التفسير التربويالجزء 1 · ص 2452 - 2459

الآية 25

الآية 25

(25) قوله تعالى: (فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). فيه تربية على نسبية الخطأ، فما هو خطأ بالنسبة لنا هو بمثابة الذنب بالنسبة للأنبياء ويحتاج للاستغفار كالحكم بين متخاصمين بالسماع من أحدهما دون الآخر، وهذا كمن يجتهد من دون علم فهو مخطئ وإن أصاب. فقوله تعالى: (فغفرنا له ذلك) يعني: فغفرنا له خطأه (وإن له عندنا لزلفى) يعني: قربة من الله تعالى بعد المغفرة (وحسن مآب) يعني: المرجع الحسن وهو الجنة.

2452

الآية 26

(26) قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب). فيه تربية للمؤمنين على دورهم العام في الحياة وهو الخلافة في الأرض، والحكم بين الناس بالحق، وعدم اتباع الهوى. وفيه تحذير من الضلال عن سبيل الله ونسيان منهجه والبعد عن سبيله من خلال الوعيد عليه بالعذاب الشديد يوم القيامة. فقوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) يعني: ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين (فاحكم بين الناس بالحق) يعني: بالعدل، وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود هو الحكم لأحد المتخاصمين دون سماع من الآخر وليس ذلك بعدل، فقيل له بعد هذا: فاحكم بين الناس بالعدل (ولا تتبع الهوى) يعني: لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله (فيضلك عن سبيل الله) يعني: عن طريق الجنة (إن الذين يضلون عن سبيل الله) يعني: يحيدون عنها ويتركونها (لهم عذاب شديد) في النار (بما نسوا يوم الحساب) يعني: بما تركوا من سلوك طريق الله، فقوله: (نسوا) أي تركوا الإيمان به، أو تركوا العمل به فصار كالناسين. قال القرطبي: ((هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه، لأن الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر، قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له: احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده، فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال: (من يشهد لي) فقام خزيمة فشهد فحكم. خرج هذا الحديث أبو داود وغيره)).

2453

الآية 27

قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ (ص: 27)

(27) قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار). هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة، وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم، فإما أن يقال: إنه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا لهذا ولا لهذا، والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضا باطل لأن هذه الحالة حاصلة حين كانوا معدومين، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للإنفاع. وهذا الإنفاع إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة، فلم يبق إلا القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيوية، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة. فثبت بما ذكرنا أنه تعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا، وإذا لم يكن خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنشر لازما، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان منكرا لحكمة الله في خلق السماء والأرض. فقوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) يعني: هزلا ولعبا، أي ما خلقنا هما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا (ذلك ظن الذين كفروا) يعني: حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلا (فويل للذين كفروا من النار).

2454

الآية 28

(28) قوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار). فيه تربية على أنه لا يستوي المصلح مع المفسد ولا التقي مع الفاجر، وذلك أننا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والمرض وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بالحكيم الرحيم، فثبت أن الحشر والنشر واجب لإقامة العدل والإنصاف. فقوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) توبيخ لمن يسوي بين المصلح والمفسد أو يسوي بين التقي والفاجر، وهو استفهام والمراد منه إنكار المساواة بين شيئين لا يستويان، وهو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين، وفيه رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد.

2455

الآية 29

(29) قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب). فيه تربية على أن القرآن كتاب شريف فاضل ليس فيه إلا منفعة الناس ومصلحتهم في الدنيا والآخرة، وأنه تعالى أنزل هذا الكتاب لكي يتفهمه الناس وتحصل لهم العظة والعبرة، وأن من لم يتدبر القرآن لم يقف على هذه الأسرار العجيبة المذكورة فيه. فقوله تعالى: (كتاب) يعني: هذا كتاب (أنزلناه إليك مبارك) يا محمد (ليدبروا) يعني: ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال، وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من التغني، إذ لا يصح التدبر مع التغني. وقيل: تدبر آيات الله اتباعها (وليتذكر أولو الألباب) يعني: أصحاب العقول.

2456

الآية 30

(30) قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب). فيه تربية على صفتين كريمتين يجب أن يتصف بهما كل مؤمن وعما: العبودية لله تعالى والتوبة إليه في كل حال، لأنه تعالى امتدح سليمان عليه السلام بهما. فقوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان) لما ذكر داود ذكر سليمان (نعم العبد) امتدحه على العبودية لله تعالى (إنه أواب) يعني: مطيع. وهذا يدل على أنه إنما كان (نعم العبد) لأنه كان أوابا، ومنه كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفاً بأنه (نعم العبد)، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أوابا.

