التفسير التربويالجزء 1 · ص 2573 - 2580

الآيات 30-32

الآيات 30-32

(30) و (31) و (32) قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم). فيه تربية على الاستقامة في جميع مجالات الحياة وفي القلب والقول والعمل باعتبارها التعبير الصادق عن الإيمان، وذلك من خلال الوعد الطيب في الدنيا وحين الموت وفي الآخرة، فثمرة الاستقامة في الحياة الدنيا هي الراحة النفسية والمتعة الجسدية والولاية الربانية، وثمرة الاستقامة حين الموت هي نزول ملائكة الرحمة لقبض الروح مع التطمين من الخوف والحزن ومع التبشير بالجنة، وثمرة الاستقامة في الآخرة هي الولاية الربانية ودخول الجنة والمقام الرفيع وتحقيق الأمنيات والمشتهيات. فقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) أخرج الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) ثم قال: «قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام» (الترمذي وقال: هذا حديث غريب). وأخرج مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» (مسلم والترمذي). فقوله: (ثم استقاموا) يعني: لم يشركوا بالله شيئا، وقيل: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة، وقال عمر رضي الله عنه: استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يرغوا روغان الثعالب، وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله، وقال علي رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض (تتنزل عليم الملائكة) يعني: عند الموت، وقيل: في قبورهم، وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث (ألا تخافوا) يعني: ما تستقبلونه من أحوال القيامة (ولا تحزنوا) يعني: على ما فاتكم من أحوال الدنيا (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) يعني: أبشروا بصدق الوعد. (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) يعني: تقول لهم الملائكة ذلك، ومعنى (نحن أولياؤكم): نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة (ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم) يعني: من الملاذ (ولكم فيها ما تدعون) يعني: ما تسألون. (نزلا) يعني: رزقا وضيافة، وقيل: منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلا (من غفور) يعني: يستر على الذنوب (رحيم) يعني: يعفو عن التائبين.

2573

الآية 33

(33) قوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين). فيه ترغيب بالدعوة إلى الله باعتبارها أحسن الأقوال، والعمل الصالح باعتباره أفضل الأعمال، وإعلان الانتماء إلى الإسلام باعتباره من أحسن الأقوال ومن أفضل الأعمال. فقوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) قيل: إنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. ولما كان القول والعمل مما يراد به الإخلاص أو يراد به الرياء وجب التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله.

2574

الآيات 34-36

(34) و (35) و (36) قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم). فيه تربية على أفضل طرقة في التعامل مع العدو الإنسي وهي مقابلة العمل السيئ بالعمل الصالح، والإحسان إلى الآخر لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، الإحسان في القول والإحسان في العمل، ولأن الآخر هو إنسان من حيث النتيجة فإن الإحسان يحوله من عدو لدود إلى ولي حميم، ولأن الإحسان من عزائم الأمور فإن هذه الحالة تحتاج إلى مزيد من الصبر ومزيد من الترفع ومزيد من الرجولة. وأما العدو الجني فإن الإحسان لا يرده عن عدائه، ومقابلة السوء بالخير لا يغير في طبعه، ولذلك فإن الوسيلة الوحيدة التي تدفع شره هي الاستعاذة بالله تعالى، الاستعاذة بالكلام، والاستعاذة بحضور القلب والمعنى حين الكلام. فقوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) يعني: الإيمان والشرك، وقيل: الطاعة والمعصية (ادفع بالتي هي أحسن) يعني: قابل الإساءة بالإحسان، وقيل: ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك، وقيل: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، وقيل: أن تسلم على من يعاديك إذا لقيته (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) يعني: قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. (وما يلقاها) يعني: هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة (إلا الذين صبروا) يعني: بكظم الغيظ واحتمال الأذى (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) يعني: نصيب وافر من الخير، وقيل: الحظ العظيم الجنة. (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) يعني: من كيد وشره (إنه هو السميع) لاستعاذتك (العليم) بأفعالك وأقوالك.

2575

الآيات 37-38

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيط﴾ (فصلت: 37-38)

(37) و (38) قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون). فيه تربية على الاستدلال بالشمس والقمر على خالق الشمس والقمر، فالشمس والقمر آيتان تدلان على وجود الله تعالى ووحدانيته، ومنه الدعوة إلى عبادة الله وحده دون عبادة الشمس أو القمر. وفيه دعوة إلى توحيد العبادة لله تعالى باعتبارها من أخلاق الملائكة، وباعتبارها مما جُبل عليه الملائكة. فقوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) يعني: ومن علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) نهى عن السجود لهما، لأنهما وان كانا آيتين من آيات الله فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله، فخالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما (واسجدوا لله الذي خلقهن) يعني: وصورهن وسخرهن، والكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار (إن كنتم إياه تعبدون) يعني: إن كنتم تريدون العبادة الصحيحة فهي هذه. (فإن استكبروا) يعني: الكفار عن السجود لله (فالذين عند ربك) يعني: الملائكة (يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون) يعني: لا يملون عبادته.

