التفسير التربويالجزء 1 · ص 2205 - 2212

الآية 38

الآية 38

(38) قوله تعالى: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون). لما بين الله تعالى في الآية السابقة أنه يبسط الرزق ويقدر، بين في هذه الآية أنه ما ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان والإنفاق وإعطاء الناس حقوقهم التي قررها الله علينا في أموالنا، فإنه تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق، وإذا قدر لا يزداد بالإمساك. فقوله تعالى: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أمر من وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني. والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو وأمته لأنه قال: (ذلك خير للذين يريدون وجه الله). وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه، وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم. (والمسكين) يعني: السائل المحتاج (وابن السبيل) يعني: الضيف، فجعل الضيافة فرضا (ذلك خير الذين يريدون وجه الله) يعني: إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه (وأولئك هم المفلحون) يعني: الفائزون بمطلبهم من الثواب في الآخرة.

2205

الآية 39

(39) قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون). فيه تفضيل للزكاة على الربا الحلال، وذلك أن الزكاة إنفاق من دون عوض في الدنيا بل العوض في الآخرة وهو قابل للتضعيف أضعافا لا يعلمها إلا الله، وأما الربا الحلال الذي ذكرته هذه الآية فهو أنه كان من العادات عند العرب أن يقرض الرجل الآخر قرضا حسنا لا شرط فيه للزيادة ولكن جرت العادة بأن يرده الآخر مع الزيادة عليه، أو أن يقوم الرجل بإعطاء الآخر شيئا على سبيل الهدية وقد جرت العادة برد الهدية بهدية أكبر منها. فقوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله) قيل: لما ذكر ما يراد به وجهه ويثبت عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضا وجهه. والربا الزيادة، وهو هنا الربا الحلال، وهو الذي يهدي الآخر ويلتمس ما هو أفضل منه، قال الضحاك: هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وقال ابن عباس: (وما آتيتم من ربا) يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. وقيل: هذه الآية نزلت في هبة الثواب. (وما آتيتم من زكاة) يعني: صدقة (تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) يعني: ذلك الذي يقبله ويضاعفه له.

2206

الآية 40

(40) قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون). في تربية على أن الإله يجب أن يتصف بالقدرة على الخلق وإعادة الخلق، والإحياء والإماتة، والرزق والمنع، ولما كان ما يعبد من دون الله لا يتصف بذلك فإنه ليس إلها ولا يجوز وصفه بالإلهية. فقوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) احتجاج على المشركين وأنه تعالى الخالق الرازق المميت المحيي (هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء) استفهام على جهة الإنكار والنفي، ومعناه: ما أحد من شركائكم يفعل ذلك. ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد بقوله: (سبحانه وتعالى عما يشركون) وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم.

2207

الآية 41

(41) قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون). فيه تربية على أن الشرك يورث الفساد، وأن ظهور الفساد وانتشاره مرهون بظهور الشرك وانتشاره، وهذه القاعدة القرآنية هي لمن يريد أن يحارب الفساد. وبالمقابل فإن الإيمان يورث الصلاح، وإن ظهور الصلاح وانتشاره مرهون بظهور الإيمان وانتشاره، وهذه القاعدة القرآنية لمن يريد الإصلاح في المجتمع. فقوله تعالى: (ظهر الفساد) يعني: العمل بالمعاصي، وقيل: الشرك، وقيل: القحط وقلة النبات وذهاب البركة (في البر البحر) يعني: في الحاضرة والبادية، وقيل: البر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس (بما كسبت أيدي الناس) يعني: أعمالهم (ليذيقهم بعض) يعني: عقاب بعض (الذين عملوا) من المعاصي (لعلهم يرجعون) يعني: لعلهم يتوبون إلى الله من أعمالهم.

2208

الآية 42

قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم: 42)

(42) قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال السير في الأرض والنظر بعين البصيرة في مصارع الأمم السابقة. وفي علاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إن الشرك يورث الفساد، وإن الفساد يورث الهلاك والدمار والعذاب بالاستئصال. فقوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) يعني: قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل (كان أكثرهم مشركين) يعني: كافرين فأهلكهم الله.

2209

الآيات 43-45

(43) و (44) و (45) قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصّدعون. من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون. ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين). لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أن خط الضلال يبدأ بالشرك ويمر بالفساد وينتهي بالدمار في الدنيا والنار في الآخرة، بين في هذه الآيات خط الهداية الذي يبدأ بالإيمان بالله ويمر بالعمل الصالح وينتهي بالنجاة من العقاب في الدنيا وبالنجاة من النار والفوز بالجنة في الآخرة. فقوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) يعني: أقم قصدك واجعل جهتك اتباع الدين القيم وهو الإسلام، وقيل: أوضح الحق وبالغ في الإعذار واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) يعني: لا يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه، والمراد يوم القيامة (يومئذ يصدعون) يعني: يتفرقون، فريق في الجنة وفريق في السعير. (من كفر فعليه كفره) يعني: عليه جزاء كفره (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهَدون) يعني: يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح. (ليجزي الذين آمنوا) يعني: من فضله (إنه لا يحب الكافرين).

2210

الآية 46

(46) قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر في آية الرياح والمطر وما في ذلك من الرزق بالرحمة، ومن خلال النظر في آية جريان الفلك في الماء وما في ذلك من الرزق بالفضل. وفيه دعوة إلى الشكر من خلال الطاعة لله تعالى الذي وهب هذه النعم للناس وسخر هذه الآيات الكونية لما فيه خدمتهم ومصلحتهم ومعاشهم. فقوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) يعني: ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه (وليذيقكم من رحمته) يعني: الغيث والخصب (ولتجري الفلك) يعني: في البحر عند هبوب الرياح (بأمره) لأن الرياح قد تهب ولا تكون مواتية، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره (ولتبتغوا من فضله) يعني: الرزق بالتجارة (ولعلكم تشكرون) على هذه النعم بالتوحيد والطاعة.

2211

الآية 47

(47) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر بعين البصيرة في مآل دعوة الرسل والأنبياء حيث انتهت بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين، وهذه سنة الله في الدعوات إليه. فقوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات) يعني: المعجزات والحجج النيرات (فانتقمنا من الذين أجرموا) يعني: فكفروا فانتقمنا ممن كفر (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) يعني: في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما.

2212