التفسير التربويالجزء 1 · ص 2342 - 2349

الآية 9

الآية 9

(9) قوله تعالى: (والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور). فيه إثبات للبعث والإيجاد الثاني يوم القيامة من خلال ضرب المثل المنظور للناس، فالمطر يحيي الأرض وينبت النبات وكذلك البعث والنشور. وفي الحديث عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: أما مررت بوادي أهلك ممحلا؟ قال: بلى، قال: أما مررت به يهتز خضرا؟ قال: بلى، قال: ثم مررت به ممحلا؟ قال: بلى، قال: فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه)) (أحمد). فقوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا) يعني: الرياح تحرك السحاب (فسقناه إلى بلد ميت) يعني: من الجدب وقلة الخصب وانعدام المطر (فأحيينا به الأرض بعد موتها) يعني: بالنبات وهو الأساس في الحياة الحيوانية والإنسانية. قال المفسرون: فإن قيل: لم جاء (فتثير) على المضارعة دون ما قبلها (أرسل)؟ قلنا: لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح للسحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهم المخاطب أو غير ذلك، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كان من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: (فسقنا) (فأحيينا) معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه (كذلك النشور) يعني: كذلك تحيون بعدما متم، فنشر الأموات إحياؤهم.

2342

الآية 10

(10) قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور). فيه ربط بين العزة التي يمنحها الله للناس وبين العمل الصالح الذي يعمله الناس، فالطاعة تورث العزة والغنى في الدنيا والآخرة، والمعصية تورث الذلة والفاقة في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) يعني: من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها، لأن العزة إذا كانت تودي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله عز وجل. وقيل: من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزة والعزة له سبحانه فإن الله عز وجل يعزه في الآخرة والدنيا. وقيل: يحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق، فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (مسلم)، ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده (إليه يصعد الكلم الطيب) والصعود: هو الحركة إلى فوق، ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله، لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل (والعمل الصالح يرفعه) يعني: يرفعه الله إليه للثواب عليه، وقيل: يرفع مكانة صاحبه عند الله، وقيل: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وهذا تأكيد على أن العمل أبلغ من القول، قال العلماء: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة». وقوله: (والذين يمكرون السيئات) قيل: هم أصحاب الرياء يُخفون أعمالهم السيئة، وقيل: السيئات الشرك (لهم عذاب شديد) يعني: في الآخرة (ومكر أولئك هو يبور) يعني: يهلك ويبطل، يقال: بار يبور إذا هلك وبطل، وبارت السوق أي كسدت، ومنه قوله تعالى: (وكنتم قوما بورا) (الفتح: 12) أي هلكى. والمكر: ما عُمل على سبيل الاحتيال والخديعة.

2343

الآية 11

(11) قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير). فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في آيات الله الكونية في عالم الإنسان: كخلقه تعالى لآدم من التراب، وخلقه تعالى لسائر الناس من النطاف، ونظام الزوجية في عالم الإنسان، والتناسل بالحمل والوضع، والتعمير والتنكيس في حياة الإنسان، وكون كل ذلك على الله هين ويسير. فقوله تعالى (والله خلقكم من تراب) يعني: آدم عليه السلام (ثم من نطفة) يعني: بني آدم عليه السلام (ثم جعلكم أزواجا) يعني: زوج بعضكم بعضا، فالذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر، ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدتها (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) يعني: جعلكم أزواجا فيتزوج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شئ عن تدبيره (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) يعني: إلا كتب عمره، كم سنة هو، وكم شهرا هو، وكم يوما هو، وكم ساعة هو، ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله. وقيل: ما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره، فالهاء على هذا للمعمر. وقيل: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب، وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» (البخاري). وقوله: (إن ذلك على الله يسير) يعني: إحصاء طول الأعمار وقصرها لا يتعذر عليه شيء منها.

