التفسير التربويالجزء 1 · ص 2406 - 2416

التفسير التربوي لسورة الصافات

التفسير التربوي لسورة الصافات

قال ابن كثير في التفسير: ((سورة الصافات: وهي مكية. روى النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات) تفرد به النسائي)).

وقال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: «هذه السورة مكية، ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته على إحياء الموتى، وأنه هو منشئهم، وإذا تعلقت إرادته بشيء كان، ذكر تعالى وحدانيته، إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة وجودا وعدما إلا بكون المريد واحدا».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة المكية كسابقتها قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير. وهي تستهدف كسائر السور المكية بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها بصفة خاصة تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى. وتقف أمام هذه الصورة طويلا، وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى. تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله سبحانه وبين الجن، وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزاوج بين الله تعالى والجنة ولدت الملائكة، ثم تزعم أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله! هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة، تكشف عن تهافتها وسخفها. ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة، ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كي لا يقربوا من الملأ الأعلى، ولا يتسمعوا لما يدور فيه، ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرؤوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة. وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية، فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود، وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة، كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء، ثم تعرض بهذه المناسبة مشهدا مطولا فريدا من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجآت! وتعرض لقضية الوحي والرسالة. وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، تتكشف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل. وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل، قصة الذبح والفداء، وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها، وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء. والمؤثرات الموحية التي تصاحب عرض موضوعات السور وقضاياها، تتمثل بشكل واضح في: مشهد السماء وكواكبها وشهبها ورجومها، وفي مشاهد القيامة ومواقفها المثيرة، ومفاجآتها الفريدة، وانفعالاتها القوية. والمشاهد التي تحويها هذه السورة ذات طابع فريد حقاً سنلمسه عند استعراضه تفصيلا في مكانه من السورة. وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته، وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل عليهما السلام، وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهز القلوب هزا عميقا عنيفا. ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة وهو ذو طابع مميز يتفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة».

2406

الآيات 1-11

قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين﴾ (الصافات: 1-11)

(1ـ 5) قوله تعالى: (والصافات صفا. فالزجرات زجرا. فالتاليات ذكرا. إن إلهكم لواحد. رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق). فيه تربية على طريقة إثبات الحقيقة والقضية العادلة وذلك من خلال القسم وكذلك الدليل، فقد أقسم الله تعالى بصفات الملائكة على إثبات الوحدانية وكذلك قدم الدليل عليها من خلال البيان بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض وخالق المشارق. فقوله تعالى: (والصافات صفا) قسم بالملائكة، وقيل: المعنى ورب الصافات، والمراد بها الملائكة تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. (فالزاجرات زجرا) الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقيل: تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. (فالتاليات ذكرا) الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى، وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع، لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. (إن إلهكم لواحد) جواب القسم، وذلك أن الكفار بمكة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا، وكيف يسع هذا الخلق إله واحد! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا. (رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق) بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه (رب السماوات والأرض وما بينهما) يعني: خالقهما ومالكهما (ورب المشارق) يعني: مالك مطالع الشمس. قال المفسرون: للشمس كل يوم مشرق ومغرب، وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ودل بذكر المطالع على المغارب، فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: (سرابيل تقيكم الحر) (النحل: 81). وخص المشارق بالذكر، لأن الشروق قبل الغروب. وأما قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين) (الرحمن: 17) فأراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار. وأما قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب) (المزمل: 9) فالمراد بالمشرق جهة الشروق وكذلك المغرب هو جهة الغروب.

2407

(6ـ 10) قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب). فيه تربية على فوائد الكواكب التي نراها في السماء وهي: تزيين السماء، ومنع الشياطين من الاستماع إلى أخبار السماء وما يدور فيها من أمور الكون وتدبيره والوحي والرسالة. ومنه البيان بأن كل ما يوحي به الشياطين من الجن إلى أوليائهم من الإنس هو كذب وتخمين ليس له نصيب من الصحة. فقوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) قال المفسرون: خلقت النجوم ثلاثا: رجوما للشياطين، ونورا يهتدي بها الناس، وزينة للسماء الدنيا. (وحفظا) يعني: وحفظناها حفظنا (من كل شيطان مارد) لما أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد أن زينها بالكواكب، والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطانا. (لا يسمعون) يعني: الشياطين (إلى الملأ الأعلى) وهم أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملأ الأرض، (ويقذفون من كل جانب) يعني: يرمون من كل جانب بالشهب. (دحورا) يعني: يدحرون دحورا، والدحر: الطرد (ولهم عذاب واصب) يعني: دائم، وقيل: شديد، وقيل: موجع، أي الذي يصل وجعه إلى القلب، مأخوذ من الوصب وهو المرض. (إلا من خطف الخطفة) استثناء من قوله: (ويقذفون من كل جانب) والخطف: أخذ الشيء بسرعة، وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير الوحي، لقوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون) (الشعراء: 212) فيسترق الواحد منهم شيئا بما يتفاوض فيه الملائكة مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض (فأتبعه شهاب ثاقب) يعني: يرجمون بالشهب المضيئة. قال القرطبي: ((واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث، على قولين. وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت، أي لم تكن ترمى رميا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: (ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب) إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبا. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل، ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شئ مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة. فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة فلم دام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ببطلان الكهانة فقال: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (أحمد) فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام، وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى آله. وروي في هذا الباب أحاديث صحاح، مضمنها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد للسمع واحدا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع. فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع البتة. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء، لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها، لأنها قريبة منا. وقيل: ليست الشهب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت، يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها)).

2408

(11) قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب). في علاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إن المقصد الأقصى من هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي: الإلهيات، والمعاد، والنبوة، والقضاء والقدر، وإنه تعالى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليه إثبات القول بالحشر والنشر والقيامة من خلال التأكيد على الخلق الأول إثباتا للخلق الثاني وهو البعث. فقوله تعالى: (فاستفتهم) يعني: سلهم، والمراد أهل مكة وغيرهم، مأخوذ من استفتاء المفتي (أهم اشد خلقا أم من خلقنا) يعني: من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار، ويدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية (إنا خلقناهم من طين لازب) يعني: لاصق، وقيل: لازق. قال الماوردي: والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق: هو الذي يلتزق بما أصابه.

(12ـ 18) قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون. وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون. وقالوا إن هذا إلا سحر مبين. أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون. أو آباؤنا الأولون. قل نعم وأنتم داخرون). فيه تربية بالقدوة من خلال التفريق بين موقف المؤمن وموقف غير المؤمن من قضية البعث والآيات الكونية والتذكير بالله تعالى، وتقرير الكلام أن يقال: إن هؤلاء المنكرين أقروا بأنه تعالى قادر على تكوين أشياء أصعب من إعادة الحياة إلى هذه الأجساد، وقد تقرر في صريح العقول أن القادر على الأشق الأشد يكون قادرا على الأسهل الأيسر، ثم مع قيام هذه الحجة البديهية بقي هؤلاء الأقوام مصرين على إنكار البعث والقيامة، وهذا في موضع التعجب الشديد، فإنه مع ظهور هذه الحجة الجلية الظاهرة كيف يعقل بقاء القوم على الإصرار فيه، فالمؤمن يتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم في طرف الإنكار وصلوا إلى حيث يسخرون منه في القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة والبعث. فقوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون) يعني: بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به، وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث ويسخرون منك. (وإذا ذكروا) يعني: وعظوا بالقرآن (لا يذكرون) يعني: لا ينتفعون به، وقيل: إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. (وإذا رأوا آية) يعني: معجزة (يستسخرون) يعني: يطلبون السخرية، وقيل: يستهزئون. (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) يعني: إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون) يعني: أنبعث إذا متنا؟ فهو استفهام إنكار منهم وسخرية. (أو آباؤنا الأولون) يعني: أو تبعث آباؤنا. (قل نعم) يعني: نعم تبعثون (وأنتم داخرون) يعني: صاغرون أذلاء، لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون. وقيل: أي ستقوم القيامة وإن كرهتم، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم.

2409

الآيات 19-40

(19) و (20) و (21) قوله تعالى: (فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون. وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين. هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون). اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إمكان البعث والقيامة، ثم أردفه بما يدل على وقوع القيامة، ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة، فالأمر على الله هين وما هي إلا زجرة واحدة فتكون القيامة، والكافرون بالبعث والقيامة يصيحون بالويل والثبور على أنفسهم، وكل ما حولهم يقرر أن البعث حق وصدق. فقوله تعالى: (فإنما هي زجرة واحدة) يعني: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، وسميت الصيحة زجرة، لأن مقصودها الزجر (فإذا هم) يعني: قيام (ينظرون) يعني: ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينتظرون ما يفعل بهم، وقيل: ينظرون إلى البعث الذي أنكروه. (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) يعني: نادوا على أنفسهم بالويل، لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم (يوم الدين) يوم الحساب، ويوم الجزاء. (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون) قيل: هو من قول بعضهم لبعض، أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل: هو قول الله تعالى لهم. وقيل: هو من قول الملائكة، أي هذا يوم الحكم بين الناس، فيبين المحق من المبطل، وفريق في الجنة وفريق في السعير.

(22ـ 26) قوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون. من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم. وقفوهم إنهم مسؤولون. ما لكم لا تناصرون. بل هم اليوم مستسلمون). فيه بيان لمشهد من مشاهد القيامة حيث يحشر الظالمون الكافرون إلى النار، ويتعرضون للمساءلة والحساب، كما يتعرضون للإهانة والسخرية والتهكم، وليس لهم من ناصر ينصرهم، ولا هم ينصرون بعضهم. والغاية من بيان هذا المشهد قبل وقوعه هو التحذير من المآل إليه، والعاقل من يعتبر بغيره ولا يجرب بنفسه. فقوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا) يعني: المشركين (وأزواجهم) يعني: أشياعهم وأشباههم في الشرك، والشرك الظلم، لقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: 13) فيحشر الكافر مع الكافر، والزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقيل: (وأزواجهم) نساؤهم الموافقات لهم على الكفر (وما كانوا يعبدون. من دون الله) من الأصنام والشياطين وإبليس (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) يعني: سوقوهم إلى النار ودلوهم عليها، يقال: هديته إلى الطريق أي دللته عليه. (وقفوهم إنهم مسئولون) يعني: احسبوهم، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفيه تقديم وتأخير، والمعنى: قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار، وقيل: يساقون إلى النار أولا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار (إنهم مسئولون) يعني: عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم. (ما لكم لا تناصرون) على جهة التقريع والتوبيخ، أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله. (بل هم اليوم مستسلمون) يعني: خاضعون ذليلون منقادون لعذاب الله عز وجل.

2410

(27ـ 32) قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين. وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين. فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون. فأغوينكم إنا كنا غاوين). فيه تربية على بطلان نظرية الغلبة في الحكم والرياسة، لأن الأتباع يحتجون على المتبوعين يوم القيامة بأنهم كانوا لهم قاهرين وأنهم كانوا مقهورين بطاعتهم، بينما ينفي القادة والسادة هذا القهر، ومع ذلك فإن الله تعالى لا يقبل هكذا عذر ويقرر العذاب على التابع والمتبوع. فقوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض) يعني: الرؤساء والأتباع (يتساءلون) يعني: يتخاصمون، وقيل: يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله أو فتح بابا من المعصية. (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) يعني: الأتباع للمتبوعين، ومعنى (تأتوننا عن اليمين) يعني: عن طريق القوة، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى: (فراغ عليهم ضربا باليمين) (الصافات: 93) أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه. وقيل: تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل: تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه. وقيل: تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة. (قالوا بل لم تكونوا مؤمنين) وهذا من قول المتبوعين للأتباع، والمعنى: لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للألف والعادة. (وما كان لنا عليكم من سلطان) يعني: من حجة في ترك الحق (بل كنتم قوما طاغين) يعني: ضالين متجاوزين الحد. (فحق علينا قول ربنا) وهذا أيضا من قول المتبوعين، أي وجب علينا وعليكم قول ربنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) (السجدة: 13). (فأغويناكم) يعني: زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر (إنا كنا غاوين) بالوسوسة والاستدعاء.

2411

(33ـ 35) قوله تعالى: (فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون. إنا كذلك نفعل بالمجرمين. إنهم كانوا إذا قيل لهم لا اله إلا الله يستكبرون). فيه تربية على أن الكبر أساس الكفر وأشيع سبب للضلال، وفيه تحذير من الكفر لأنه يؤدي بصاحبه إلى الكفر في الدنيا ودخول النار في الآخرة، والكبر بطر الحق وغمط الناس. فقوله تعالى: (فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون) يعني: الضال والمضل. (إنا كذلك) يعني: مثل هذا الفعل (نفعل بالمجرمين) يعني: المشركين. (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا اله إلا الله يستكبرون) يعني: إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته واجتماع قريش: «قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم» أبوا وأنفوا من ذلك (أحمد والنسائي). وقال تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) (الفتح: 26)، وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة، ذكر هذا الخبر البيهقي.

