التفسير التربويالجزء 1 · ص 2444 - 2451

الآيات 9-11

الآيات 9-11

(9) و (10) و (11) قوله تعالى: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب. أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب. جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب). فيه تربية على بطلان التحكم على الله بالقول: إن محمدا ليس نبيا وإن النبوة يجب أن تكون لفلان أو لفلان، وذلك أن قائل هذا القول يجب أن يكون إلها كي يحدد لمن تكون النبوة ولمن لا تكون، أو يكون مالكا للسماء والأرض يصرف أمورها بما يراه صوابا. وفيه تأكيد على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الإخبار عن إحدى الغيبيات وهي صعود الناس إلى السماء والحرب فيها والهزيمة لأحد الأطراف المتحاربة، وهذا ما حصل في القرن العشرين من خلال حرب النجوم، وما قد يحصل في المستقبل. فقوله تعالى: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب) يعني: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا عليه الصلاة والسلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة، وأم: بمعنى التقريع، والمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء لأن له خزائن السماوات والأرض. (أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما) أي فإن ادعوا ذلك (فليرتقوا في الأسباب) يعني: فليمضوا إلى السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، يقال: رقي يرقى إذا صعد، ورقى يرقي من الرقية، والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره، وقيل: فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة، وقيل: الأسباب الحبال، يعني إن وجدوا حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. ثم وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال: (جند ما هنالك مهزوم) يعني: مقموع ذليل، يقال: هزمت القربة إذا انكسرت، وهزمت الجيش كسرته. والمعنى: جند من الأحزاب مهزومون، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم، وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: (هنالك) إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم.

2444

الآيات 12-14

(12) و (13) و (14) قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب. إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب). فيه تحذير من مآل التكذيب للرسل من خلال التذكير بمصائر الأمم المكذبة وما حصل لها من الهلاك والدمار والزوال بعد القوة والجبروت والعتي. فقوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد) هذا تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له، أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد، فقيل: المعنى ذو البناء المحكم، وكان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. وقيل: ذو القوة والبطش، فكان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت. (وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة) يعني: الغيضة (أولئك الأحزاب) يعني: هم الموصوفون بالقوة والكثرة. (إن كل) يعني: ما كل (إلا كذب الرسل فحق عقاب) يعني: فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب.

2445

الآية 15

(15) قوله تعالى: (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق). فيه تحذير من مآل قريش في تكذيبها لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهو تحذير خاص بعد تحذير عام، ومضمونه: إن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فإن هلاكهم واقع بهم لا محالة سواء كان بصيحة كونية أو كان بصيحة قتالية. فقوله تعالى: (وما ينظر) يعني: وما ينتظر (هؤلاء) يعني: كفار مكة (إلا صيحة واحدة) يعني: نفخة الموت، وقيل: وما ينتظر هؤلاء إلا الصيحة التي هي نفخة البعث (ما لها من فواق) يعني: من ترداد، وقيل: ما لها رجوع، وقيل: ما لها من تثنية.

2446

الآيات 16-17

(16) و (17) قوله تعالى: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب). فيه تربية على الصبر وعلى التأسي بالأنبياء في مواجهة شبهات الكافرين واستهزائهم باليوم الآخر، حيث استعجل الكافرون العذاب في الدنيا قبل يوم القيامة تكذيبا به واستهزاءا بقائله. وفيه تربية على التوبة المتواصلة تأسيا بداود عليه السلام. فقوله تعالى: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا) يعني: نصيبنا من العذاب، وقيل: نصيبنا من النعيم (قبل يوم الحساب) يعني: قبل يوم القيامة، وهذا منهم استهزاء وتكذيب بالآخرة. (اصبر على ما يقولون) أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على الاستهزاء (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء، ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيص الأنبياء، لتكون برهانا على صحة نبوتك. وقوله: (عبدنا) هذا إظهار لشرفه بهذه الإضافة (ذا الأيد) يعني: ذا القوة في العبادة، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم وأفضله، وكان يصلى نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى (إنه أواب) يعني: كثير التوبة، فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر، فهو أهل لأن يقتدى به. وقيل: كلما ذكر ذنبه أو خطر بباله ذنب استغفر الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (مسلم).

2447

الآيات 18-20

(18) و (19) و (20) قوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب. وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). فيه تربية على الصبر وعلى التوبة المتواصلة بالرجوع الدائم إلى الله من خلال بيان ما حصل لداود عليه السلام من النعم على هذه الخصال، فقد سخر الله له الجماد والطير، وآتاه الله الملك والفقه في الدين والقدرة المتميزة في القضاء بين الناس. فقوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن) ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه، فكان داود إذا ذكر الله تعالى ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقيل: (يسبحن) يعني: يصلين، وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه (بالعشي والإشراق) يعني: قبل غروب الشمس وبعد طلوعها. وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى بصلاة الإشراق فقال ابن عباس أنه: كنت أمر بهذه الآية: (بالعشي والإشراق) ولا أدري ما هي، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» (الحاكم في المستدرك). وقوله: (والطير محشورة) معطوف على الجبال (كل له أواب) فكان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه حشرها. (وشددنا ملكه) يعني: قويناه حتى ثبت، فقيل: بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب، وقيل: بكثرة الجنود، وقيل: بالتأييد والنصر (وآتيناه الحكمة) يعني: النبوة، وقيل: العلم والفقه (وفصل الخطاب) يعني: الفصل في القضاء، وقيل: البيان الفاصل بين الحق والباطل. قال القرطبي: ((قال القاضي أبو بكر بن العربي: فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد، وفصل منه مؤكد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام، ففي الحديث: (أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال، عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء. يروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم حفرة للأسد، فوقع فيها الأسد، وازدحم الناس على الحفرة فوقع فيها رجل وتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا أربعة، فجرحهم الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال، قال فأتيتهم فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس! تعالوا أقض بينكم بقضاء، فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحق بالقضاء. فجعل للأول ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية، وجعل للثالث نصف الدية، وجعل للرابع الدية، وجعل الديات على من حفر الحفرة على قبائل الأربع، فسخط بعضهم ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة، فقال: (أنا أقضي بينكم) فقال قائل: إن عليا قد قضى بيننا، فأخبروه بما قضى علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القضاء كما قضى علي) وفي رواية: فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء علي. وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى، وكان قاضيا بالكوفة، جلد امرأة مجنونة قالت لرجل: يا بن الزانيين حدين في المسجد وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي: وهذا الذي قال أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالرؤية إلا العلماء. فأما قضية علي فلا يدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف المتمادي. وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة، فله الدية بما قتل، وعليه ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان بالاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة. وأما الثالث فله نصف الدية وعليه النصف، لأنه قتل واحدا بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأول أن المجنون لا حد عليه، لأن الجنون يسقط التكليف. وهذا إذا كان القذف في حالة الجنون، وأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في حالة إفاقته. والثاني قولها يا بن الزانيين فجلدها حدين لكل أب حد، فإنما خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حد القذف يتداخل، لأنه عنده حق لله تعالى كحد الخمر والزنا، وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان أن الحد بالقذف حق للآدمي، فيتعدد بتعدد المقذوف. والثالث أنه جلد بغير مطالبة المقذوف، ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله تعالى، ومن يقول إنه حق الآدمي. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي، إذ لو كان حقا لله لما توقف على المطالبة كحد الزنى. والرابع أنه والى بين الحدين، ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما، بل يحد لأحدهما ثم يترك حتى يندمل الضرب، أو يستبل المضروب ثم يقام عليه الحد الآخر. والخامس أنه حدها قائمة، ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة. والسادس أنه أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعا. قال القاضي: فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء، الذي وقعت الإشارة إليه على التأويلات في الحديث المروي: أقضاكم علي)).

2448

الآية 21

(21) قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب). فيه تربية على الخطاب من خلال أسلوب الاستفهام، وفائدة هذا الاستفهام هنا التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون ذلك داعيا إلى الإصغاء لها والاعتبار بها. وفيه بيان أن المحراب في الأمم السابقة هو غرفة في البيت تكون مخصصة للعبادة والصلاة وتكون مرتفعة عادة عن بقية البيت، وهذا بخلاف المحراب عندنا لأنه المكان الذي يقف فيه الإمام للصلاة. فقوله تعالى: (وهل أتاك) يعني: يا محمد (نبأ الخصم) والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، لأن أصله المصدر (إذ تسوروا المحراب) يعني: أتوه من أعلى سوره، يقال: تسور الحائط تسلقه إذا تسلقه، والسور: حائط المدينة، وكذلك السور جمع سورة وهي كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى. والمحراب هنا الغرفة، لأنهم تسوروا عليها، وقيل: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد.

2449

الآية 22

(22) قوله تعالى: (إذا دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط). فيه تربية على الآداب في دخول البيوت كالاستئذان والدخول من الأبواب، وهذا ما لم يفعله الخصمان في الدخول على داود عليه السلام. وفيه تربية على الاعتذار من الآخرين في حال الخطأ معهم كما فعل الخصمان مع داود عليه السلام. وفيه تربية على التواضع في الخصومة من خلال عدم ادعاء الحقيقة المطلقة في حال الاختلاف عليها مع الآخر. وفيه تربية على السعي في طلب الحق والعدل والهداية. فقوله تعالى: (إذ دخلوا على داود) والراجح أنهما إنسيان أخطآ في الاستئذان (ففزع منهم) لأنهما أتياه في غير وقت دخول الخصوم أو لدخولهما عليه بغير إذنه أو لأنهما تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب. قال القرطبي: ((إن قيل: لم فزع داود وهو نبي، وقد قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما أتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والإذاية ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا: (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) فقال الله عز وجل: (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى). وقالت الرسل للوط: (لا تخف إنا رسل ربك لن يصلوا إليك)). وقوله: (قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) يعني: نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض، والبغي: التعدي والخروج عن الواجب، يقال: بغى الجرح إذا أفرط وجعه وترامى إلى ما يفحش (فاحكم بيننا بالحق) يعني: بالعدل (ولا تشطط) يعني: ولا تجر، والأصل فيه البعد من شطت الدار إذا بعدت (واهدنا إلى سواء الصراط) يعني: وأرشدنا إلى قصد السبيل.

2450

الآيات 23-24

(23) و (24) قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب. قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب). فيه تربية على أنه ليس من العدالة الحكم بين متخاصمين بالسماع إلى أحدهما فقط مهما كانت الحقيقة واضحة من أحدهما، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه داود عليه السلام في الحكم بين المتخاصمين وإن كان مصيبا في الحكم من خلال سماع أحدهما فقط. وفيه تربية على أن الغالب في الشركاء هو البغي من أحدهما على الآخر إلا الشركاء المؤمنين العاملين الذين يعملون الصالحات، وفي هذا تحذير من الشراكة مع غير المؤمن لأن الغالب فيه عدم الأمانة لانعدام الإيمان، وكذلك مع المؤمن الذي لا يعمل الصالحات. فقوله تعالى: (إن هذا أخي) يعني: على ديني، وأشار إلى المدعى عليه، وقيل: أخي أي صاحبي (له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها) يعني: أعطنيها حتى أكفلها (وعزني في الخطاب) يعني: غلبني. (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) قال النحاس: يقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببينة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أولم يكن. وفيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» (أحمد). وقوله: (وإن كثيرا من الخلطاء) يعني: الأصحاب، وقيل: الشركاء (ليبغي بعضهم على بعض) يعني: يتعدى ويظلم (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإنهم لا يظلمون أحدا (وقليل ما هم) يعني: الصالحين (وظن داود) يعني: أيقن (أنما فتناه) يعني: ابتليناه (فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) يعني: لما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أنه أخطأ وقصر في نفس الأمر فاستغفر ربه وخر راكعا لله تعالى شكرا على أن عصمه، بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئا من انتهار أو ضرب أو غيرهما. فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم، والمبادرة إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. والركوع هنا هو السجود. قال القرطبي: «قال مالك: وينبغي للقضاة مشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يستقضي حتى يكون عالما بآثار من مضى، مستشيرا لذوي الرأي، حليما نزها. قال: ويكون ورعا. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظا كثير الحذر من الحيل، وأن يكون عالما بالشروط، عارفا بما لا بد له منه من العربية، فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له. وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب: أبقيت لك حجة؟ فإن قال لا حكم عليه، ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجه أو بينة».

2451