التفسير التربويالجزء 1 · ص 2374 - 2381

الآيات 18-19

الآيات 18-19

(18) و (19) قوله تعالى: (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون). فيه بيان لأحد أساليب التكذيب عند الأمم وهي التشاؤم بما يحصل لهم من قلة الخصب والنوائب على أن ذلك بسبب الرسل الذين أرسلوا إليهم. وفيه بيان أن الباطل لا يقبل بالآخر ويعاقب على الخلاف في الرأي بالقتل والتعذيب كما هو حال الاستبداد في كل زمان ومكان. وفيه بيان لبطلان الطيرة، وأن السبب في قلة الخصب والنوائب هم المتطيرون أنفسهم، فقلة الخصب بسبب سرفهم في التكذيب والإيذاء، ومن السرف نسبة الرسالة إلى الطيرة. فقوله تعالى: (قالوا إنا تطيرنا بكم) يعني: تشاءمنا بكم، وقيل: حبس عنهم المطر فقالوا هذا بشؤمكم (لئن لم تنتهوا) يعني: عن دعوتنا وإنذارنا (لنرجمنكم) يعني: لنقتلنكم، وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل، وقيل: هو على بابه من الرجم بالحجارة، وقيل: لنشتمنكم (وليمسنكم منا عذاب اليم) قيل: هو القتل، وقيل: هو التعذيب المؤلم، وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. (قالوا) يعني: الرسل (طائركم معكم) يعني: شؤمكم معكم، أي حظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم وليس هو من شؤمنا (أئن ذكرتم) يعني: إن ذكرتم تطيرتم، وهو استفهام بمعنى الإنكار والجحد (بل أنتم قوم مسرفون) يعني: متجاوزون للحد في تطيركم، وقيل: مسرفون في كفركم، وقيل: السرف هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون.

2374

الآية 20

(20) قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين). فيه تربية على السعي لإحقاق الحق وقول كلمة الحق، وأن ذلك واجب في حق المؤمن. وفيه تربية على أن الرسالة للاتباع وليس لمجرد التصديق، وأن تصديق الرسالة لا يكفي ما لم يردفه اتباع لها، والاتباع هو الدليل العملي على التصديق. فقوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة) فيه دلالة على أن رسالة الرسل قد بلغت الأماكن البعيدة من المدينة (رجل) وفي تنكير الرجل مع أنه كان معروفا معلوما عند الله تعظيم لشأنه فهو رجل كامل في الرجولية، وهو مفيد لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا، وقيل: الرجل هو حبيب النجار (يسعى) يعني: يبذل جهده في المشي، وفيه تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين) يعني: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وقيل: جمع بقوله هذا بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه، فقوله: (اتبعوا) نصيحة، وقوله: (المرسلين) إظهار أنه آمن، فقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعيا في النصح، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل.

2375

الآيات 21-22

(21) و (22) قوله تعالى: (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون. ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون). فيه تربية على أنه من علامات صدق الداعية في دعوته إلى الله تعالى هو عدم طلب الأجر على الدعوة. وفيه ربط بين الخلق والعبادة، فالمستحق للعبادة هو الخالق دون سواه. وفيه ربط بين العمل والحساب، فإذا كانت عبادة الله تعالى واجبة على الناس فإنه من العدل الإلهي أن يكون هناك يوم آخر يُحاسب فيه الناس على عملهم، فيُثاب المطيع ويُعاقب العاصي. فقوله تعالى: (اتبعوا من لا يسألكم أجرا) يعني: الدليل على صدقهم في الرسالة هو أنهم لا يبتغون الأجر عليها أو المنفعة الدنيوية منها (وهم مهتدون) تأكيد لصدق الرسل من جانب ذلك الرجل. (وما لي لا أعبد الذي فطرني) قال المفسرون: قال له قومه أنت على دينهم؟! فقال: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) يعني: خلقني (واليه ترجعون) وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر.

