التفسير التربويالجزء 1 · ص 2613 - 2622

الآية 47

الآية 47

(47) قوله تعالى: (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير). اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد وأكثر في شرحه في الآيات السابقة ذكر بعده المقصود منه وهو الاستجابة لله تعالى، وحذر من ترك الاستجابة لله تعالى في الدنيا بأنه لا رجعة في الآخرة ولا ملجأ يُركن إليه ولا نكير ينكر ذلك فتتغير بسببه الأحوال. فقوله تعالى: (استجيبوا لربكم) يعني: أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الإيمان به والطاعة له (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) يعني: يوم القيامة، لا يرده أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا (ما لكم من ملجأ) يعني: ينجيكم من العذاب (وما لكم من نكير) يعني: من ناصر ينصركم، وقيل: النكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب، وقيل: (من نكير) أي إنكار ما ينزل بكم من العذاب، والنكير والإنكار تغيير المنكر.

2613

الآية 48

(48) قوله تعالى: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل داعية إلى الإيمان من إعراض الناس عما يدعونهم إليه من خلال التذكير بأن عليهم التبليغ والدعوة ولا يحاسبون على عدم استجابة الناس لهم. وفيه بيان للطبيعة البشرية وهي الفرح بالنعمة والجحود حين الوقوع في النقمة، والغاية من هذا البيان هو العلم بكيفية التعامل مع النفس البشرية ودفعها إلى المواقف الإيمانية في حال النعمة وكذلك في حال النقمة. فقوله تعالى: (فإن أعرضوا) يعني: عن الإيمان (فما أرسلناك عليهم حفيظا) يعني: حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها، وقيل: موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا، وقيل: ليس لك إكراههم على الإيمان (إن عليك إلا البلاغ) يعني: التبليغ (وإنا إذا أذقنا الإنسان) يعني: الكافر (منا رحمة) يعني: رخاء وصحة (فرح بها) يعني: بطر بها (وإن تصبهم سيئة) يعني: بلاء وشدة (بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) يعني: لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب وينسى النعم.

2614

الآيات 49-50

(49) و (50) قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير). لما ذكر الله إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك بقوله: (لله ملك السماوات والأرض) والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك الله، وأنه إنما حصل ذلك القدر تحت يده لأن الله أنعم عليه به فحينئذٍ يصير ذلك حاملا له على مزيد من الطاعة والخدمة، وأما إذا اعتقد أن تلك النعم إنما تحصل بسبب عقله وجده واجتهاده بقي مغرورا بنفسه معرضا عن طاعة الله تعالى. ثم ذكر من أقسام تصرف الله في العالم أنه يخص البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض بأن يجعله محروما منهما، وكل ذلك لحكمة قدرها الله تعالى وهي الابتلاء. فقوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء) يعني: من الخلق (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) يعني: يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناثا معهم. وقال أحد المفسرين: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله تعالى قال: (يهب لمن يشاء إناثا) فبدأ بالإناث (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) قيل: هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد جارية، ثم تلد غلاما ثم تلد جارية، وقيل: هو أن تلد توءما، غلاما وجارية، وقيل: التزويج هنا هو الجمع بين البنين والبنات (ويجعل من يشاء عقيما) يعني: لا يولد له (إنه عليم) يعني: بما خلق (قدير) يعني: على الخلق.

2615

الآية 51

(51) قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم). فيه تربية وتعليم وتصحيح للتصور عن الوحي الإلهي، فهو لا يكون بالكلام المباشر من الله تعالى إلى نبيه لأن البشر لا يطيقون ذلك ولا يستطيعونه، وإنما يكون الوحي بالإيحاء والإلهام، أو بالكلام من وراء حجاب، أو من خلال الملائكة. فقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) يعني: نفثا ينفث في قلبه فيكون إلهاما (أو من وراء حجاب) يعني: كما كلم موسى (أو يرسل رسولا) يعني: كإرساله جبريل عليه السلام (فيوحي بإذنه ما يشاء) وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا، وهكذا كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم (إنه علي) يعني: عن صفات المخلوقين (حكيم) يعني: يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثة بتوسيط الملائكة الكرام.

