التفسير التربويالجزء 1 · ص 227 - 234

الآية 257

الآية 257

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (البقرة: 257)

(1) تضمنت هذه الآية الترغيب في الإيمان بقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، والترهيب من الكفر بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوت)، والترهيب الشديد من مصير الكفر يوم القيامة بقوله تعالى: (أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).

(2) قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا). الولي للشيء هو الذي يتعهد صلاحه واستقامة أمره ويتكفل بمصالحه، قال الإمام الرازي: «فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار»، وهذا التخصيص من الله تعالى للمؤمنين بولايته هو ترغيب للناس بالإيمان.

(3) قوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وقوله تعالى: (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات). لهذه الأقوال مدلولان تربويان: (الأول) شبّه الكفر بالظلمة لأنّ الظلمة تحجب الأبصار عن رؤية الأشياء وإدراك حقائقها، وكذا الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحتها، وهذا ترهيب وتحذير من الكفر، وشبّه الإيمان بالنور لأنّ النور يساعد الأبصار في رؤية الأشياء وإدراك حقائقها، وكذا الإيمان يساعد القلوب على إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحتها، وهذا ترغيب في الإيمان وتشجيع عليه. (والثاني) وحدّ النور لأنّ الحق واحد وجمع الظلمات لتعددها وتشعبها، والمدلول التربوي لهذا التوحيد للنور والحق هو أنه يجب على المؤمنين أن يكونوا شيئا واحدا وجسدا واحدا وأن لا يتفرقوا كما هو حال الكافرين أصحاب الظلمات، وهذا ترغيب في الوحدة الإسلامية وترهيب من الفرقة والاختلاف في الدين.

227

الآية 258

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ (البقرة: 258)

(1) صناعة التربية من أشرف الصناعات لأنّ موضوعها الإنسان، والإنسان هو أشرف المخلوقات وأكرمها على الله، والهدف من صناعة التربية هو بناء الإنسان، ومن هنا نقول: إنّ أهداف التربية الإسلامية سبعة وهي: التربية العقيدية الإيمانية، والتربية العقلية، والتربية الجسمية، والتربية النفسية، والتربية الاجتماعية، والتربية الجنسية، والتربية الأخلاقية. وهذا التقسيم للتفهيم والتعليم لأنّ الإنسان وحدة متكاملة، ومن هنا تتداخل هذه الأهداف حتى يصعب تمييزها عن بعضها في كثير من الحالات. وهذا النص يدخل في إطار التربية العقلية والتربية العقيدية، والوسيلة المتبعة فيه هي الحوار والنقاش والمناظرة.

(2) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّه). أسلوب الخطاب هنا هو التعجيب، والتعجيب أسلوب تربوي يحمل في طياته التنفير والترهيب من سلوك الفاعل المذكور. قال الإمام الطبري: ((وهذا تعجيب من الله جلّ ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من الذي حاجّ إبراهيم في ربه، ولذلك أدخلت (إلى) في قوله (ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم) وكذلك تفعل العرب إذا أرادت التعجيب من رجل في بعض ما أنكرت فعله، قالوا: ماذا ترى إلى هذا؟! والمعنى: هل رأيت مثل هذا أو كهذا؟!)). والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.

(3) ودلت هذه الآية على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة كوسيلة في دعوة الناس إلى الإسلام ونشر مبادئه، وذلك أنّ أسلوب المناظرة من أشد الأساليب تأثيرا في أفهام السامعين، كما دلت على تربية المسلمين بأسلوب الحوار ونقل محتوى المناظرات بين أتباع الحق وأتباع الباطل كي يتعرف المسلمون إلى الصحيح من الأقوال فيعملوا به، وإلى الباطل من الأقوال كي يبتعدوا عنه ويحذروا من اتباعه والعمل به.