(36ـ 37) قوله تعالى: (ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون. بل جاء بالحق وصدق المرسلين). فيه تربية على الحوار ودحض الشبهات بالحقائق من خلال البيان بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، فقد ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعاني كان مجيئه بالدين الحق. وكذلك ما جاء به يصدق ما جاء به الأنبياء من التوحيد ونفي الشريك، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل الأنبياء. فقوله تعالى: (ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون) يعني: لقول شاعر مجنون. فرد الله تعالى عليهم فقال: (بل جاء بالحق) يعني: القرآن والتوحيد (وصدق المرسلين) يعني: فيما جاءوا به من التوحيد.

(38ـ 40) قوله تعالى: (إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون. إلا عباد الله المخلصين). فيه تربية على أن نظام العالم لا يستقيم إلا من خلال الأمر بالحسن والطاعة والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود منهما إلا بالترغيب في الثواب والترهيب بالعقاب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه صونا للكلام عن الكذب، والعدل الإلهي في عقاب الكافرين على قدر المعصية بينما الزيادة في الثواب على الطاعة لا يتنافى مع العدل. فقوله تعالى: (إنكم لذائقو العذاب الأليم) يعني: يوم القيامة. (وما تجزون) في الآخرة (إلا ما كنتم تعملون) في الدنيا. (إلا عباد الله المخلصين) استثناء ممن يذوق العذاب. والقراءة بفتح اللام تعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته، والقراءة بكسر اللام تعني الذين أخلصوا لله العبادة.

2412

الآيات 41-74

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين﴾ (الصافات: 41-74)

(41ـ 49) قوله تعالى: (أولئك لهم رزق معلوم. فواكه وهم مكرمون. في جنات النعيم. على سرر متقابلين. يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون. وعندهم قصرت الطرف عين. كأنهن بيض مكنون). اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب والنعيم الذي أعد لهم يوم القيامة من الطعام والفاكهة والخمر والنساء وكل ما لم يتم لهم تحصيله في الدنيا. فقوله تعالى: (أولئك لهم رزق معلوم) يعني: المخلصين، لهم عطية معلومة لا تنقطع في الجنة. (فواكه) جمع فاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها (وهم مكرمون) يعني: ولهم إكرام من الله عز وجل برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه. (في جنات النعيم) يعني: في بساتين يتنعمون فيها. (على سرر متقابلين) يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا، وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد، وقيل: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد. (يطاف عليهم بكأس من معين) لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا قالوا إناء وقدح، والمعين: الماء الجاري الظاهر. (بيضاء) صفة للكأس، وقيل: صفة للخمر التي في الكأس، وخمر الجنة أشد بياضا من اللبن (لذة للشاربين) يعني: ذات لذة فحذف المضاف. (لا فيها غول) يعني: لا تغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع (ولا هم عنها ينزفون) يعني: لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: نزف الرجل ينزف إذا سكر. وقيل: المعنى لا ينفذون شرابهم، لأنه دأبهم، يقال: أنزف الرجل إذا فنيت خمره. (وعندهم قاصرات الطرف) يعني: النساء اللاتي قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم (عين) يعني: حسان العيون، وقيل: الحسن في العين: شدة البياض مع شدة السواد. (كأنهن بيض مكنون) يعني: مصون ومحفوظ. وقيل: شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء.

