التفسير التربويالجزء 1 · ص 2623 - 2630

الآيات 20-22

الآيات 20-22

(20) و (21) و (22) قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون. أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون). فيه تربية على أن الجبرية من الجهل والكذب والتخمين، فالله تعالى جعل الناس مكلفين مختارين لأفعالهم وأقوالهم وهم ينسبون شركهم لمشيئة الله تعالى مع أن هذا الشرك هو مشيئتهم أنفسهم. وفيه بيان لبطلان الجبرية من حيث العقل إضافة إلى بطلانها من حيث النقل. وفيه بيان لبطلان التقليد في التوحيد وذلك من خلال بيان بطلان الآبائية في العقيدة والحياة، فالإيمان يكون على أساس العلم والعقل والعمل المختار. فقوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) يعني: قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل (ما لهم بذلك من علم) يعني: ما لهم بقولهم: الملائكة بنات الله من حجة ولا دليل من عقل أو نقل علم (إن هم إلا يخرصون) يعني: يكذبون، فلا عذر لهم في عبادة غير الله عز وجل. (أم آتيناهم كتابا من قبله) يعني: من قبل القرآن (فهم به متمسكون) يعني: يعملون بما فيه. (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة) يعني: على طريقة ودين (وإنا على آثارهم مهتدون) يعني: نهتدي بهم. وفي هذا دليل على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

2623

الآيات 23-25

(23) و (24) و (25) قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون. فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين). فيه بيان على أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر حاصل من قديم الدهر. وفيه تهديد ووعيد للمقلدين بأن مصيرهم الدمار والاستئصال كما هو الحال في الأمم السابقة. قال الرازي في التفسير: «لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأنه تعالى بيّن أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بدليل نقلي، ثم بيّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل. ومما يدل عليه أيضا من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق، وذلك لأنه كما حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة، فلو كان التقليد طريقا إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقا ومعلوم أن ذلك باطل. وقد بين تعالى أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا، وحب الكسل والبطالة، وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال. والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق، وإذا عرفت هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب الدنيا واللذات الجسمانية، ورأس جميع الخيرات هو حب الله والدار الآخرة». فقوله تعالى: (وكذلك) يعني: وكما قيل لك يا محمد قيل للذين من قبلك من الأنبياء، فهذه الآية ليست تكرارا، لأن الأولى ما قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذه ما قيل للأنبياء من قبله (ما أرسلنا من قبلك في قرية) يعني: مجتمع من الناس ، فالقرية والمدينة بمعنى واحد في القرآن (من نذير) يعني: من نبي نذير، والإنذار: إعلام مع تخويف (إلا قال مترفوها) يعني: الأغنياء والملوك فيها (إنا وجدنا آباءنا على أمة) يعني: على طرقة ودين (وإنا على آثارهم مقتدون) يعني: نقتدي به. والاقتداء فيه معنى زائد على الهداية وهو العمل. (قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) يعني: قل يا محمد لقومك: أو ليس قد جئتكم من عند الله بأهدى، يريد بأرشد مما وجدتم عليه آباءكم (قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) يعني: بكل ما أرسل به الرسل. فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظه لفظ الجمع، لأن تكذيبه تكذيب لمن سواه. (فانتقمنا منهم) يعني: بالقحط والقتل (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) يعني: آخر أمر من كذب الرسل.

2624

الآيات 26-28

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِين﴾ (الزخرف: 26-28)

(26) و (27) و (28) قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: ((اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآيات المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، ثم بيّن أنه طريق باطل ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآيات والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالتقليد، وتقريره من وجهين: (الأول) أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل، فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء في الأديان محرماً أو جائزا، فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزا فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء، وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول: إنه ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء ووجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد، وإذا ثبت هذا فنقول: فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلا، فهذا طريق رقيق في إبطال التقليد وهو المراد بهذه الآية. (والثاني) في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا وفي الدين، أنه تعالى بيّن أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهله باقيا في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت، فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدنيا خير ولا أثر، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل وترك التقليد أولى)). فقوله تعالى: (وإذ قال) يعني: ذكرهم إذ قال (إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون) البراء (يفتح الباء) يستعمل للواحد فما فوقه فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت، فإذا قلت: أنا بريء منه ثنيت وجمعت وأنثت، وقلت في الجمع: نحن برآء وأبرياء وبريئون، والبراء (بالفتح) أول ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. (إلا الذي فطرني) استثناء متصل لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم، ومعنى (فطرني): خلقني (فهو سيهدين) قال ذلك ثقة بالله وتنبيها لقومه أن الهداية من ربه. (وجعلها كلمة باقية في عقبه) يعني: وجعل الله هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده، أي إنهم توارثوا البراءة من عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك، والعقب من يأتي بعده (لعلهم يرجعون) يعني: ليتوبوا من عبادة غير الله.

2625

الآيات 29-30

(29) و (30) قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين. ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون). فيه تحذير من الاغترار بالمهلة التي أعطاها الله تعالى للناس، ودعوة إلى الاستفادة من المهلة بالرجوع إلى الحق والوصول إلى الصواب. وفيه تحذير من منهج الكافرين من الأمم وهو مواجهة الحق بالسحر والوهم والتخييل كما فعلت قريش في اتهامها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ساحر وأن ما جاء به من المعجزات هو من السحر. فقوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآباءهم) يعني: في الدنيا بالإمهال (حتى جاءهم الحق) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم، وهو الكلمة التي أبقاها الله في عقبه (ورسول مبين) يعني: يبين لهم ما بهم إليه حاجة. (ولما جاءهم الحق) يعني: القرآن (قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) يعني: جاحدون.

