التفسير التربويالجزء 1 · ص 2460 - 2468

الآيات 41-44

الآيات 41-44

(41) و (42) و (43) و (44) قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدنه صابرا نعم العبد إنه أواب). اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة بعد قصة داود وقصة سليمان، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار، فكأن الله تعالى يقول لرسوله وللمؤمنين: اصبروا على سفاهة أقوامكم، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام، فتأملوا في أحوال هؤلاء لتعرفوا أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره، وأن الابتلاء كما يكون بالنعم كذلك يكون بالمكاره. فقوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأيوب عليه السلام في الصبر على المكاره (إذ نادى ربه أني مسني الشيطان) نسب المرض إلى الشيطان أدبا مع الله تعالى (بنصب) يعني: بتعب وإعياء (وعذاب) يعني: مرض. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله. (اركض برجلك) والركض: الدفع بالرجل (هذا مغتسل بارد وشراب) يعني: فركض فنبعت عين ماء، فاغتسل به فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. (ووهبنا له أهله) يعني: أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء، وقيل: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا (ومثلهم معهم) يعني: متعه تعالى بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كانوا (رحمة منا) يعني: نعمة منا، على سبيل الفضل والرحمة لا على سبيل اللزوم (وذكرى لأولي الألباب) يعني: عبرة لذوي العقول، وفيه تنبيه لذوي العقول على أنه: من صبر ظفر. (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) قال المفسرون: كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة لأنها باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقوله: (ولا تحنث) يعني: بيمينك (إنا وجدناه صابرا) يعني: على البلاء (نعم العبد إنه أواب) يعني: تواب رجاع مطيع.

2460

الآيات 45-64

(45) و (46) و (47) و (48) قوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار). فيه تربية على أن العبودية التامة لله تعالى هي مما مكانة شريفة لصاحبها ويثاب عليها في الدنيا كما يثاب عليها في الآخرة، ففي الدنيا يكون لصاحبها الثناء الشريف والذكر الحسن على مر العصور، وفي الآخرة يكون لصاحبها الاصطفاء من الله والمكانة الخيرة. وفيه تربية على الاقتداء بالأنبياء كما قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (الأنعام: 90). فقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي) يعني: أصحاب القوة في الدين، وقيل: أصحاب النعم والإحسان (والأبصار) يعني: البصائر في الدين والعلم. (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) يعني: إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا فيها ويرغبوا الناس فيها. وقيل: المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقيل: خصصناهم بالنبوة يذكرون بها. (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) يعني: الذين اصطفاهم من الناس واختارهم لرسالته. (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار) يعني: ممن اختير للنبوة.

2461

(49ــ 54) قوله تعالى: (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة لهم الأبواب. متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب. وعندهم قاصرات الطرف أتراب. هذا ما توعدون ليوم الحساب. إن هذا لرزقنا ماله من نفاد). فيه تربية بالتنبيه من خلال استخدام هاء التنبيه مع اسم الإشارة، وهذا الأسلوب لم أجده في غير هذه السورة، والمراد منه التنبيه على ما يرد من الكلام وعلى أهميته إضافة إلى بيان افتراقه عن الذي قبله، فإنه تعالى ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على تحمل سفاهة قومه، وأراد أن يذكر بعده طريقا آخر يوجب الصبر على سفاهة الجهال، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر، قال: (هذا ذكر). وفيه ترغيب بالإيمان والعمل الصالح من خلال الوعد بدخول الجنة والتنعم في خيراتها من النساء والشراب والفاكهة، ودوام هذا النعيم وعدم انقطاعه إضافة إلى وفرته وكثرته. فقوله تعالى: (هذا ذكر) يعني: هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبدا (وإن للمتقين لحسن مآب) يعني: لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة. ثم بين ذلك بقوله تعالى: (جنات عدن) والعدن في اللغة الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله بن عمر: إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد (مفتحة لهم الأبواب) يعني: أبواب الجنات مفتحة للمتقين. (متكئين فيها) والاتكاء هو جلسة الاستراحة عند الناس (يدعون فيها) يعني: يدعون في الجنات (بفاكهة كثيرة) يعني: بألوان الفواكه (وشراب) يعني: ويدعون بشراب كثير. (وعندهم قاصرات الطرف) يعني: على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم (أتراب) يعني: على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، وقيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة. (هذا ما توعدون ليوم الحساب) يعني: هذا الجزاء الذي وعدتم به. (إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) يعني: نعيم الجنة دائم لا ينقطع.