2457

الآيات 31-34

(31) و (32) و (33) و (34) قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها عليّ فطفق مسحا بالسوق والأعناق. ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب). فيه تربية على السلوك الإيماني الواجب على كل مسلم في أي ابتلاء اقتداء بسليمان عليه السلام وهو التوبة السريعة إلى الله تعالى والرجوع إليه والدعاء وطلب المغفرة والمبادرة إلى الإصلاح. فقوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد) الصافنات: القائمات، وصفونها قيامها، والصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها. وقيل: صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث. والجياد يعني الخيل جمع جواد للذكر والأنثى إذا كان شديد العدو، كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها. (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) يعني: بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتعاقب بين الراء واللام، فتقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت، وفي الحديث: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (البخاري) فكأنها سميت خيرا لهذا، وفي الحديث: لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «بل أنت زيد الخير» (الطبراني في الكبير) وهو زيد بن مهلهل الشاعر. والمعنى: إني آثرت حب الخير فألهاني عن ذكر ربي (حتى توارت بالحجاب) يعني: الشمس فهي كناية عن غير مذكور، وهذا كقوله تعالى: (ما ترك على ظهرها من دابة) (فاطر: 45) أي على ظهر الأرض. والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب الليل، سمي حجابا لأنه يستر ما فيه. وقيل: (حتى توارت) يعني: الخيل في المسابقة، وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة، لأن الشمس لم يجر لها ذكر. (ردوها علي) يعني: أمر سليمان بإحضار الخيل بين يديه (فطفق مسحا بالسوق والأعناق) يعني: فأقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، والجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله، وأما القول بقتلها فإنه لا يصح لأن في ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. (ولقد فتنا سليمان) يعني: ابتلينا وعاقبنا (وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) قال المفسرون: أصح ما روي في تفسير هذه الآية أن سليمان عليه السلام أكثر من وطئ جواريه طلبا للولد، فولد له نصف إنسان، فهو الجسد الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك، وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون». وقوله: (ثم أناب) يعني: رجع إلى الله وتاب. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة، وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان، كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما، فهي إما إسرائيليات منكرة، وإما تأويلات لا سند لها، ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصورا يطمئن إليه قلبي فأصوره هنا وأحكيه، ولم أجد أثرا صحيحا أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح، صحيح في ذاته ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة. هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعا، ونصه: (قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون). وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال، أما قصة الخيل فقيل: إن سليمان عليه السلام استعرض خيلا له بالعشي، ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب، فقال: ردوها عليّ، فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه. ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراما لها لأنها كانت خيلا في سبيل الله، وكلتا الروايتين لا دليل عليها، ويصعب الجزم بشيء عنها. ومن ثم لا يستطيع متثبت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن. وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان عليه السلام في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم ويبعد خطاهم عن الزلل، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع، وطلب المغفرة، واتجه إلى الله بالدعاء والرجاء)).

2458

(35ــ 40) قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد. هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). فيه تربية على أن التوبة النصوح إلى الله تعالى والتفويض الصادق إليه هو سبب في إجابة الدعاء وبلوغ المنزلة الرفيعة في الدنيا والمرجع الحسن يوم القيامة، وهذا ما حصل لسليمان عليه السلام حيث أنعم الله تعالى عليه بالريح معجزة وبتسخير الشياطين للعمل في خدمته وبالعطاء الذي لا يحصيه عد في الدنيا وبالمكانة العالية في الجنة يوم القيامة. فقوله تعالى: (قال رب اغفر لي) يعني: اغفر لي ذنبي (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) قال القرطبي: ((يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟. فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: (إني أعلم ما لا تعلمون) (البقرة: 30) وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطى سليمان المملكة)). وقوله: (إنك أنت الوهاب) لما طلب سليمان عليه السلام الهبة من الله توسل باسمه تعالى: (الوهاب) لأن ذلك أرجى في الإجابة. (فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء) يعني: لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه (حيث أصاب) يعني: أراد، والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب، أي أراد الصواب وأخطأ الجواب، وقيل: (حيث أصاب) حينما قصد، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. (والشياطين كل بناء وغواص) يعني: وسخرنا له الشياطين وما سخرت لأحد قبله (كل بناء) يعني: كل بناء منهم، فهم يبنون له ما يشاء (وغواص) يعني: في البحر، يستخرجون له الدر. (وآخرين مقرنين في الأصفاد) يعني: وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في سلاسل الحديد وقيود الحديد. (هذا عطاؤنا) الإشارة بهذا إلى الملك، أي هذا الملك عطاؤنا (فامنن أو أمسك بغير حساب) يعني: فأعط من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك. (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) يعني: إن أنعمنا عليه في الدنيا فله عندنا في الآخرة قربة وحسن مرجع.

2459