التفسير التربويالجزء 1 · ص 219 - 226

الآية 249

الآية 249

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ (البقرة: 249)

(1) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر). لهذا الابتلاء بعدم الشرب من الماء رغم العطش الشديد مدلولات تربوية: (الأول) إعداد هذه الفئة المؤمنة لحمل الأمانة والقيام بأمر الرسالة، وخاصة أنها مقبلة على معركة لا فوز لهم فيها ما لم تتلق الإعداد الكافي لذلك. (والثاني) تعويد هذه الفئة على الصبر حين الشدائد، لأنّ الفوز دائما للفئة الصابرة والهزيمة دائما للفئة الخوارة الكرارة. (والثالث) التخلص من المنافقين وضعاف النفوس وضعاف الإرادة، لأنّ هذه الفئات إذا لم تسقط في الاختبارات المتكررة فإنها تكون عادة سببا في الهزيمة عند اللقاء.

(2) قوله تعالى: (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه). قال الإمام الرازي: ((يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِه) فلابد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه) فلا نوطن أنفسنا على القتل بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر)).

(3) قوله تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه). لهذا القول مدلولات تربوية: (أولها) إنّ النصر من عند الله وبإذن الله، فلا عبرة للقلة والكثرة في المعركة، فلا يُنصر المؤمنون بكثرة ولا يُهزم المؤمنون من قلة، وإنما يُنصرون حين يأذن الله بذلك، والله تعالى ينصر المؤمنين إذا استقاموا على دينه ومارسوا العبودية التامة له، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم) (محمد: 7). (وثانيها) لا قيمة لكثرة أو قلة في المعركة، وإنما القيمة لنوعية المقاتلين من حيث الإعداد العقائدي ومن حيث الإعداد القتالي، ومعنى ذلك أنّ قلة ذات نوعية قادرة على هزيمة كثرة لا نوعية لها. (وثالثها) إنّ للصبر دورا كبيرا وحاسما في الانتصار على الخصوم وكسب المعركة، لأنّ الله مع الصابرين بالمعونة والنصرة، وفي قوله تعالى: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين) ترغيب شديد في الصبر.

219

الآيات 250-252

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ (البقرة: 250-252)

(1) قوله تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين). قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر نفرا، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ومدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبه» (مسلم). ومن خلال هذه الآية وهذا الحديث نلمح أمرين: (الأول) تربية المسلمين على وقت الدعاء بالنصر، وهو أن يكون الدعاء بعد البروز للقتال واصطفاف الجيوش، وهذا يعني الأخذ بالأسباب قبل الدعاء من استعداد للقتال وتجهيز الجيش والسعي للقاء العدو، وأما أن يجلس المسلمون في بيوتهم أو في مساجدهم ويدعون الله إن ينصرهم فإنّ ذلك مخالف للتربية الإسلامية. (والثاني) الحاجة للدعاء، فالمسلم لا يستغني عن دعاء الله وطلب المعونة والنصر منه وإن كان مستعدا للقتال، فالإعداد وحده لا يكفي مهما بلغ، بل لابد له من إعلان حاجته إلى الله والإقرار بعجزه وضعفه، لأنّ النصر من عند الله وبإذن الله.

(2) قوله تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) يدل على أنّ العمل الصالح يورث العز والكرامة، كما إنّ العمل الطالح يورث الذل والمهانة.

(3) قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْض). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد» (القرطبي). والمدلول التربوي لهذا الكلام هو ترغيب المؤمنين في قتال الكافرين لإزالة الفساد ونشر الصلاح بين الناس، ومن هنا شرع الله الجهاد وقتال الكافرين المحاربين.

(4) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين): ((اعلم أنّ الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة: (فأولها) أن يكون الإنسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة، وهذا هو الركن الأول للمحارب، فإنه إن كان جبانا لا يحصل منه مقصود أصلا. (وثانيها) أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير مُلجأ إلى الفرار. (وثالثها) أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر عدوه. إذا عرفت هذا نقول: المرتبة الأولى هي المراد من قوله: (أفرغ علينا صبرا)، والثانية هي المراد من قوله: (وثبّت أقدامنا)، والثالثة هي المراد من قوله: (وانصرنا على القوم الكافرين)).