(4) وفي هذه الآية تربية للمسلمين وتعريف لهم بالسلوك الواجب إزاء من يورد الشبهات على الإسلام والمسلمين، فمن واجب المسلمين أن يذكروا الجواب والحجة والدليل الذي يزيل هذه الشبهة من أذهان السامعين، وسكوت المسلم إزاء الشبهات مع قدرته على دحضها وإبطالها مخالف للإسلام، لأنّ الشبهة منكر وإزالة المنكر واجب على المسلم القادر. والدليل على ذلك هذه المناظرة، فإنّ إبراهيم لمّا استشهد على ربوبية الله بأنه هو المحيي والمميت (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت) أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قاصدا المعنى الحقيقي للإحياء وهو تحويل الميت إلى حي، قال نمروذ (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت) قاصدا المعنى المجازي للإحياء وهو إبقاء الحي على حياته، فدحض إبراهيم هذه الشبهة مستشهدا على ربوبية الله بأنه يأتي بالشمس من المشرق (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِب) وهذا الدليل لا مجاز فيه ولذلك (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر) أي: دُهش وانقطعت حجته.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين). قال ابن اسحق: «أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة» (الطبري)، وهذا ترهيب وتحذير من الظلم، ووعيد بأنّ مآل الظالمين هو الخزي في الدنيا أمام الناس بانقطاع الحجة، والخزي في الآخرة والعذاب يوم القيامة إذا لم يتوبوا من ظلمهم.

228

(6) قوله تعالى: (الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّه). لا يذكر القرآن اسم هذا الذي حاجّ إبراهيم، ولم يرد له اسم في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أحاديث أصحابه، وإنما ذكر التابعون من المفسرين كمجاهد وقتادة أنّ اسمه (نُمروذ)، والقرآن لم يذكر الاسم لأنّ ذكر الاسم لا أهمية له ولا يغير في العبرة، فلهذا الحوار عبرة ولا يزيد في العبرة ذكر الاسم، كما إنّ القرآن لا يذر التاريخ الذي جرت فيه هذه المناظرة وذلك ليؤكد أنّ إيراد المناظرة في القرآن الغاية منه العبرة التربوية التي يدعو إليها القرآن أو يرغب الناس على الاستفادة منها والتربي عليها.

229

الآية 259

قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (البقرة: 259)

(1) قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة). لا يذكر القرآن اسم هذا الذي مرّ على قرية كي يعلمنا أنّ الغاية من القصة هي العبرة التربوية، وهذه العبرة قائمة دون أن يذكر اسمه، قال الإمام الطبري: «ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح منه البيان على اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون عُزيرا وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم ذلك القائل، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت». قلت: ويقال مثل ذلك في اسم القرية التي مرّ عليها، وفي ذلك تعليم من الله لعباده أن يوردوا القصص لغاية العبرة من غير اهتمام بالأسماء والأزمان والأمكنة. وهذه الآية والتي قبلها والتي بعدها لهم موضوع واحد وهو حقيقة الحياة وحقيقة الموت، وسر الحياة وسر الموت، وقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة، بل وقدرته المطلقة على كل شيء. وقد سلك القرآن في هذه الآيات أسلوب القصة القصيرة لتقرير حقائق من العقيدة، كان من الممكن تقريرها بالأسلوب الكلامي التقريري، ولكن الله تعالى يعلمنا أسلوبا تربويا محببا إلى النفس البشرية وقريبا من أفهام الناس وأحاسيسهم ومشاعرهم وأكثر ثباتا في تقرير العبر، وهو أسلوب القصة، فعلى الدعاة والمربين عدم إهمال هذا الأسلوب في حياتهم بل عليهم الاستعانة به ما أمكن في تقرير حقائق العقيدة وأحكام الشريعة.

(2) قوله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه). لماذا مئة عام، مع أنّ الاستدلال على الإحياء والإماتة يمكن أن يصح بساعات أو أيام؟. قال الإمام الرازي: «لأنّ الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة، وأيضا فلأنّ بعد تراخي المدة ما يشاهد منه وما يشاهد هو من غيره أعجب». وهكذا يعلمنا الله أسلوبا في تقرير الحقائق قائما على اليقين الذي لا شك فيه وعلى التأكيد والتوكيد الذي لا مناص منه.

(3) قوله تعالى: (قَالَ كَمْ لَبِثْت) ثم قوله: (قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام). السؤال عن المدة ثم تقريرها أوطد في تقرير الحقائق من تقرير المدة دون السؤال عنها، وهذا أسلوب في التربية والتعليم قائم على حقيقة وهي: تنبيه العقول أولا ثم تلقينها الحقائق، وهذا أثبت في العقول وأشد توكيدا من التلقين من دون سؤال.

230

الآية 260

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (البقرة: 260)

(1) الأدب التربوي الذي يليق بكل مسلم، وخاصة المشتغلين بتفسير القرآن ، إزاء الآيات المتعلقة بأنبياء الله ورسله هو تفسير هذه الآيات تفسيرا يليق بمقام النبوة، وعدم الخوض في تفاسير فيها حطّ من كرامة الأنبياء أو اتهامهم في معتقدهم، ومثال ذلك ما قاله بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: إنّ إبراهيم شك في قدرة الله على إحياء الموتى فسأل الله أن يريه ذلك.