2576

الآيات 39-40

(39) و (40) قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير. إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير). تدخل هذه الآيات في إطار التربية العقلية والعقدية حيث تقارن بين حياة الأرض بالماء وإحياء الموتى بالبعث يوم القيامة، فالذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس يوم القيامة، وهذا الدليل موجه إلى شريحة واسعة من العرب في الجاهلية الذين كانوا يقرون بخلق الله تعالى للكون وينكرون قدرته تعالى على بعث الناس يوم القيامة. وفي هذه الآيات تحذير وترهيب للذين ينكرون آيات الله الكونية أو القرآنية بأنهم يلقون في النار يوم القيامة بينما ينجو من عذاب الله من يؤمن بآيات الله. وفيها ترغيب بالعمل الصالح وترهيب من العمل الطالح من خلال التذكير بعلمه تعالى وبصره بعمل كل عامل. فقوله تعالى: (ومن آياته) يعني: الدالة على أنه يحيي الموتى (أنك ترى الأرض خاشعة) يعني: يابسة جدباء (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) يعني: بالنبات (وربت) يعني: انتفخت وعلت قبل أن تنبت، وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت، وقيل: الاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض (إن الذي أحياها لمحيي الموتى) يعني: القادر على إحياء الأرض الميتة قادر على إحياء الناس الميتين (إنه على كل شيء قدير). (إن الذين يلحدون في آياتنا) يعني: يميلون عن الحق في أدلتنا، والإلحاد: الميل والعدول، ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه، ويقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل، ولحد لغة فيه (لا يخفون علينا) لأنه بكل شيء عليم (أفمن يلقى في النار) يعني: على وجهه، وهو الكافر (خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة) وهو المؤمن (اعملوا ما شئتم) أمر تهديد، أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء (إنه بما تعملون بصير) وعيد وتهديد.

2577

الآيات 41-42

(41) و (42) قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد). فيه بيان صريح لحفظه تعالى للقرآن الكريم، وفيه تيئيس للمخالفين كم خلال تذكيرهم ببطلان كل عمل يقومون به ضد هذا القرآن، سواء كان الكفر به، أو التشكيك بكونه من عند الله أو محاولة تحريف كلامه. فقوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) الذكر هنا القرآن، لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام، والخبر محذوف تقديره: هالكون أو معذبون (وإنه لكتاب عزيز) يعنيك عزيز على الله، وقيل: عزيز عند الله، وقيل: أعزه الله فلا يتطرق إليه باطل، وقيل: ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغى فيه. (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) يعني: لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل، ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه، وقيل: لا يأتيه الشيطان، ولا يستطيع أن يغير ولا يزيد ولا ينقص. (تنزيل من حكيم) في خلقه (حميد) إليهم، وقيل: (حكيم) في أمره (حميد) إلى خلقه.

2578

الآية 43

(43) قوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال تذكيره بمواقف الأمم السابقة التي كذبت رسلها وآذتهم بالقول والعمل. وفيه ترغيب وترهيب ووعد ووعيد من خلال وصفه تعالى: (إن ربك لذو مغفرة) إشارة إلى الثواب، ووصفه تعالى: (وذو عقاب أليم) إشارة إلى العقاب. فقوله تعالى: (ما يقال لك) يعني: من الأذى والتكذيب (إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) يعزي نبيه ويسليه (إن ربك لذو مغفرة) لك ولأصحابك ولكل المؤمنين (وذو عقاب أليم) يعني: لأعدائك ولكل كافر. وقيل: (ما يقال لك) من إخلاص العبادة لله (إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) من التوحيد، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم) يعني: إنما أمرت بالإنذار والتبشير.

2579

الآية 44

(44) قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد). فيه بيان لبطلان طلبات المشركين حيث يطلبون أن يكون القرآن بلغة الأعاجم، ثم يطلبون أن يكون له تفصيل وشرح بلغة العرب، ووجه البطلان هو أن القرآن أنزل على العرب فالصحيح أن يكون بلغتهم، وأنه أنزل مفصلا فلا حاجة لشرحه وتفصيله بإضافة كتاب آخر إليه من جنسه. وفيه ترغيب بالإيمان بالقرآن لأنه شفاء للمؤمنين، وترهيب من الكفر به لأنه خسارة على الكافرين. فقوله تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) يعني: بلغة غير العرب (لقالوا لولا فصلت آياته) يعني: بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية. فبين أنه أنزله بلسانهم ليتقرر به معنى الإعجاز، إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا، وإذا عجزوا عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله، ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان. وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا وإنما تفسيرا. (أأعجمي وعربي) والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم، فالأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه، ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، وقيل: المعنى أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟! وهو استفهام إنكار (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) يعني: من الشك والأوجاع (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) يعني: صمم عن سماع القرآن (وهو عليهم عمى) يعني: لا يتبين لهم، ونظير هذه الآية: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (الإسراء: 82)، (أولئك ينادون من مكان بعيد) يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب، ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادى من بعيد، فكأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه.

2580