التفسير التربوي لسورة الصافات
قال ابن كثير في التفسير: ((سورة الصافات: وهي مكية. روى النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات) تفرد به النسائي)).
وقال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: «هذه السورة مكية، ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته على إحياء الموتى، وأنه هو منشئهم، وإذا تعلقت إرادته بشيء كان، ذكر تعالى وحدانيته، إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة وجودا وعدما إلا بكون المريد واحدا».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة المكية كسابقتها قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير. وهي تستهدف كسائر السور المكية بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها بصفة خاصة تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى. وتقف أمام هذه الصورة طويلا، وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى. تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله سبحانه وبين الجن، وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزاوج بين الله تعالى والجنة ولدت الملائكة، ثم تزعم أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله! هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة، تكشف عن تهافتها وسخفها. ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة، ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كي لا يقربوا من الملأ الأعلى، ولا يتسمعوا لما يدور فيه، ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرؤوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة. وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية، فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود، وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة، كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء، ثم تعرض بهذه المناسبة مشهدا مطولا فريدا من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجآت! وتعرض لقضية الوحي والرسالة. وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، تتكشف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل. وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل، قصة الذبح والفداء، وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها، وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء. والمؤثرات الموحية التي تصاحب عرض موضوعات السور وقضاياها، تتمثل بشكل واضح في: مشهد السماء وكواكبها وشهبها ورجومها، وفي مشاهد القيامة ومواقفها المثيرة، ومفاجآتها الفريدة، وانفعالاتها القوية. والمشاهد التي تحويها هذه السورة ذات طابع فريد حقاً سنلمسه عند استعراضه تفصيلا في مكانه من السورة. وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته، وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل عليهما السلام، وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهز القلوب هزا عميقا عنيفا. ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة وهو ذو طابع مميز يتفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة».