التفسير التربويالجزء 1 · ص 2581 - 2588

الآية 45

الآية 45

(45) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما يحصل له قد حصل لأخيه موسى عليه السلام، حيث آمن البعض بالتوراة وكفر بها آخرون، وكذلك الشأن مع القرآن حيث آمن به البعض وكفر آخرون. وفيه بيان لحلمه تعالى على الكافرين فلا يعاقبهم في الدنيا رغم شدة كفرهم، وذلك لأنه تعالى قضى بأن تكون الدنيا دار ابتلاء وعمل، وبأن تكون الآخرة دار حساب وجزاء وعقاب. فقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني: التوراة (فاختلف فيه) يعني: آمن به قوم وكذب به قوم، والكناية ترجع إلى الكتاب، وقيل: الكناية ترجع إلى موسى (ولولا كلمة سبقت من ربك) يعني: في إمهالهم (لقضي بينهم) يعني: بتعجيل العذاب (وإنهم لفي شك منه) يعني: من القرآن (مريب) يعني: شديد الريبة.

2581

الآية 46

(46) قوله تعالى: (من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد). فيه ترغيب بالعمل الصالح وترهيب من العمل الطالح من خلال التذكير بأن الطاعة تنفع صاحبها ولا تزيد في ملكه تعالى شيئا، وأن المعصية تضر صاحبها ولا تنقص من ملك الله شيئا، وأنه تعالى مطلق العدالة فلا حاجة له في ظلم أحد لأنه منزه عن الحاجات. فقوله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه) شرط وجوابه (ومن أساء فعليها) والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه (وما ربك بظلام للعبيد) نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (مسلم).

2582

الآيات 47-48

(47) و (48) قوله تعالى: (إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد. وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص). فيه تربية على علمه تعالى بكل شيء، وعلى اختصاصه تعالى ببعض العلوم الغيبية التي لا منفعة للناس بعلمها، كمعرفة وقت الساعة أو معرفة ما تحمل الأشجار أو معرفة ما تحمل إناث الأحياء. والمراد من ذلك بيان بطلان عبادة ما سوى الله لجهله ونقصان علمه، وهذه الحقيقة يقر بها يوم القيامة كل معبود من دون الله ويعاقب كل من عبد هذه الشركاء. فقوله تعالى: (إليه يرد علم الساعة) يعني: وقتها وحينها، وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيا فأخبرنا متى قيام الساعة فنزلت هذه الآية (وما تخرج من ثمرات من أكمامها) يعني: من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) يعني: يرد علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار وعلم النتاج من حيث الماهية وليس الجنس فقط (ويوم يناديهم) يعني: ينادي الله المشركين (أين شركائي) يعني: الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع (قالوا) يعني: الأصنام، وقيل: المشركون، وقيل: العابد والمعبود (آذناك) يعني: أسمعناك وأعلمناك، يقال: آذن إذا أعلم (ما منا من شهيد) يعني: نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا. (وضل عنهم) يعني: بطل عنهم (ما كانوا يدعون من قبل) يعني: في الدنيا (وظنوا) يعني: أيقنوا وعلموا (ما لهم من محيص) يعني: من فرار عن النار، يقال: حاص إذا هرب.

