التفسير التربويالجزء 1 · ص 2428 - 2435

الآيات 149-163

الآيات 149-163

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (الصافات: 149-163)

(149ــ 160) قوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون. ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين. ما لكم كيف تحكمون. أفلا تذكرون. أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون. إلا عباد الله المخلصين). في هذه الآيات تربية على الحوار في أمر التوحيد وهو أهم مسائل العقيدة، وذلك أنه تعالى لما ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها. ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور، فقال: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) كما قال في أول السورة: (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا) (الصافات: 11). وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين. واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين: (أحدهما) إثبات البنات لله، وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف منه المخلوق لا يمكن إثباته للخالق. (والثاني) إثبات أن الملائكة إناث، وهذا باطل لأنه لا علم لنا به، ولأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر. أما الحس فمفقود لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله: (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون). وأما الخبر فمنقود لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعا، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون). وأما النظر فمفقود، وبيانه أن العقل ينفي إسناد الأخس إلى الأفضل، ثم نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر. واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل. فقوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله، فقال: (فاستفتهم) يعني: فسل يا محمد أهل مكة (ألربك البنات) وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله، وهذا سؤال توبيخ. (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون) يعني: حاضرون لخلقنا إياهم إناثا. (ألا إنهم من إفكهم ليقولون) والإفك أسوأ الكذب. (ولد الله وإنهم لكاذبون) يعني: في قولهم إن لله ولدا، وهو الذي لا يلد ولا يولد. (أصطفى البنات على البنين) يعني: اختار البنات وترك البنين، وهو سؤال على معنى التقريع والتوبيخ. (ما لكم؟ كيف تحكمون؟) وهما سؤالان على معنى التوبيخ. (أفلا تذكرون؟) في أنه لا يجوز أن يكون له ولد. (أم لكم سلطان مبين) يعني: حجة وبرهان. (فأتوا بكتابكم) يعني: بحجتكم (إن كنتم صادقين) يعني: في قولكم. (وجعلوا بينه وبين الجنة) أكثر أهل التفسير على أن الجنة هنا الملائكة، وإنما سموا جنة لعدم رؤيتهم، وقيل: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم جنة (نسبا) يعني: مصاهرة، فقالوا: إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم (ولقد علمت الجنة) يعني: الملائكة (إنهم) يعني قائل هذا القول (لمحضرون) في النار، وقيل: للحساب. (سبحان الله عما يصفون) يعني: تنزه الله عما يصفون. (إلا عباد الله المخلصين) يعني: فإنهم ناجون من النار.

2428

(161) و (162) و (163) قوله تعالى: (فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم). اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذاهب الكفار، أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق علم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار. فقوله تعالى: (فإنكم وما عبدون) يعني: فإنكم والذي تعبدون، وقيل: فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام، وقيل: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله. (ما أنتم عليه) يعني: على الله (بفاتنين) يعني: بمضلين. (إلا من هو صال الجحيم) يعني: داخل إلى النار وملازم لها. والمعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من علم الله عز وجل عليه أن يضل.

2429

الآيات 164-166

(164) و (165) و (166) قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون). فيه بيان لحال الملائكة وموقفهم من المشركين الذين أشركوهم مع الله في الإلهية، فهم يبينون أن لهم قدرا محددا لا يتجاوزونه، وأنهم منخرطون في أرقى أنواع العبادة لله تعالى. وهذا من قول الملائكة تعظيما لله عز وجل، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم. (وإنا لنحن الصافون) يعني: للصلاة، وقيل: وإنا لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفا ننتظر ما نؤمر به، وقيل: إنا لنحن الصافون حول العرش. (وإنا لنحن المسبحون) يعني: الذكر، وقيل: المنزهون لله عما أضافه إليه المشركون. (وما منا إلا له مقام معلوم) يعني: مكان معلوم في العبادة. وقيل: هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المشركين، أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. وقيل: منا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام الإخلاص، ومنا من له مقام الشكر. والأظهر أن ذلك راجع إلى الملائكة. قال القرطبي: ((قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح. وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم). وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، لوددت أني كنت شجرة تعضد) خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث حسن غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذر موقوفا. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد، فقال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها) فقلنا: يا رسول الله، كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها ويقرأ: (وإنا لنحن الصافون) تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. وقال أبو مالك: كان الناس يصلون متبددين فأنزل الله تعالى: (وإنا لنحن الصافون) فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا. وقال الشعبي: جاء جبريل أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ملك فارغ)).

2430

(167ــ 170) قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون. لو أن عندنا ذكرا من الأولين. لكنا عباد الله المخلصين. فكفروا به فسوف يعلمون). فيه بيان لتناقض مشركي العرب في مواقفهم وتصريحاتهم من الرسالة السماوية، فهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لو كان لنا كتاب كالتوراة والإنجيل لكنا من أكثر الناس إيمانا وعبادة لله تعالى، فلما بعث الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن كفروا به وكذبوه. فقوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون) عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا: (لو أن عندنا ذكرا من الأولين) يعني: لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع، وقيل: لو أن عندنا كتابا من كتب الأنبياء (لكنا عباد الله المخلصين) يعني: لأخلصنا العبادة لله. (فكفروا به) يعني: بالذكر، وقيل: بالنبي (فسوف يعلمون) يعني: مغبة كفرهم. وهذا تعجيب منهم، فقد جاءهم نبي وأنزل عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفوا بما قالوا.

2431

الآيات 171-173

(171) و (172) و (173) قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون). فيه تقوي لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ووعد لهم بالنصر على أقوامهم لأن ذلك سنة الله تعالى في رسالاته. والنصرة والغلبة قد تكون بقوة الحجة، وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات، فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب في الحقيقة. فقوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون) يعني: بالسعادة في الآخرة، وقيل: بالنصر في الدنيا، وقيل: بكليهما. (وإن جندنا لهم الغالبون) يعني: الوعد لجند الله مثل الوعد لرسل الله.

2432

الآيات 174-175

(174) و (175) قوله تعالى: (فتول عنهم حتى حين. وأبصرهم فسوف يبصرون). فيه تربية على الثبات والصبر والانتظار، فإن العاقبة للمتقين والغلبة للمؤمنين، وسوف يظهر ذلك عيانا ومشاهدة لأن وعد الله كائن لا محالة. فقوله تعالى: (فتول عنهم) يعني: أعرض عنهم (حتى حين) يعني: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه، وقيل: إلى الموت. (وأبصرهم فسوف يبصرون) يعني: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. وعبر بالإبصار عن تقريب الأمر، أي عن قريب يبصرون. وقيل: سوف يبصرون العذاب يوم القيامة.

(176ـ 179) قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون. فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين. وتول عنهم حتى حين. وأبصر فسوف يبصرون). فيه بيان أن الكافرين يستعجلون العذاب تكذيبا بوقوعه ونفيا لوعيد الله تعالى، وأن من واجب المؤمن التريث وعدم الاستعجال فلكل أمر حين ولكل أجل كتاب. فقوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون) كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب، فقيل لهم: لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. (فإذا نزل بساحتهم) يعني: نزل العذاب بدارهم (فساء صباح المنذرين) يعني: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب كان يأتيهم فيه. (وتول عنهم حتى حين) كرر تأكيدا. (وأبصر فسوف يبصرون) وهذا تأكيد أيضا.

2433

الآيات 180-182

(180) و (181) و (182) قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين). فيه تربية على تنزيه الله تعالى وتقديسه وتمجيده، وفيه تربية على السلام على رسل الله تعالى حين يذكرون وفي كل وقت وحين. وفيه تربية على الثناء والشكر لله تعالى على كل حال وفي كل مجال. فقوله تعالى: (سبحان ربك) نزه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون (رب العزة) يعني: رب الامتناع (عما يصفون) يعني: من الصاحبة والولد. (وسلام على المرسلين) يعني: الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة، وقيل: هذا أمن لهم من الله عز وجل يوم الفزع الأكبر. (والحمد لله رب العالمين) يعني: على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين، وقيل: على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين، وقيل: على هلاك المشركين، وقيل: على كل حال. قال الرازي في التفسير: ((ثم إنه تعالى ختم السورة بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية، وذلك لأن أهم المهمات للعاقل معرفة أحوال ثلاثة: (فالمهم الأول) معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية، وأقصى ما يمكن عرفانه من صفات الله تعالى ثلاثة أنواع، أحدهما: تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية، وهو لفظة سبحان. وثانيها: وصفه بكل ما يليق بصفات الإلهية، وهو قوله: (ربّ العزة)، فإن الربوبية إشارة إلى التربية وهي دالة على كمال الحكمة، والرحمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة. وثالثها: كونه منزها في الإلهية عن الشريك والنظير، وقوله: (رب العزة) يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: (العزة) تفيد الاستغراق، وإذا كان الكل ملكا له ولم يبق لغيره شيء، فثبت أن قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم. (والمهم الثاني) من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغي أن يعامل نفسه ويعامل الخلق في هذه الحياة الدنيوية. واعلم أن أكثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مكمل يكملهم، ومرشد يرشدهم، وهاد يهديهم، وما ذلك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبديهة الفطرة شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء بالكامل، فنبه على هذا الحرف بقوله: (وسلام على المرسلين) لأن هذا اللفظ يدل على أنهم في الكمال اللائق بالبشر فاقوا غيرهم، ولا جرم يجب على كل من سواهم الاقتداء بهم. (والمهم الثالث) من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت. واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة، فالاعتماد فيها على حرف واحد، وهو أنه إله العالم غني رحيم، والغني الرحيم لا يعذب، فنبه على هذا الحرف بقوله: (والحمد لله رب العالمين) وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحصل إلا بالإنعام العظيم، فبين بهذا كونه منعما، وظاهر كونه غنيا عن العالمين، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم، فكان هذا الحرف منبها على سلامة الحال بعد الموت. فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة المحتوية على درر أشرف من درر الكواكب. ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والعافية في الدنيا والآخرة)). والحمد لله رب العالمين.

