التفسير التربوي لسورة الأحزاب
قال القرطبي في التفسير: ((سورة الأحزاب: مدنية في قول جميعهم. نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيه وفي مناكحته وغيرها. وهي ثلاث وسبعون آية. وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)، ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب. وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا، وأن آية الرجم رفع لفظها. قلت: هذا وجه من وجوه النسخ، وقد تقدم في (البقرة) القول فيه مستوفى والحمد لله)).
قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مدنية. وتقدم أن نداءه صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبي)، (يا أيها الرسول) هو على سبيل التشريف والتكرمة والتنويه بمحله وفضيلته. وجاء نداء غيره باسمه كقوله: (يا آدم)، (يا نوح)، (يا إبراهيم)، (يا موسى)، (يا داود)، (يا عيسى)، وحيث ذكره على سبيل الإخبار عنه بأنه رسوله صرح باسمه فقال: (محمد رسول الله)، (وما محمد إلا رسول) أعلم أنه رسوله، ولقنهم أن يسموه بذلك. وحيث لم يقصد الإعلام بذلك جاء اسمه كما جاء في النداء: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم)، (وقال الرسول يا رب) وغير ذلك من الآي)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة تتناول قطاعا حقيقيا من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويرا واقعيا مباشرا. وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ. والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبيا، ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزا محدودا، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير، أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره، ذلك كافتتاح السورة، وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة، والتعقيب على موقف المرجفين (يوم الأحزاب) التي سميت السورة باسمها. ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة، ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة، كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية وللنظام الإسلامي. والسورة تتولى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة، وبيان أصولها من العقيدة والتشريع، كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها، وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد. وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف. كما تعرض دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم. ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بمواقف الكافرين والمنافقين واليهود، وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة، سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة، أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية، ثم ما نشأ من الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية والتصورات الشعورية، وإقامتها على أساس ثابت يناسب تلك الآثار التي خلفتها الغزوات والغنائم في واقع الجماعة المسلمة. ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتساوق موضوعاتها المنوعة. وهذا وذلك إلى جانب وحدة الزمن التي تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة)).