2583

الآيات 49-50

(49) و (50) قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط. ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ). فيه بيان للطبيعة البشرية والبنية النفسية للناس من أجل الوصول إلى الطريقة الصحيحة في التعامل مع النفس البشرية. فالإنسان لا يمل من طلب الخير وتحصيله، والإنسان يدخل في اليأس إذا حصل له الشر وربما أدنى أنواع الشر، وأغلب الناس حينما تحصل لهم النقمة يردون ذلك إلى الله، فإن حصلت لهم النعمة ردوها إلى أنفسهم، وربما كان حصول النعمة سببا في الكفر بالله وإنكار يوم القيامة، والتقول على الله بأن يقول: لا أؤمن بيوم القيامة، وإن كان هناك يوم للقيامة فإن لي عند الله مكانة وجاها. وفي هذه الآيات تحذير من هذه الأوهام الفاسدة وترهيب من العقوبة عليها يوم القيامة. فقوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) يعني: لا يمل من دعائه بالخير، والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز (وان مسه الشر) يعني: الفقر أو المرض (فيؤوس) من روح الله (قنوط) من رحمته، وقيل: (يؤوس) من إجابة الدعاء (قنوط) بسوء الظن بربه، وقيل: (يؤوس) من زوال ما به من المكروه (قنوط) يظن أنه يدوم. (ولئن أذقناه رحمة منا) يعني: عاقبة ورخاء وغنى (من بعد ضراء مسته) يعني: من بعد ضر وسقم وشدة وفقر (ليقولن هذا لي) يعني: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي، فيرى النعمة حتما واجبا على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة ليتبين شكره وصبره، وقيل: (هذا لي) يعني: هذا من عندي (وما أظن الساعة قائمة) يعني: وما أعتقد (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) يعني: الجنة، واللام للتأكيد. (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا) يعني: لنجزينهم، قسم أقسم الله عليه (ولنذيقنهم من عذاب غليظ) يعني: شديد.

2584

الآية 51

(51) قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض). وهنا بيان آخر للطبيعة البشرية من حيث الإقبال على الله أو الإدبار عن الله، فبعض الناس إذا حصلت لهم النعمة أعرضوا عن الله تعالى، فإذا حصلت لهم النقمة لجأوا إلى الله تعالى لجوء العجول اللجوج. فقوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان) يعني: الكافر (أعرض ونأى بجانبه) يعني: تباعد عن الله، وقيل: ترفع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله (وإذا مسه الشر) يعني: أصابه المكروه (فذو دعاء عريض) يعني: كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر، وقيل: (فذو دعاء عريض) فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

2585

الآية 52

(52) قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد). فيه تربية على أن الإيمان لا يكون مع الشك، وما ينبغي أن يبنى الإيمان إلا على اليقين، ومن بنى إيمانه على الشك فإنه كمن لم يؤمن ولا يستفيد من هذا الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة. فقوله تعالى: (قل أرأيتم) يعني: قل لهم يا محمد (أرأيتم) يا معشر المشركين (إن كان) هذا القرآن (من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد) يعني: فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم.

2586

الآية 53

(53) قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد). فيه بيان لرحمته تعالى بالناس حيث تعهدهم بإظهار آياته في عالم الكون وكذلك آياته في عالم الإنسان حتى يصل الناس إلى درجة الإيمان بالله واليقين بوجوده ووحدانيته. وفيه بيان أن العلم لا ينقطع وأن كل جيل يترك لمن بعده كثيرا، وهذا بخلاف السائد لدى العامة من أنه لم يترك الأوائل للأواخر شيئا. وفيه بيان أن إعجاز القرآن لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فقوله تعالى: " سنريهم آياتنا) يعني: علامات وحدانيتنا وقدرتنا (في الآفاق) يعني: في خراب منازل الأمم الخالية (وفي أنفسهم) يعني: بالبلايا والأمراض. وقيل: (في الآفاق) آيات السماء (وفي أنفسهم) حوادث الأرض. وقيل: (في الآفاق) فتح القرى، فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات (وفي أنفسهم) فتح مكة. وقيل: (في الآفاق) يعني: أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها (وفي أنفسهم) من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفى أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة، وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه (حتى يتبين لهم أنه الحق) يعني: أن القرآن ومحمدا والإسلام هو الحق (أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) يعني: شاهد على أعمال الكفار، وقيل: شاهدا على أن القرآن من عند الله، وقيل: (أو لم يكف بربك أنه على كل شيء) مما يفعله العبد (شهيد) والشهيد بمعنى العليم، أو هو من الشهادة التي هي الحضور.

2587

الآية 54

(54) قوله تعالى: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط). فيه تحذير من الشك باليوم الآخر، وفيه تحذير من الاعتقادات الفاسدة التي قد تكنها الصدور فلا تظهرها للناس، فهو تعالى بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير. فقوله تعالى: (ألا إنهم في مرية) يعني: في شك (من لقاء ربهم) يعني: في الآخرة (إلا إنه بكل شيء محيط) يعني: قد أحاط علمه بكل شيء. والحمد لله رب العالمين.

2588