2376

الآيات 23-25

(23) و (24) و (25) قوله تعالى: (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون). فيه تربية على أنه من صفات الله النفع والضر، وأن من لم يتصف بذلك فليس إلها ولا يستحق العبادة. وفيه تربية على أن إعلان الإيمان هو قوة للإيمان، وأنه من واجب المؤمن إعلان إيمانه في اللحظة التي يُسأل فيها عن نفسه: أهو مؤمن أو غير مؤمن؟ وخاصة في المواقف الدعوية أو المفاصلة على أساس الدين والعقيدة أو نصرة المؤمن لأخيه المؤمن. فقوله تعالى: (أأتخذ من دونه آلهة) يعني: أصناما (إن يردن الرحمن بضر) يعني: بمرض ونحوه (لا تغن عني شفاعتهم شيئا) يعني: لا تفيدني وساطتهم (ولا ينقذون) يعني: ولا يخلصوني مما أنا فيه من البلاء. (إني إذا) يعني إن فعلت ذلك (لفي ضلال مبين) يعني: خسران ظاهر. (إني آمنت بربكم فاسمعون) يعني: فاشهدوا وكونوا من الشاهدين لي بالإيمان.

2377

الآيات 26-27

(26) و (27) قوله تعالى: (قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). فيه ترغيب بالإيمان وبالثبات على امتحان الإيمان من خلال بيان مصير مؤمن أصحاب القرية. وفيه تربية على أن المؤمن لا يحقد ولا يعادي لمجرد العداء، وأنه يحب الإيمان للناس وإن آذاه الناس على الإيمان، وأن حب الإيمان للناس هو من علامات الإيمان، وقد ذكر العلماء في تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (البخاري)، فقالوا: لا يكمل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه في الإنسانية ما يحب لنفسه من الإيمان. فقوله تعالى: (قيل ادخل الجنة) قال المفسرون: إنه لما قال لقومه (إني آمنت بربكم فاسمعون) وثبوا عليه فقتلوه، ووطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة (قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني: تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته، وقيل: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله، وقال ابن عباس: نصح قومه حيا وميتا. قال القرطبي: «وفي هذه الآية تنبيه عظيم ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام، فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه».

2378

الآيات 28-30

(28) و (29) و (30) قوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون. يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون). فيه بيان لهوان الكافرين المكذبين المسرفين في القتل على الله تعالى، وأنهم لم يستحقوا منه أن يباشر عقوبتهم بنفسه وإنما كان هلاكهم بمجرد صيحة ملك من ملائكته. وفيه تحذير وترهيب من ديدن الأمم في تكذيب الرسل، وأن ذلك مما يستدعي الحسرة عليهم والشفقة لأمرهم. فقوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) يعني: أمر الله جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، والمعنى: لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر بل أهلكهم بصيحة واحدة، وفيه تصغير لأمرهم (فإذا هم خامدون) يعني: ميتون هامدون، تشبيها بالرماد الخامد. (يا حسرة على العباد) وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا، والمعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم بالرسل عليهم السلام، وقيل: إن الكفار حين يرون العذاب يقولون: يا حسرة على العباد، فيتحسرون على قتلهم، وترك الإيمان بهم، ويتمنون الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان. وقيل: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. ثم بين الله تعالى سبب الحسرة بقوله: (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) وهذا سبب الندامة، وذلك لأن من جاءه ملك من بادية، وأعرفه نفسه، وطلب منه أمرا هينا فكذبه ولم يجبه إلى ما دعاه، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابه.

2379

الآيات 31-32

(31) و (32) قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون. وإن كل لما جميع لدينا محضرون). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر في مصائر الأمم المكذبة للرسل، وأنهم عوقبوا بالدمار والاستئصال ولا رجعة لهم إلى الدنيا. وفيه دعوة إلى الإيمان من خلال البيان بأن جميع الناس صائرون إلى الله يوم القيامة حيث الحساب والثواب والعقاب. فقوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) يعني: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وهذه الآية رد على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت. (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه، بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة لهم.

2380

الآيات 33-44

قوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِين﴾ (يس: 33-44)