(2) والصحيح في تفسير هذه الآية، والذي يتفق مع ظاهر التنزيل، والذي عليه جمهور المفسرين: إنّ إبراهيم لم يكن شاكا في قدرة الله على إحياء الموتى لأنه سأل عن الكيفية فقال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْف)، ولأنه أراد المعاينة فقال: (رَبِّ أَرِنِي)، ولأنه حينما قيل له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى)، والسؤال عن الكيفية هو طلب للمعاينة، وذلك أنّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبر الله به، ويحدوها شوق عميق إلى معاينة ما أخبر الله عنه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» (الطبري)، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (البخاري)، فمعناه: أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه، ونحن لا نشك فإبراهيم أولى أن لا يشك، فهو مبني على نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام.

(3) وقد سمى اللهُ في هذه القصة إبراهيمَ ولم يسمّ عُزيرا في القصة التي قبلها ولا نمروذا في القصة التي قبل، وذلك أنّ إبراهيم كان متأدبا مع الله بخلاف ما كان عليه عزير ونمروذ، قال الرازي: ((إنه تعالى لم يسمّ عُزيرا حين قال: (أو كالذي مر على قرية) وسمى هنا إبراهيم مع أنّ المقصود من البحث في كلتا القصتين واحد، والسبب أنّ عُزيرا لم يحفظ الأدب، بل قال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها)، وإبراهيم حفظ الأدب، فإنه أثنى على الله أولا بقوله: (ربّ) ثم دعا حيث قال: (أرني) وأيضا: إنّ إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور، وعُزيرا لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه)). فدلّ ذلك على وجوب مراعاة آداب الخطاب مع الله تعالى، وإنّ إبراهيم لما فعل ذلك أعلى الله ذكره، فذكره باسمه، وتلك منزلة يتوق إليها كل مسلم.

231

الآية 261

قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ (البقرة: 261)

(1) تضمنت هذه الآية الترغيب والتحريض على الإنفاق في الجهاد، وذلك بأن جعل الله حسنة نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف كحد أدنى، والحد الأعلى لا يعلمه إلا الله، وهذا بخلاف الحسنة في سائر أعمال البر حيث جعلها الله بعشر أمثالها، وهذا يدل على شرف النفقة في الجهاد وقتال أعداء الإسلام، سواء كانت نفقة على النفس إذا كان صاحب النفقة يقاتل في سبيل الله، أم كانت نفقة على غيره من المقاتلين في سبيل الله.

(2) وقد استخدم القرآن هنا أسلوب ضرب المثل في التربية، فلم يقرر أجر النفقة في الجهاد تقريرا جافا بأن يقول: النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف، وإنما مثّل لذلك مثال الحبة والسنبلة، وهذا التمثيل أبلغ في النفوس وأكثر ثباتا في القلوب، لأنّ معناه: إنّ الله ينمي النفقة في الجهاد كما ينمي الزرع لمن بذره في أرض خصبة وطيبة.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء). ليس فيه بيان لكمية المضاعفة بل جعلها مبهمة وربطها بالمشيئة الإلهية ليدل على كثرتها، وهذا الأسلوب أشد ترغيبا وتحريضا على الإنفاق في سبيل الله من الأسلوب الآخر الذي يحدد هذا التضعيف ويعين ذلك الثواب. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ((لما نزلت هذه الآية: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ربّ زد أمتي، قال: فأنزل الله (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ربّ زد أمتي، قال: فأنزل الله (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)) (ابن حبان). فدلّ هذا الأثر على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وحرصه على مصالحهم، ودلّ أيضا على رحمة الله تعالى لهذه الأمة وعنايته بها ورعايته لها، ونلمح في هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه الترغيب الشديد على الإنفاق في سبيل الله وذلك من خلال الوعيد الأكيد والثواب العظيم لمن يفعل ذلك، وعظم النعمة يوجب الشكر للمنعم، وهذا الشكر يكون: (أولا) بالإقرار بالنعمة وبعظمة المنعم. (وثانيا) وبالمبادرة إلى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه والمسارعة في طاعة الله.

