التفسير التربويالجزء 1 · ص 2382 - 2389

الآية 45

الآية 45

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُون﴾ (يس: 45)

(45) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون). فيه تربية على أن الغاية من الرسالات هي تحصيل الرحمة الإلهية في الدنيا والآخرة، وفيه ربط صريح بين تقوى الله وحصول الرحمة لعباد الله. فقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) قيل: (ما بين أيديكم) من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم (وما خلفكم) من الآخرة. وقيل: (ما بين أيديكم) ما مضى من الذنوب (وما خلفكم) ما يأتي من الذنوب. وقيل: (ما بين أيديكم) ما مضى من أجلكم (وما خلفكم) ما بقي منه. وقيل: (ما بين أيديكم) من الدنيا (وما خلفكم) من عذاب الآخرة. وقيل: (ما بين أيديكم) من أمر الآخرة وما عملوا لها (وما خلفكم) من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. وقيل: (ما بين أيديكم) ما ظهر لكم (وما خلفكم) ما خفي عنكم. قال الرازي في التفسير: ((وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما عدد الآيات بقوله: (وآية لهم الأرض)، (وآية لهم الليل)، (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم)، وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع بما قال تعالى ولم تفدهم اليقين، قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب، فإن من أخبر بوقوع عذاب يتقيه، وإن لم يقطع بصدق قول المخبر احتياطا فقال تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يتعرفون به وإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط، ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى: (لعلكم ترحمون) بحرف التمني أي في ظنكم فإن من يخفى عليه وجه البرهان لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط)).

2382

الآية 46

(46) قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين). فيه تربية على أن تكذيب الرسالات وجحود الآيات هو ديدن وعادة، وأن من يجحد بآية يجحد بكل الآيات، ومن يؤمن بآية يؤمن بكل الآيات. وفيه تربية على وحدة الآيات الكونية في الدلالة على الله، فكل آية منها تدل على الله، وكل واحدة منها تدل على الأخرى وتصدقها. فقوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) يعني: ليس إعراضهم مقتصرا على ذلك بل هم على كل آية معرضون، وقيل: إذا قيل لهم اتقوا اقترحوا آيات مثل إنزال الملك وغيره، وقيل: لا ينفعهم الآيات من كذب بالبعض هان عليه التكذيب بالكل.

2383

الآية 47

(47) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين). فيه تربية على بطلان الجدال بالباطل كقول الكافرين هنا هروبا من الإنفاق على الفقراء: إن الله خلق الفقير فقيرا ويجب أن نبقيه كذلك لأن الله لو شاء أن يغنيه لأغناه. وهذا من الافتراء على الله، لأن الله تعالى منع الفقير ليبتلي به الغني، وأعطى الغني ليبتلي به الفقير، فالمنع والعطاء من الله لابتلاء الناس وليس محبة منه لأحد أو بغضا منه لآخر. فقوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله) يعني: تصدقوا على الفقراء. وقيل: هم اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقيل: هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم، استهزاء، فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا (قالوا الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم) يعني: أنرزق (من لو يشاء الله أطعمه) يعني: من لو يشاء الله أغناه. وهذا الاحتجاج باطل، لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه فيه حقا فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض (إن أنتم إلا في ضلال مبين) قيل: هو من قول الكفار للمؤمنين، أي في سؤال المال وفي اتباعكم محمدا. وقيل: هو من قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وقيل: من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجواب. وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم، قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء، فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوام يتزندقون ولا يؤمنون بالخالق فقالوا هذا القول استهزاء بالمؤمنين.

2384

الآية 48

(48) قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين). فيه تربية على الاشتغال بما ينفع، فالكافرون يسألون عن وقت القيامة، متى هو؟ والقرآن يجيبهم عن الكيفية التي تحصل بها القيامة سواء بمعنى الموت في الدنيا أو بمعنى البعث بعد الموت، لأن معرفة الوقت ليس فيه فائدة، وأما معرفة الكيفية ففيها عظة وعبرة قد تدفع سامعها إلى الإيمان وتجنب المصير السيئ يوم القيامة. فقوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد) يعني: لما قيل لهم: (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) قالوا: (متى هذا الوعد)، وكان هذا استهزاء منهم أيضا لأن المراد من السؤال نفي تحقق الوعيد.

