الآيات 41-44
(41) و (42) و (43) و (44) قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدنه صابرا نعم العبد إنه أواب). اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة بعد قصة داود وقصة سليمان، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار، فكأن الله تعالى يقول لرسوله وللمؤمنين: اصبروا على سفاهة أقوامكم، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام، فتأملوا في أحوال هؤلاء لتعرفوا أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره، وأن الابتلاء كما يكون بالنعم كذلك يكون بالمكاره. فقوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأيوب عليه السلام في الصبر على المكاره (إذ نادى ربه أني مسني الشيطان) نسب المرض إلى الشيطان أدبا مع الله تعالى (بنصب) يعني: بتعب وإعياء (وعذاب) يعني: مرض. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله. (اركض برجلك) والركض: الدفع بالرجل (هذا مغتسل بارد وشراب) يعني: فركض فنبعت عين ماء، فاغتسل به فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. (ووهبنا له أهله) يعني: أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء، وقيل: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا (ومثلهم معهم) يعني: متعه تعالى بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كانوا (رحمة منا) يعني: نعمة منا، على سبيل الفضل والرحمة لا على سبيل اللزوم (وذكرى لأولي الألباب) يعني: عبرة لذوي العقول، وفيه تنبيه لذوي العقول على أنه: من صبر ظفر. (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) قال المفسرون: كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة لأنها باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقوله: (ولا تحنث) يعني: بيمينك (إنا وجدناه صابرا) يعني: على البلاء (نعم العبد إنه أواب) يعني: تواب رجاع مطيع.