الآية 249
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ (البقرة: 249)
(1) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر). لهذا الابتلاء بعدم الشرب من الماء رغم العطش الشديد مدلولات تربوية: (الأول) إعداد هذه الفئة المؤمنة لحمل الأمانة والقيام بأمر الرسالة، وخاصة أنها مقبلة على معركة لا فوز لهم فيها ما لم تتلق الإعداد الكافي لذلك. (والثاني) تعويد هذه الفئة على الصبر حين الشدائد، لأنّ الفوز دائما للفئة الصابرة والهزيمة دائما للفئة الخوارة الكرارة. (والثالث) التخلص من المنافقين وضعاف النفوس وضعاف الإرادة، لأنّ هذه الفئات إذا لم تسقط في الاختبارات المتكررة فإنها تكون عادة سببا في الهزيمة عند اللقاء.
(2) قوله تعالى: (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه). قال الإمام الرازي: ((يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِه) فلابد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه) فلا نوطن أنفسنا على القتل بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر)).
(3) قوله تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه). لهذا القول مدلولات تربوية: (أولها) إنّ النصر من عند الله وبإذن الله، فلا عبرة للقلة والكثرة في المعركة، فلا يُنصر المؤمنون بكثرة ولا يُهزم المؤمنون من قلة، وإنما يُنصرون حين يأذن الله بذلك، والله تعالى ينصر المؤمنين إذا استقاموا على دينه ومارسوا العبودية التامة له، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم) (محمد: 7). (وثانيها) لا قيمة لكثرة أو قلة في المعركة، وإنما القيمة لنوعية المقاتلين من حيث الإعداد العقائدي ومن حيث الإعداد القتالي، ومعنى ذلك أنّ قلة ذات نوعية قادرة على هزيمة كثرة لا نوعية لها. (وثالثها) إنّ للصبر دورا كبيرا وحاسما في الانتصار على الخصوم وكسب المعركة، لأنّ الله مع الصابرين بالمعونة والنصرة، وفي قوله تعالى: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين) ترغيب شديد في الصبر.