220

الآية 253

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ (البقرة: 253)

(1) قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض ثابت بنص هذه الآية، وبقوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض) (الإسراء: 55)، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم» (أحمد)، وبحديث الإسراء حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله. وقد أشكل هذا المعنى مع الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يُقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها اليهودي فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد صلى الله عليه وسلم؟ فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على الأنبياء» وفي رواية «لا تفضلوا بين الأنبياء» (البخاري). والجواب على هذا الإشكال: إنّ التفضيل ثابت من حيث المعنى، وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاق اللفظ لا اعتقاد المعنى، لأنّ إطلاق اللفظ يؤدي إلى الجدال والخوض فيما لا ينبغي أن يذكر، كما إنّ إطلاق اللفظ يوهم النقصان في المفضول وخاصة في حال الجدال والمخاصمة حيث سيبحث كل من الطرفين عم نقائص وعيوب عند المفضول، فيقل احترام المؤمنين للأنبياء ويخرج المؤمنون عن الأدب اللائق بهم في الحديث عن الأنبياء. ولذلك نقول: إنّ التفضيل ثابت والخوض في منهي عنه شرعا، ويقال مثل ذلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم متساوون في الصحبة متفاوتون في الفضيلة، والخوض في التفضيل منهي عنه لأنه سيؤدي إلى قلة احترامهم وذكر نقائصهم، ويقال مثل ذلك في أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.

(2) قوله تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ). في هذه الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه من الإيذاء، وعزاء له عما يرى من الحسد والتكذيب من قومه، فالله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الرسل الذين كلمهم الله ورفعهم درجات وأيدهم بالمعجزات قد نالهم من قومهم مثل الذي ينالك من قومك، فلا تبتئس ولا تحزن، والقاعدة التربوية في ذلك أنّ المصيبة إذا عمت سهلت، وخصّ موسى وعيسى بالذكر لأنّ أممهم موجودون وحاضرون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف بقية الأنبياء.

221

الآية 254

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ (البقرة: 254)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم). هذا ترغيب في الإنفاق، سواء كان من الزكاة المفروضة أم من النفقات الواجبة أم من صدقة التطوع، وقد استعمل القرآن ثلاثة أساليب في الترغيب: (الأول) أسلوب النداء: يا أيها. (والثاني) خطاب المؤمنين بالصفة المحببة إلى قلوبهم، وهي الصفة التي تربطهم بالله وتربطهم مع بعضهم: الذين آمنوا. (والثالث) الإشارة إلى أنّ المال المطلوب الإنفاق منه هو من عطاء الله لهم: مما رزقناكم.

(2) قوله تعالى: (وَلا خُلَّة). تحذير من الصحبة السيئة وذلك بتبيان عدم نفعها للمؤمن يوم القيامة وانقطاعها هناك، بل وتحولها إلى عداوة لقوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين) (الزخرف: 67)، ومن خلال هذين النصين نضع يدنا على أسلوب من أساليب التربية القرآنية هو أسلوب التربية بالصحبة، فقد حذر الله تعالى في الآيتين السابقتين من الصحبة السيئة لأنها تؤدي بالمؤمن إلى الهلاك يوم القيامة، كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحبة السيئة فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنا» (الترمذي)، وقال أيضا: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (الترمذي). وقيل في الأمثال: ((الصاحب ساحب، وقيل: صاحب السوء كنافخ الكير إما أن يحرقك بدخانه أو أن يؤذيك بناره، ومن هنا واجب المربين في الحرص على الصاحب المؤمن والصاحب التقي لمن يربونهم كوسيلة في التربية، لأنّ صاحب السوء يجعل التربية الصالحة تذهب أدراج الرياح. وربط المؤمن بالصاحب التقي المؤمن يشمل صحبة البيت وصحبة المدرسة وصحبة المسجد وصحبة المجتمع وصحبة العمل وصحبة الحي، أي: الصحبة في جميع مجالات الحياة التي يعيشها الإنسان.

(3) قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون). قال عطاء بن دينار: «الحمد لله الذي قال: والكافرون هم الظالمون، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون» (الطبري)، وهذا يدل على تحرج الصحابة من الكفر وخوفهم مما يؤدي إليه، فقد كان أحدهم يخشى أن يعود في الكفر كما يخشى أن يُلقى في النار، ويدل أيضا على شكرهم لله على نعمه، فقوله تعالى: (والكافرون هم الظالمون) من نعم الله، لأنه لو قال: والظالمون هم الكافرون لهلك سائر الناس.

222

الآية 255

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ (البقرة: 255)

(1) ورد في السنة أحاديث صحاح ترغب في قراءة آية الكرسي مطلقا، وترغب في قراءتها مساء كل ليلة، وترغب في قراءتها بعد كل صلاة، وأنها أعظم آية في كتاب الله، وأنها تعدل ربع القرآن من حيث الأجر والثواب. (1) فعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا ثم قال: آية الكرسي، قال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده، إنّ لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» (مسلم). (2) وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة الشيطان الذي يسرق من تمر الصدقة، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قال أبو هريرة: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم، الآية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه صدقك وهو كذوب» (البخاري). (3) وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ دُبُر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (النسائي). (4) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته فقال: ((أي فلان، هل تزوجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: أوليس معك (قل هو الله أحد)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك (قل يا أيها الكافرون)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك (إذا زلزلت)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك (إذا جاء نصر الله)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن)) (أحمد).