2462

(55ــ 58) قوله تعالى: (هذا وإن للطاغين لشر مآب. جهنم يصلونها فبئس المهاد. هذا فليذوقوه حميم وغساق. وآخر من شكله أزواج). وفيه تربية بالتنبيه من خلال استخدام هاء التنبيه مع اسم الإشارة، والمراد منه التنبيه على ما يرد من الكلام إضافة إلى بيان افتراقه عن الذي قبله، فإنه تعالى ذكر أحوال أهل النار بعد أن ذكر أحوال أهل الجنة، فلما وصف ثواب المتقين، وصف بعده عقاب الطاغين، ليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد، والترهيب بعد الترغيب. وفيه تربية بالترهيب من الكفر والطغيان من خلال الوعيد عليهما بالنار وما فيها من العذاب. فقوله تعالى: (هذا وإن للطاغين لشر مآب) لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين (وإن للطاغين) وهم الذين كذبوا الرسل (لشر مآب) يعني: لشر منقلب يصيرون إليه. ثم بين ذلك بقوله: (جهنم يصلونها فبئس المهاد) يعني: بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم، ومنه مهد الصبي. (هذا فليذوقوه حميم وغساق) والحميم: هو الطعام الذي يحرق من شدة حره، والغساق: هو الطعام الذي يكوي من شدة برده. وقيل: الحميم: الطعام الحار، والغساق: الشراب المنتن. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شئ بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شئ في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غسق الجرح إذا خرج منه ماء أصفر. (وآخر من شكله) يعني: من نوع الحميم والغساق (أزواج) يعني: أصناف وألوان من العذاب.

2463

(59ــ 64) قوله تعالى: (هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار. قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار. قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار. وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كما نعدهم من الأشرار. أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار. إن ذلك لحق تخاصم أهل النار). واعلم أنه تعالى لما وصف مساكن الطاغين وشرابهم وطعامهم ذكر أحوالهم مع الذين كانوا أحباء لهم في الدنيا أولا، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانيا. فقوله تعالى: (هذا فوج مقتحم معكم) وذلك أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: (هذا فوج) يعني: من الأتباع، والفوج: الجماعة (مقتحم معكم) يعني: داخل النار معكم، فتقول السادة: (لا مرحبا بهم) يعني: لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب: السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره، وهو في مذهب الدعاء، والعرب تقول: لا مرحبا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت (إنهم صالوا النار) قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالو النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة. (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم) وهو من قول الأتباع (أنتم قدمتموه لنا) يعني: دعوتمونا إلى العصيان (فبئس القرار) يعني: لنا ولكم. (قالوا) يعني: الأتباع (ربنا من قدم لنا هذا) يعني: من سوغ لنا هذا وسنه بدعائه إيانا إلى المعاصي (فزده عذابا ضعفا في النار) يعني: عذابا على الفعل وعذابا على الدعاء إلى الفعل. (وقالوا) يعني: أكابر المشركين (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار) يريدون: المؤمنين بالله. (أتخذناهم سخريا) يعني: في الدنيا فأخطأنا (أم زاغت عنهم الأبصار) يعني: فلم نعلم مكانهم. وقيل: كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى (أم زاغت عنهم الأبصار) يعني: أهم معنا في النار ولا نراهم. (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) يعني: إن تخاصم أهل النار في النار حق.