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) ترغيب على الإنفاق في سبيل الله، لأنّ من كان واسعا كان قادرا على مجازاة المنفق مهما عظمت النفقة، وقوله تعالى (عليم) أي: عليم بما ينوي المنفق من النفقة، أهي في سبيل الله أم هي من أجل الرياء والسمعة، وهذا ترغيب على إخلاص النية لله في هذه المسألة وغيرها.

232

الآية 262

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ (البقرة: 262)

(1) قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه). هذا هو الأدب الأول من آداب الإنفاق، وهو أن يكون الإنفاق خالصا لله يبتغي به المنفق مرضاة الله لا لهدف دنيوي وإنما لوجه الله الكريم، وإخلاص النية لله في كل عمل هو الأدب الأول في ذلك العمل، وهذا الكلام هو بمثابة قاعدة عامة في كل أعمال المسلم، سواء كانت أعمال فعل أم كانت أعمل ترك، وأصل هذه القاعدة في القرآن قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) (البينة: 5)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (البخاري)، وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إنّ الله لا يقبل عملا إلا إذا كان خالصا وصوابا»، ومعنى خالصا: أي لله، ومعنى صوابا: أي موافقا للشريعة.

(2) قوله تعالى: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذى). المنّ: هو التحدث بما أعطى، والأذى: هو التشكي من أنهم لم يقوموا بالواجب، وهو أعم من المنّ. وهذا هو الأدب الثاني من آداب الإنفاق، وهو أن لا يتبع الإنفاق منّا ولا أذى،وإنما حذر الله المنفق من المن والأذى لأنّ أيا منهما يُبطل الغاية من الإنفاق وهي تهذيب نفس المعطي وتزكيتها وتطهيرها، وترضية نفس الآخذ وتنديتها، وتوثيق صلة الأخوة بين الآخذ والمعطي، ولأنّ المنّ والأذى يبطل الغاية من الإنفاق فقد اعتبر الشارع المنّ من المعاصي الكبيرة، وقد وردت في ذلك أحاديث مضمونها الترهيب من المنّ والوعيد عليه يوم القيامة،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» ذكر منهم «المنان بما أعطى» (مسلم)، وقال أيضا: «لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاقّ لوالديه ولا منان» (النسائي).

(3) قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) ترغيب في الإنفاق وحضّ عليه ولكن بآدابه التي ذكرتها هذه الآية والتي ذكرتها آيات أخرى، وقد تضمن هذا الترغيب الوعد بالأجر الأكيد يوم القيامة (لهم أجرهم عند ربهم) والتطمين من أهوال يوم القيامة (ولا خوف عليهم) وذهاب الحزن مما قد يفوتهم من الحياة الدنيا وزهرتها وزينتها (ولا هم يحزنون). قال الإمام ابن كثير في تفسيره: ((فقال (لهم أجرهم عند ربهم) أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه (ولا خوف عليهم) أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة (ولا هم يحزنون) أي: على ما خلفوه من الأولاد ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها)).

233

الآية 263

قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيم﴾ (البقرة: 263)

(1) القول المعروف: هو رد السائل بقول حسن جميل وذلك في حال عدم إعطائه، والمغفرة: هي الستر على السائل وعدم ذكر مسألته، وإنما رجح القول المعروف والمغفرة على الصدقة مع المنّ والأذى لسببين: (الأول) لما كانت الغاية من الإنفاق هي تهذيب نفس المعطي وترضية نفس الآخذ والتأليف بين قلوب المعطي والآخذ، فإنّ القول المعروف والمغفرة يحققان هذه الغاية في حال عدم القدرة على الإنفاق، فهما يُنمان عن تهذيب المعطي ويؤديان إلى رضى الآخذ ولا يسببان التباعد بين القلوب. (والثاني) إنّ الإيذاء بعد الإعطاء يؤدي إلى بطلان ثواب الإعطاء، وربما لم يف الإيذاء بثواب الإعطاء، وأما القول المعروف والمغفرة ففيهما ثواب ولا عقاب عليهما لأنهما يوصلان السرور إلى قلب السائل.

(2) قوله تعالى: (والله غني حليم) معناه: مستغن عن صدقة عباده، وإنما أمرهم بها لتهذيب نفوسهم في الدنيا ولكي يثيبهم عليها في الآخرة، وهذا ترغيب في الإنفاق. (حليم) معناه: لا يعجل بالعقوبة على من يمنّ ويؤذي في صدقته.

234