمن الناس من يعبد الله في الشدة، ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة، والأول كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب، والثاني كالذي يخدم أجيرا لتوقع الأجر. وكلاهما لا يكونان من المؤمنين الذين لهم رزق عند ربهم. فقوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة) يعني: الخصب والسعة والعافية، وقيل: النعمة والمطر، وقيل: الأمن والدعة (فرحوا بها) يعني: بالرحمة (وإن تصبهم سيئة) يعني: بلاء وعقوبة، وقيل: قحط المطر (بما قدمت أيديهم) يعني: بما عملوا من المعاصي (إذا هم يقنطون) يعني: ييأسون من الرحمة والفرج، وقيل: إن القنوط ترك فرائض الله سبحانه وتعالى في السر. والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة، وأما المؤمن فيشكر ربه عند النعمة، ويرجوه عند الشدة. (أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) يعني: يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق، فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) والمؤمن لا يكون نظره إلى ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال، وإنما يكون عنده الفرح الدائم.

2204