وفي هذا المقطع من السورة مجموعة من الآيات الكونية التي تدل كل واحدة منها على وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته وعلمه وبقائه، وهي أيضا نعم أنعم الله بها على الناس، فخلقها من أجلهم وسخرها لوجودهم واستمرارهم. وهذه الآيات هي: آية المطر والماء الذي يحول الأرض من الموت إلى الحياة، ولها دلالة كبيرة على إعادة الخلق والبعث يوم القيامة. وآية اعتماد الحياة الإنسانية على الحياة النباتية والحيوانية، وهي متصلة بحياة الأرض بعد موتها، فالمطر يحيي الأرض ويخرج منها النبات الذي به تكون حياة الحيوان، ومن كليهما تكون حياة الإنسان. وقانون الزوجية قانون مطرد في عالم الجماد والنبات والحياة عامة والحياة الإنسانية خاصة، وهو كذلك مطرد في عوالم لا نعرفها. وآية الليل والنهار في علاقتهما مع بعضهما وفي علاقتهما مع الشمس والقمر. وآية جريان الشمس لمستقرها. وآية منازل القمر والتوقيت الهجري. وآية النظام الكوني والتناسق بين الشمس والقمر والليل والنهار والكواكب والنجوم بحيث لا يطغى شيء على شيء. وآية جريان الفلك في الماء فلا يغرق الناس في البحار، ومنه آية تاريخية وهي نجاة نوح عليه السلام ومن معه في الفلك. وكذلك آية وسائط النقل البرية تذكر بالتوازي مع وسائط النقل البحرية. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون). إنهم يكذبون الرسل، ولا يتدبرون مصارع المكذبين، ولا يدركون دلالة كونهم يذهبون ولا يرجعون. والرسل إنما يدعونهم إلى الله، وكل ما في الوجود حولهم يحدثهم عن الله، ويدل عليه ويشهد بوجوده. وهذه هي الأرض القريبة منهم، يرونها ميتة لا حياة فيها، ولا ماء ينشئ الحياة، ثم يرونها حية تنبت الحب، وتزدان بالجنات من نخيل وأعناب، وتتفجر فيها العيون، فتجري بالحياة حيث تجري. والحياة معجزة لا تملك يد البشر أن تجريها، إنما هي يد الله التي تجري المعجزات، وتبث روح الحياة في الموات، وإن رؤية الزرع النامي، والجنان الوارفة ، والثمر اليانع، لتفتح العين والقلب على يد الله المبدعة، وهي تشق التربة عن النبتة المتطلعة للحرية والنور، وتنضر العود المستشرف للشمس والضياء، وتزين الغصن اللدن بالورق والثمار، وتفتح الزهرة وتنضج الثمرة، وتهيئها للجني والقطاف (ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم) ويد الله هي التي أقدرتهم على العمل، كما أقدرت الزرع على الحياة والنماء (أفلا يشكرون). ويلتفت عنهم بعد هذه اللمسة الرفيقة ليسبح الله الذي أطلع لهم النبت والجنان، وجعل الزرع أزواجا ذكرانا وإناثا كالناس وكغيرهم من خلق الله الذي لا يعلمه سواه: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون). وهذه التسبيحة تنطلق في أوانها وفي موضعها، وترتسم معها حقيقة ضخمة من حقائق هذا الوجود، حقيقة وحدة الخلق، ووحدة القاعدة والتكوين، فقد خلق الله الأحياء أزواجا، النبات فيها كالإنسان، ومثل ذلك غيرهما (ومما لا يعلمون). وإن هذه الوحدة لتشي بوحدة اليد المبدعة التي توجد قاعدة التكوين مع اختلاف الأشكال والأحجام والأنواع والأجناس والخصائص والسمات في هذه الأحياء التي لا يعلم علمها إلا الله. ومن يدري فربما كانت هذه قاعدة الكون كله حتى الجماد! وقد أصبح معلوما أن الذرة أصغر ما عرف من قبل من أجزاء المادة مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربي، سالب وموجب يتزاوجان ويتحدان! كذلك شوهدت ألوف من الثنائيات النجمية تتألف من نجمين مرتبطين يشد بعضهما بعضا، ويدوران في مدار واحد كأنما يوقعان نغمة رتيبة! تلك آية الأرض الميتة تنبثق فيها الحياة، ومنها إلى آية السماء وما يتعلق بها من ظواهر يراها العباد رأي العين، ويد الله تجريها بالخوارق المعجزات. (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون). ومشهد قدوم الليل، والنور يختفي، والظلمة تغشى، مشهد مكرور يراه الناس في كل بقعة في خلال أربع وعشرين ساعة (فيما عدا بعض المواقع التي يدوم فيها النهار كما يدوم فيها الليل أسابيع وأشهرا قرب القطبين في الشمال والجنوب) وهو مع تكراره اليومي عجيبة تدعو إلى التأمل والتفكير. والتعبير القرآني عن هذه الظاهرة في هذا الموضع تعبير فريد، فهو يصور النهار متلبسا بالليل، ثم ينزع الله النهار من الليل فإذا هم مظلمون. ولعلنا ندرك شيئا من سر هذا التعبير الفريد حين نتصور الأمر على حقيقته. فالأرض الكروية في دورتها حول نفسها في مواجهة الشمس تمر كل نقطة منها بالشمس، فإذا هذه النقطة نهار، حتى إذا دارت الأرض وانزوت تلك النقطة عن الشمس انسلخ منها النهار ولفها الظلام، وهكذا تتوالى هذه الظاهرة على كل نقطة بانتظام وكأنما نور النهار ينزع أو يسلخ فيحل محله الظلام، فهو تعبير مصور للحقيقة الكونية أدق تصوير. (والشمس تجري لمستقر لها) والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها، إنما هي تجري، تجري فعلا، تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية! والله ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها يقول: إنها تجري لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه، ولا يعلم موعده سواه. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء لا يسندها شيء، ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم: (ذلك تقدير العزيز العليم). (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم). والعباد يرون القمر في منازله تلك يولد هلالا، ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرا، ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالا مقوسا كالعرجون القديم. والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة. والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب: (حتى عاد كالعرجون القديم) وبخاصة ظل ذلك اللفظ (القديم). فالقمر في لياليه الأولى هلال، وفي لياليه الأخيرة هلال، ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة، وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكسوه شحوب وذبول، ذبول العرجون القديم! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب! والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة. والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة لا ينجو من تأثرات واستجابات، ومن سبحات مع اليد المبدعة للجمال والجلال، المدبرة للأجرام بذلك النظام، سواء كان يعلم سر هذه المنازل والأشكال القمرية المختلفة أو لا يعلم، فالمشاهدة وحدها كفيلة بتحريك القلب، واستجاشة الشعور، وإثارة التدبر والتفكير. وأخيرا يقرر دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة، ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون). ولكل نجم أو كوكب فلك أو مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه، والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة، فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر بنحو ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال، والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال، وهذه المسافات على بعدها ليست شيئا يذكر حين تقاس إلى بعد ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا، وهو يقدر بنحو أربع سنوات ضوئية، وسرعة الضوء تقدر بستة وثمانين ومائة ألف من الأميال في الثانية الواحدة! أي إن أقرب نجم إلينا يبعد عنا بنحو مائة وأربعة مليونَ مليون ميل! وقد قدر الله خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب، ووضع تصميم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم والتصدع حتى يأتي الأجل المعلوم، فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر، والليل لا يسبق النهار، ولا يزحمه في طريقه، لأن الدورة التي تجيء بالليل والنهار لا تختل أبدا فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان! (وكل في فلك يسبحون). وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح، فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب. وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة، والكواكب السيارة، متناثرة في ذلك الفضاء، سابحة في ذلك الخضم، والفضاء من حولها فسيحٌ فسيح، وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح! (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). إن في السياق مناسبة لطيفة بين النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها، والفلك المشحون السابح في الماء يحمل ذرية بني آدم! مناسبة في الشكل، ومناسبة في الحركة، ومناسبة في تسخير هذا وذلك بأمر الله، وحفظه بقدرته في السماوات والأرض سواء. وهذه آية كتلك يراها العباد ولا يتدبرونها، بل هذه أقرب إليهم وأيسر تدبرا لو فتحوا قلوبهم للآيات. ولعل الفلك المشحون المذكور هنا هو فلك نوح أبي البشر الثاني، الذي حمل فيه ذرية آدم، ثم جعل الله لهم من مثله هذه السفن التي تمخر بهم العباب. وهؤلاءِ وهؤلاء حملتهم قدرة الله ونواميسه التي تحكم الكون وتصرفه، وتجعل الفلك يعوم على وجه الماء، بحكم خواص الفلك، وخواص الماء، وخواص الريح أو البخار، أو الطاقة المنطلقة من الذرة، أو غيرها من القوى، وكلها من أمر الله وخلقه وتقديره. (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين). والسفينة في الخضم كالريشة في مهب الريح، مهما ثقلت وضخمت وأتقن صنعها، وإلا تدركها رحمة الله فهي هالكةٌ هالكة في لحظة من ليل أو نهار. والذين ركبوا البحار سواء عبروها في قارب ذي شراع أو في عابرة ضخمة للمحيط، يدركون هول البحر المخيف، وضآلة العصمة من خطره الهائل وغضبه الجبار، ويحسون معنى رحمة الله، وأنها وحدها العاصم بين العواصف والتيارات في هذا الخلق الهائل الذي تمسك يد الرحمة الإلهية عنانه الجامح، ولا تمسكه يد سواها في أرض أو سماء، وذلك حتى يقضي الكتاب أجله، ويحل الموعد المقدور في حينه، وفق ما قدره الحكيم الخبير: (ومتاعا إلى حين)).

2381