2434

التفسير التربوي لسورة ص

قال القرطبي في التفسير: «سورة ص: مكية في قول الجميع، وهى ست وثمانون آية، وقيل ثمان وثمانون آية».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة مكية، تعالج من موضوعات السور المكية قضية التوحيد، وقضية الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقضية الحساب في الآخرة. وتعرض هذه القضايا الثلاث في مطلعها الذي يؤلف الشوط الأول منها. وهو الآيات الكريمة التي فوق هذا الكلام. وهي تمثل الدهش والاستغراب والمفاجأة التي تلقى بها كبار المشركين في مكة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم إلى توحيد الله، وإخبارهم بقصة الوحي واختياره رسولا من عند الله، كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذاب. لقد استكثروا أن يختار الله سبحانه رجلا منهم، لينزل عليه الذكر من بينهم، وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبد الله، الذي لم تسبق له رياسة فيهم ولا إمارة! ومن ثم ساءلهم الله في مطلع السورة تعقيبا على استكثارهم هذا واستنكارهم، ساءلهم ليقول لهم: إن رحمة الله لا يمسكها شيء إذا أراد الله أن يفتحها على من يشاء، وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض، وإنما يفتح الله من رزقه ورحمته على من يشاء، وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير، وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد، ولا حد، ولا حساب. وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان، وما أغدق الله عليهما من النبوة والملك، ومن تسخير الجبال والطير، وتسخير الجن والريح، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع. وهما مع هذا كله بشر من البشر، يدركهما ضعف البشر وعجز البشر، فتتداركهما رحمة الله ورعايته، وتسد ضعفهما وعجزهما، وتقبل منهما التوبة والإنابة، وتسدد خطاهما في الطريق إلى الله. وجاء مع القصتين توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين، والتطلع إلى فضل الله ورعايته كما تمثلها قصة داود وقصة سليمان. كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء الله للمخلصين من عباده بالضراء، وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع، وتصور حسن العاقبة، وتداركه برحمة الله، تغمره بفيضها، وتمسح على آلامه بيدها الحانية. وفي عرضها تأسية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة، وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة تفيض من خزائن الله عندما يشاء. وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة، ويؤلف الشوط الثاني منها. كذلك تتضمن السورة ردا على استعجالهم بالعذاب، فيعرض بها بعد القصص مشهد من مشاهد القيامة، يصور النعيم الذي ينتظر المتقين، والجحيم التي تنتظر المكذبين، ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء، حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزأون بهم في الأرض ويسخرون، ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة الله، وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء. وبينما المتقون لهم حسن مآب، فإن للطاغين لشر مآب، وهم يتلاعنون في جهنم ويتخاصمون ، ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين، فإنهم لا يجدونهم في جهنم، وقد عُرف أنهم هنالك في الجنان! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء! وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة. كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الوحي، ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى، حيث لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا، إنما هو إخبار الله له بما كان، مما لم يشهده غير آدم إنسان، وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس وذهب به إلى الطرد واللعنة هو حسده لآدم عليه السلام واستكثاره أن يؤثره الله عليه ويصطفيه. كما أنهم هم يستكثرون على محمد صلى الله عليه وسلم أن يصطفيه الله من بينهم بتنزيل الذكر، ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين! وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم : إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده، ولا يطلب عليه أجرا، وإن له شأنا عظيما سوف يتجلى».

2435