(2) قوله تعالى: (القيّوم). معناه: القائم بتدبير كل شيء يرزقه ويكلؤه ويرعاه ويحفظه ويصرّفه من حال إلى حال، ولهذا المعنى أثر تربوي في نفوس المؤمنين بالله، فهم لم يُخلقوا هملا ولم يُتركوا سدى، وإنما العناية الإلهية قائمة وموجودة في كل صغيرة وكبيرة من حياة الإنسان، وهذا يورث الاطمئنان في نفس المؤمن وينشئ السكينة في داخله ويخلق الاستقرار في قوله وعمله ومعاشه وحياته، ويوجد الرضى بما يحصل له إيمانا بقضاء الله وقدره.

223

(3) قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). معناه: إنّ كل شيء ملك لله، فالإنسان المؤمن لا يملك نفسه لأنها ملك لله، وملكية المؤمن على سبيل الوكالة، والوكيل ليس في التصرف كالأصيل، ومن هذا المعنى نقول: لا يحق للإنسان قتل نفسه أي: الانتحار، لأنّ قتل الذات هو تعد على ملكية الله، ولذلك عاقب الله من يقتل نفسه أشد العقوبة فجعله يخلد في النار. والإنسان المؤمن لا يملك ماله لأنّ المال لله وهو موكل بتصريفه وفق قانون الله وتشريعه، فإنّ قصّر في الإنفاق حسب التشريع أو فرّط في الإنفاق مخالفا للقانون عوقب على ذلك يوم القيامة، وهذه الحقيقة، حقيقة ملكية الأشياء لله ــ ومنها الإنسان ــ كثيرا ما يغفل عنها المؤمنون فيقعون في الإشكالات والشكوك والصراعات الداخلية، كما يتساءل صاحب المال: لماذا أعطى فلانا؟ أو لماذا أمر الله بإعطاء فلان؟ ومن هنا وجوب تربية المسلمين على هذه الحقيقة وإفهامهم أنّ أي تصرف في النفس أو المال بخلاف التشريع الإسلامي هو تعد على الله، ويجب الحذر منه وعدم الوقوع فيه.

(4) قوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض). خاض كثير من المسلمين في تفسير الكرسي وغيره من آيات الصفات فوقعوا في التأويل أو التشبيه أو التعطيل، وكل ذلك لا يتفق مع الأدب الإيماني في التعامل مع كلام الله الوارد في القرآن، وأقول: إنّ من أدب المسلم مع الله ومع كتابه أن ينهج طريقة السلف الصالح في هذه الآية وغيرها من آيات الصفات وذلك بإمرارها كما هي من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، وهذا يقتضي إثبات الصفة وعدم الخوض في تفسيرها، كما قال ابن كثير في تفسيره: «وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه».

224

الآية 256

قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (البقرة: 256)

225

الآية 256

قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة: 256)

(1) هذا المبدأ يقرر قاعدة قرآنية في مجال التربية وهي إيجاد الانسجام بين باطن الإنسان وظاهره، لأنّ أي فصام بين باطن الإنسان وظاهره سيؤدي إلى إنسان مريض مصاب بالفصام بين الظاهر والباطن فهو مريض نفسيا وتربويا، ولذلك يرفض الإسلام الإكراه في الدين.

(2) والإكراه في الدين يتنافى مع مبدأ التكليف ومبدأ الاختيار والامتحان، وهذا المبدأ أساس في نظرة الإسلام للإنسان، فالله تعالى خلق الإنسان وبين له الحق من الباطل، وترك له الخيار كي يتحمل المسؤولية في الآخرة فيحاسب على أساس الاختيار، والإكراه في الدين يلغي نظرية الإسلام عن الحياة والإنسان.

(3) والإكراه في الدين يسلب الإنسان إنسانيته ويحطم مشاعره وأحاسيسه وإرادته، وهذا أيضا يتعارض مع نظرة الإسلام إلى الإنسان، ولذلك نجد أنّ الإسلام قد قرر حرية الاعتقاد ودعا إليها وجعلها الحق الأول للإنسان احتراما لإنسانيته واحتراما لمشاعره وأحاسيسه.

(4) جاء الإسلام كي يحول الإنسان من الكفر إلى الإيمان بالدعوة والإقناع، والإكراه في الدين سيحوّل الإنسان من الكفر إلى النفاق، ولذلك فهو يتعارض مع المبدأ الأساسي في الدعوة إلى الله، إذ لا فائدة ترجى من تحويل الكافرين إلى منافقين.

226