2344

الآية 12

(12) قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في آيات الله الكونية في عالم البحار: فالله تعالى خلق الماء العذب والماء المالح وجعل بينهما برزخا لا يختلطان، وباستطاعة الناس تناول الماء العذب وسط البحر المالح، ومن البحار يُستخرج اللحم الطري للطعام والحلية كاللؤلؤ والدر، والفلك تجري في البحر بقانون الكثافة والكتل الحجمية الذي أو دعه الله فيها، وجريان الفلك في البحار يكون سببا للرزق بالتجارة ونحوها. وفيه بيان أنه من الظلم المساواة بين الإيمان والكفر كما هو من الظلم المساواة بين الماء العذب والماء الأجاج. وفيه دعوة إلى الشكر لله بالطاعة باعتبار هذه الآيات هي نعم من الله تعالى أنعم بها على الناس وسخرها لخدمتهم. فقوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات) يعني: شديد العذوبة (سائغ شرابه) يعني: خفيف شرابه (وهذا ملح أجاج) يعني: شديد الملوحة، وقيل: المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح الأجاج (ومن كل تأكلون لحما طريا) لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع فاللحم الطري يوجد فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجري فيهما، ولا نفع في الكفر والكافر (وتستخرجون حلية تلبسونها) قيل: إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدر وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون، فهو مأخوذ منهما، لأن في البحر عيونا عذبة، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج (وترى الفلك فيه مواخر) يقال: مخرت السفينة إذا شقت الماء (لتبتغوا من فضله) يعني: التجارة في الفلك إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة، وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه (ولعلكم تشكرون) على ما آتاكم من فضله، وقيل: على ما أنجاكم من الهول.

2345

الآية 13

(13) قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير). فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في آيات الله الكونية في عالم الكون من حول الإنسان: كآية الليل والنهار، وآية الشمس والقمر، وكون هذه الآيات مسخرة لخدمة الإنسان. وفيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال التنبيه على كمال ملك الله. فقوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) يعني: يدخل أحدهما في الآخر والعكس، وينقص من طول أحدهما بزيادة الآخر والعكس (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) يعني: جريان الشمس والقمر وإن كان سببا في اختلاف الليل والنهار فإنه يكون بإرادة الله وإذنه (ذلكم الله ربكم له الملك) يعني: هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، فهو الذي يستحق العبادة دون الأصنام (والذين يدعون من دونه) يعني: الأصنام (ما يملكون من قطمير) يعني: لا يقدرون عليه ولا على خلقه، والقطمير القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، وقيل: هو شق النواة، وقيل: القطمير القمع الذي على رأس النواة، وقيل: هو النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة، والأول أصح.

2346

الآية 14

(14) قوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير). فيه بيان لبطلان عبادة ما يُعبد من دون الله وذلك لعدم اتصافهم بالصفات الواجبة بحق الله: فهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم، وهم لا يُجيبون من دعاهم، وهم لا يُثيبون من عبدهم، بينما الله تعالى: يسمع الدعاء، ويُجيب من يدعوه، ويُثيب من يعبده. فقوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) يعني: إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تسمع (ولو سمعوا ما استجابوا لكم) لأنه ليس كل يسمع ينطق، وقيل: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم، وقيل: لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) يعني: يجحدون عبادتكم لهم ويتبرؤون منكم، وقيل: يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، والمعنى: يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى بقوله: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (المائدة: 116) ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا بأن يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة (ولا ينبئك مثل خبير) وهو الله عز وجل، أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في خلقه.

2347

الآية 15

(15) قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد). فيه بيان لحاجة الناس إلى الله ومن ثم فهم بشر وناس، وفيه بيان لبطلان الحاجة على الله واستغنائه عن خلقه ومن ثم فهو إله ومعبود يستحق العبادة. وفيه بيان أن طاعة الناس لا تزيد في ملك الله وأن معصية الناس لا تنقص من ملك الله، وإنما الطاعة لفاعلها والمعصية على فاعلها. فقوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) يعني: المحتاجون إليه في كل أحوالكم، والإنسان فقير إلى الله لأن الفقر يتبع الضعف، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله: (وخلق الإنسان ضعيفا) (النساء: 28)، وقال: (الله الذي خلقكم من ضعف) (الروم: 54)، وقوله: (والله هو الغني) يعني: المستغني عن غيره (الحميد) يعني: النافع بغناه لخلقه، والمستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه.

2348

الآيات 16-17

(16) و (17) قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز). فيه تحذير للناس من الاستبدال في حال ترك الإيمان والإعراض عنه، فالله تعالى قادر على استئصال المعرضين عن عبادته والإتيان بغيرهم يؤمنون بالله ويعبدونه لأنه العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء. فقوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم) يعني: يفنيكم (ويأت بخلق جديد) يعني: أطوع منكم (وما ذلك على الله بعزيز) يعني: الاستبدال ليس ممتنعا عليه ولا عسيرا.

2349