2413

(50ـ 61) قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أئنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون. قال هل أنتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم. قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين. أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. إن هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون). اعلم أنه تعالى كما ذكر في أهل الجنة أنهم يتساءلون عند الاجتماع على شرب خمر الجنة، فإن محادثة العقلاء بعضهم مع بعض على الشرب من الأمور اللذيذة، وتذكر الخلاص عند اجتماع أسباب الهلاك من الأمور اللذيذة، فقد ذكر تعالى في هذه الآيات أن أهل الجنة إذا اجتمعوا على الشرب وأخذوا في المكالمة والمساءلة كان من جملة تلك الكلمات أنهم يتذكرون أنهم كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالسعادة الأبدية، والمقصود من ذكر هذه الأشياء أن أهل الجنة يتكامل سرورهم وبهجتهم بمذاكرة ما حصل لهم من المخاطر في الدنيا. فقوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) يعني: يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا، وهو من تمام الأنس في الجنة. (قال قائل منهم) يعني: من أهل الجنة (إني كان لي قرين) يعني: صديق ملازم. (يقول أئنك لمن المصدقين) يعني: بالبعث والجزاء. (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون) يعني: مجزيون ومحاسبون بعد الموت. (قال) يعني: الله تعالى لأهل الجنة (هل أنتم مطلعون). وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين. وقيل: هو من قول الملائكة. (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) يعني: في وسط النار. (قال تالله إن كدت لتردين) يعني: لتهلكني، والردى الهلاك. (ولو لا نعمة ربي) يعني: عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء (لكنت من المحضرين) يعني: في النار. (أفما نحن بميتين) والهمزة للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين. (إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين) وهو من قول المؤمن توبيخا للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا. وقيل: هو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. وقيل: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. ثم قال المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه (إن هذا لهو الفوز العظيم). (لمثل هذا) يعني: العطاء والفضل (فليعمل العاملون)، يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، وقيل: هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء (لمثل هذا) الجزاء (فليعمل العاملون). وتقدير الكلام: فليعمل العاملون لمثل هذا.

2414

(62ـ 68) قوله تعالى: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. إنا جعلنا فتنة للظالمين. إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه رؤوس الشياطين. فإنهم لآكلون منها فمالؤون منها البطون. ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم. ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم). اعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها: (لمثل هذا فليعمل العاملون)، أتبعه بقوله: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم)، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه وغيرهم ممن يكفرون بالرسالة ويكذبون بالنبوة، ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم وصف أيضا في هذه الآيات مآكل أهل النار ومشاربهم. فقوله تعالى: (أذلك خير) يعني: أنعيم الجنة خير نزلا (أم شجرة الزقوم) خير نزلا، والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة، وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها. وقيل: إنها شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وزقوم الآخرة لا يشبه زقوم الدنيا إلا بالاسم. (إنا جعلناها فتنة للظالمين) يعني: المشركين، وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة وهي تحرق الشجر؟ والفتنة: الاختبار، وكان هذا القول منهم جهلا، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار. وقيل: إنها فتنة أي عقوبة للظالمين. (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) يعني: في قعر النار، ومنها منشؤها ثم هي متفرعة في جهنم. (طلعها) يعني: ثمرها، سمي طلعا لطلوعه (كأنه رؤوس الشياطين) قيل: يعني الشياطين بأعيانهم شبهها برؤوسهم لقبحهم، ورؤوس الشياطين متصور في النفوس وإن كان غير مرئي، ومن ذلك قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة ملك، ومنه قوله تعالى مخبرا عن صواحب يوسف: (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) (يوسف: 31) وهذا تشبيه تخيلي، لأن الغالب في ظهور الشياطين هو على شكل الحيات والأفاعي، والغالب في ظهور الملائكة على هيئة رجال حسان الطلعة. (فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون) فهذا طعامهم وفاكهتهم. (ثم إن لهم عليها) يعني: بعد الأكل من الشجرة (لشوبا من حميم) والشوب: الخلط، يقال: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما، والحميم: الماء الحار ليكون أشنع، قال الله تعالى: (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم) (محمد: 15). والمعنى: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظا لعذابهم وتجديدا لبلائهم. (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها. وقيل: لعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها.

2415

(69ـ 74) قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم على آثارهم يهرعون. ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين. ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عقبة المنذرين. إلا عباد الله المخلصين). وفي هذه الآيات تربية على بطلان التقليد في التوحيد، وذلك أنه تعالى علل استحقاق الكافرين للوقوع في الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك اتباع الدليل، ولو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكانت كافية. فقوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) يعني: صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم. (فهم على آثارهم يهرعون) يعني: يسرعون كهيئة الهرولة. (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) يعني: الأمم الماضية. (ولقد أرسلنا فيهم منذرين) يعني: رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) يعني: آخر أمرهم. (إلا عباد الله المخلصين) يعني: الذين استخلصهم الله من الكفر.

2416