2385

الآيات 49-50

(49) و (50) قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون). فيه بيان أن الأخذ في الدنيا يكون بسرعة تمنع المأخوذ من الوصية كما تمنعه من الرجعة إلى الدنيا من أجل العمل الصالح. وفيه تربية للناس على التزود لذلك اليوم بالوصية والعمل الصالح. فقوله تعالى: (ما ينظرون) يعني: ما ينتظرون (إلا صيحة واحدة) وهي نفخة إسرافيل (تأخذهم وهم يخصمون) يعني: يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم، وهذه نفخة الصعق. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها» (البخاري). (فلا يستطيعون توصية) يعني: لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا لما في يده من حق، وقيل: لا يستطيع أن يوصى بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم (ولا إلى أهلهم يرجعون) يعني: إذا ماتوا، وقيل: لا يرجعون إليهم قولا، وقيل: لا يرجعون إلى منازلهم لأنهم قد أعجلوا عن ذلك.

2386

الآيات 51-52

(51) و (52) قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون). فيه توصيف ليوم القيامة حتى لكأن القارئ للآيات أو السامع لها يرى تلك اللحظة بأم عينيه، فإذا كان النفخ في الصور خرج الناس من القبور إلى الله تعالى وهم يتساءلون عن صحة هذه اللحظة ووقوعها حتى لكأنهم في نوم يرون رؤيا ويتشككون هل هم في النوم أم في اليقظة؟ ولكن هناك من يؤكد لهم أنهم ليسوا في النوم بل في الصحو، وأن هذا وعد الرحمن ووعد الرسل عليهم السلام. فقوله تعالى: (ونفخ في الصور) هذه هي النفخة الثانية للنشأة، وقيل: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت. والصور هو بوق الأرواح (فإذا هم من الأجداث) يعني: القبور (إلى ربهم ينسلون) يعني: يخرجون. (قالوا يا ويلنا) يعني: يا حسرتنا، ويا هلاكنا (من بعثنا من مرقدنا) يعني: من نومنا لأن الموت كالنوم (هذا ما وعد الرحمن) قيل: هو من قول الملائكة (وصدق المرسلون) يعني: في الوعد بالقيامة والبعث.

2387

الآيات 53-54

(53) و (54) قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون). فيه تربية على أنه تعالى على كل شيء قدير، وما حشر الناس يوم القيامة إلا كلمة من الله أو صيحة من ملك كالنفخ في الصور. وفيه تربية على أنه ما من أحد لا يحاسب يوم القيامة، فكل واحد يحاسب بالعدل ما له وما عليه، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فقوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة) يعني: إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (فإذا هم جميع لدينا محضرون) يعني: مجموعون أحضروا موقف الحساب. (فاليوم لا تظلم نفس شيئا) يعني: لا تنقص من ثواب عمل (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) يعني: إلا بما كنتم تعملونه في الدنيا.

2388

الآيات 55-58

(55) و (56) و (57) و (58) قوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون. لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون. سلام قولا من رب رحيم). لما ذكر الله تعالى العدالة الإلهية يوم القيامة وأن الحساب على قاعدة الجزاء من جنس العمل، ذكر في هذه الآيات ما يحصل للمؤمنين يوم القيامة من النعيم في الجنة ترغيبا في الإيمان وحضا عليه، وقمة الترغيب هي أن يحصل للمؤمنين السلام من الله تعالى قولا، والرؤية له فعلا، وهذا من النعيم الذي لا يعدله نعيم، ومن الكرم الإلهي الذي لا يجاريه كرم. فقوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) يعني: إن أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، وقيل: في زيارة بعضهم بعضا، وقيل: في ضيافة الله تعالى، والفكاهة: المزاح والكلام الطيب، والفكه المتفكه: المتنعم، وقيل: (فاكهون) يعني: معجبون، يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. (هم وأزواجهم) يعني: نظراؤهم (في ظلال على الأرائك) يعني: على السرر في الحجال (متكئون) والاتكاء: شكل من أشكال الجلوس. (لهم فيها فاكهة) يعني: لهم في الجنة ما يشتهون من الفاكهة (ولهم ما يدعون) يعني: يطلبون، وقيل: يتمنون من الدعاء، وقيل: يشتهون، وقيل: يسألون. (سلام قولا من رب رحيم) يعني: ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا ما يتمناه أهل الجنة. قال القرطبي: ((وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: (سلام قولا من رب رحيم)، فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم). ذكره الثعلبي والقشيري، ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيناه في سورة يونس عند قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (يونس: 26)).

2389