2464

الآيات 65-66

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين﴾ (ص: 65-66)

(65) و (66) قوله تعالى: (قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار. رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار). قال الرازي في الترتيب التربوي لآيات هذه السورة: ((اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله الواحد، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن القول بالقيامة حق، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤوا بقوله. ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين: (الأول) ليصير ذلك حاملا لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم. (والثاني) ليصير ذلك رادعا للكفار عن الإصرار على الكفر والسفاهة وداعيا إلى قبول الإيمان. ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث، فقال: قل يا محمد إنما أنا منذر، ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار. فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولا ويجاب عنها، ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا هنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدم على إثبات ما ينبغي، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم)). فقوله تعالى: (قل إنما أنا منذر) يعني: مخوف عقاب الله لمن عصاه (وما من إله) يعني: معبود (إلا الله الواحد) الذي لا شريك له (القهار) الغالب لكل شيء. (رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز) يعني: المنيع الذي لا مثل له (الغفار) يعني: الساتر لذنوب خلقه.

2465

الآيات 67-68

(67) و (68) قوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون). فيه ترغيب بالنظر والاستدلال ومنع من التقليد في مسائل التوحيد والنبوة والبعث، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإنه بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبواب الشقاوة، فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالتساهل والمسامحة، وأن يكون طريقه إليها النظر والاستدلال، والبعد عن الإهمال والإعراض. فقوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم) يعني: قل لهم يا محمد (هو نبأ عظيم) يعني: ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يستخف به. وقيل: القرآن الذي أنبئكم به خبر جليل وعظيم المنفعة. (أنتم عنه معرضون) تحذير من الإعراض عن القرآن والنبوة والوحي لما في ذلك من الشقاء في الدنيا والآخرة.

2466

الآيات 69-70

(69) و (70) قوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون. إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين). فيه تربية على الأدب النبوي في التعاطي مع الأمور الغيبية، وهو الاقتصار فيها على الوحي والبعد عن الظن والتخمين والرجم بالغيب، فالمسلم لا يقف ما ليس له به علم وخاصة في الأمور الغيبية. فقوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون) قال المفسرون: الملأ الأعلى هم الملائكة، اختصموا في أمر آدم حين خلقه الله، فقالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها) (البقرة: 30)، وفي هذا بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه. وقيل: الاختصام في الكفارات والدرجات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألني ربي فقال: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: وما الدرجات؟ قلت: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» (الترمذي وقال: حديث حسن صحيح). (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) يعني: ما يوحى إلي إلا الإنذار.

2467

(71ــ 76) قوله تعالى: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر، وذلك لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمدا عليه الصلاة والسلام بسبب الحسد والكبر، فالله تعالى ذكر هذه القصة هنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين. وفيه تربية على أن الكبر هو نتيجة للحسد، والحسد مقدمة للكبر وربما لغيره، فكأن الحسد هو الباطن والكبر هو الظاهر. وفيه تربية على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هي المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر. فقوله تعالى: (إذ قال ربك للملائكة) يعني: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى حين يختصمون حين (قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين) يعني: من جنس الطين أو من بعض الطين. (فإذا سويته) يعني: خلقته (ونفخت فيه من روحي) يعني: من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري (فقعوا له ساجدين) وهو سجود تحية لا سجود عبادة. (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) يعني: امتثلوا الأمر وسجدوا احتراما لآدم وطاعة لله. (إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) يعني: أنف من السجود له جهلا بأن السجود طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبار وكفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. (قال يا إبليس ما منعك) يعني: ما صرفك وصدك (أن تسجد) يعني: عن السجود (لما خلقت بيدي) أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شيء، وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم (أستكبرت) يعني: عن السجود (أم كنت من العالين) يعني: من المتكبرين على الله. والاستفهام بالهمزة والميم هو للتقرير والتوبيخ، والمعنى: استكبرت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، وكنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. (قال أنا خير منه) يعني: أفضل منه، وأصلها أخير فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال (خلقتني من نار وخلقته من طين) يعني: كلن إبليس يظن أن النار أفضل من الطين وهذا ما دفعه إلى رفض السجود لآدم، وهذا جهل منه لأن الجواهر متجانسة، فقاس وأخطأ القياس.

2468