2626

الآيات 31-32

(31) و (32) قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون). فيه بيان لبطلان التحكم على الله بأن يحدد الناس لله على من يجب أن تنزل النبوة والكتاب. وفيه بيان للعلة في هذا التفكير الباطل وهي أنهم يظنون أن العظمة بالمال والجاه والسلطان والنساء والأولاد. وفيه بيان أن النبوة من الرحمة الإلهية وأنه تعالى أدرى بمن يستحقها ومن لا يستحقها. وفيه بيان أنه تعالى يعطي ويمنع ويضع ويرفع لغاية الابتلاء، فالابتلاء لا يحصل إذا أعطى الكل بالتساوي أو منع الكل بالتساوي. فقوله تعالى: (وقالوا لولا نزل) يعني: هلا نزل (هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) يعني: من إحدى القريتين، وهما: مكة والطائف، والرجلان هما: الوليد بن المغيرة من مكة وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وقيل هما: وعتبة بن ربيعة من مكة وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف. (أهم يقسمون رحمة ربك) يعني: النبوة فيضعونها حيث شاؤوا (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) يعني: أفقرنا قوما وأغنينا قوما، فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) يعني: فاضلنا بينهم (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) يعني: ليخدم بعضهم بعضا، وهذا لأجل أن الدنيا دار ابتلاء، فلا يحصل الابتلاء إلا بالمفاضلة (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني: أفضل مما يجمعون من الدنيا، والرحمة: النبوة، وقيل: الجنة، وقيل: ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم، وقيل: تمام الفرائض خير من كثرة النوافل.

2627

الآيات 33-35

(33) و (34) و (35) قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون. وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين). فيه تربية على أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله، ولولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الخير والرزق لأعطاهم أكثر الأسباب المفيدة للتنعم من القصور والفضة والذهب. وقال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر. وقال آخرون: لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه، لهوان الدنيا عند الله عز وجل. فقوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) يعني: في طلب الدنيا واختيارها على الآخرة (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) السقف معروف والفضة معروفة (ومعارج) يعني: وأدراج وسلالم من فضة أيضا (عليها يظهرون) يعني: على المعارج يرتقون ويصعدون. (ولبيوتهم أبوابا وسررا) يعني: ولجعلنا لبيوتهم أبوابا وسررا من فضة (عليها يتكئون) والاتكاء: التحامل على الشيء، ومنه: أتوكأ على العصا. (وزخرفا) والزخرف هنا الذهب، ونظير ذلك قوله تعالى: (أو يكون لك بيت من زخرف) (الإسراء: 93)، وقيل: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث، وقيل: النقوش للزينة (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) يعني: ما يتمتع به ويزول (والآخرة عند ربك للمتقين) يعني: الجنة لمن اتقى وخاف. قال لقرطبي: ((قال كعب: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء). وفي الباب عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب)).

2628

الآيات 36-39

(36) و (37) و (38) و (39) قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون). فيه تنبيه على آفات الدنيا، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين. وفيه تحذير من شياطين الجن لأنهم من المضلين، وتحذير لشياطين الإنس لأنهم ضالون ويحسبون أنهم مهتدون. وفيه بيان لمصير الفريقين إلى النار حيث يتبرأ كل طرف من الآخر، ولا فائدة من التباعد حينها لأن الكل مشترك في النار. فقوله تعالى: (ومن يعش) يعني: يعمى بالإعراض عنه، والأعشى في اللغة هو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار (عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا) يعني: نسبب له شيطانا جزاء له على كفره (فهو له قرين) قيل: في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية. وقيل: في الآخرة إذا قام من قبره، يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار. وقيل: فهو له قرين في الدنيا والآخرة. (وإنهم ليصدونهم عن السبيل) يعني: وإن الشيطان ليصدونهم عن سبيل الهدى (ويحسبون أنهم مهتدون) يعني: الكفار يحسبون ذلك، وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم. (حتى إذا جاءنا) يعني: الكافر يوم القيامة (قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) يعني: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين) (الرحمن: 17)، فيتمنى الكافر أن بينه وبين قرينه من الشياطين بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة (فبئس القرين) يعني: فبئس الصاحب. (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) يعني: يقول الله تعالى للكافر لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلام، وهو قول الكافر (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) يعني: لا تنفع الندامة يومها (أنكم في العذاب مشتركون) يعني: الكافر وشيطانه شركاء في العذاب يوم القيامة. والمعنى: إنه تعالى منع أهل النار التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه. وقيل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، لأن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما اشتركتم في الكفر.

2629

الآية 40

(40) قوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين). قال الرازي في العلاقة التربوية لهذه الآية بما قبلها: «اعلم أنه تعالى لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمم والعمى، وما أحسن هذا الترتيب، وذلك لأن الإنسان في أول اشتغاله بطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف، ثم كلما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثر كان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل لما ثبت في علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، فينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى، فإذا واظب على تلك الحالة أياما أخرى انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت بالبراهين اليقينية». فقوله تعالى: (أفأنت) أي: يا محمد (تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) يعني: ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا.

2630