2616

الآيات 52-53

(52) و (53) قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور). فيه تربية على نعمة النبوة سواء للنبي نفسه أو لسائر الناس من حوله، فالنبوة من الرحمة الإلهية بالناس وللناس. وفيه تفصيل لمفهوم الهداية، فالهداية من العبد تكون بالدلالة على الحق، وأما الهداية بمعنى التوفيق إلى الإيمان أو زرعه في القلب فلا تكون إلا من الله تعالى. وفيه تربية على أن الإيمان نور لأنه من العلم، وأن الكفر ظلام لأنه من الجهل. وفيه ترغيب بالهداية من خلال وصفها بالاستقامة وتنفير من الضلال لأنه يتصف بالاعوجاج. وفيه تذكير بالآخرة من خلال البيان بأن الأمور كلها صغيرها وكبيرها ترجع إلى الله يوم القيامة. فقوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك) يعني: وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك أوحينا إليك (روحا من أمرنا) يعني: نبوة من عندنا، وسمى النبوة روحا لأن فيها حياة من موت الجهل (ما كنت تدري ما الكتاب) يعني: لولا إنعامي عليك (ولا الإيمان) يعني: لولا هدايتي لك، وقيل: كنت من قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الإيمان حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم، وهو كقوله تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) (العنكبوت: 48)، ثم قال: (ولكن جعلناه) يعني: الإيمان أو القرآن أو الوحي (نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) يعني: من نختاره للنبوة، كقوله تعالى: (يختص برحمته من يشاء) (آل عمران: 74)، ثم قال: (وإنك لتهدي) يعني: تدعو وترشد (إلى صراط مستقيم) يعني: دين قويم لا اعوجاج فيه. (صراط الله) بدل من الأول، وهو بدل المعرفة من النكرة (الذي له ما في السماوات وما في الأرض) يعني: خلقا وملكا وعبدا (ألا إلى الله تصير الأمور) يعني: يوم القيامة، وهذا وعيد بالبعث والجزاء. والحمد لله رب العالمين.

2617

التفسير التربوي لسورة الزخرف

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الزخرف مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله: (وأسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) (الزخرف: 45). وهي تسع وثمانون آية)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «تعرض هذه السورة جانبا مما كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات، ومن جدال واعتراضات. وتعرض معها كيف كان القرآن الكريم يعالجها في النفوس، وكيف يقرر في ثنايا علاجها حقائقه وقيمه في مكان الخرافات والوثنيات والقيم الجاهلية الزائفة، التي كانت قائمة في النفوس إذ ذاك، ولا يزال جانب منها قائما في النفوس في كل زمان ومكان».

2618

الآيات 1-4

قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾ (الزخرف: 1-4)

(1) و (2) و (3) و (4) قوله تعالى: (حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم). تبدأ هذه الآيات بالتنبيه على إعجاز القرآن وأنه من كلام الله وليس من كلام البشر بالإشارة إلى الأحرف الهجائية والأبجدية العربية التي يتألف منها هذا القرآن. وفيه تربية على أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من ذاته وصفاته ومخلوقاته ولكن ليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى، لأن القسم من الإنسان تعظيم والقسم من الله تعالى تأكيد وتوكيد. وفيه بيان بأن الله تعالى رحم الناس فجعل القرآن واضحا بيّنا لا تلتبس المعاني العامة فيه حتى على الأميين من العرب. وفيه تربية على أن القرآن كلام الله القديم فهو ليس بمحدث ولا مخلوق لأن الفعل (جعل) إذا كان متعديا إلى مفعولين فهو بمعنى صيّر كما هو الحال في هذه الآية، ويكون (جعل) بمعنى خلق إذا تعدى إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) (الأنعام: 1). وفيه بيان أنه تعالى سمّى الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم قرآنا لكثرة ما يُقرأ، فهو خبر والمراد منه الطلب، فكأنه تعالى يأمرنا بكثرة قراءة القرآن. وفيه تربية على أن لغة القرآن هي الإفصاح والإبانة وهذا معنى (عربيا). وخص أصحاب العقول بالمديح لأنهم المنتفعون من قراءة القرآن. وفيه تربية على وجوب إجلال القرآن والرفع من شأنه لأنه عند الله عليّ حكيم، فكذلك عند المؤمنين يجب أن يكون عليّا حكيما. فقوله تعالى: (حم) يعني: هذا حم، وهذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، يغلب على الظن أنها للتنبيه إلى إعجاز القرآن، لأنه مؤلف من كلام هو من جنس كلامهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله. (والكتاب) الواو واو القسم، ولله أن يقسم بما شاء، والتقدير: وإعجاز هذا الكتاب الجامع لكل خير (المبين) يعني: البين في نفسه والمبين لجميع ما فيه من الفرائض والأحكام، الشرائع والسنن، واللطائف والمعارف والمنن، بيانا عظيما شافيا. (إنا جعلناه) جواب القسم، ومعنى: (جعلناه) صيرناه أو سميناه أو وصفناه، ولذلك تعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة) (المائدة: 103) وقيل: أنزلناه قرآنا، وقيل: قلناه قرآنا، وقيل: بيناه قرآنا (عربيا) يعني: أنزلناه بلسان العرب، لان كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، لان الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا (لعلكم تعقلون) يعني: تفهمون أحكامه ومعانيه. (وإنه في أم الكتاب) يعني: القرآن في اللوح المحفوظ (لدينا) يعني: عندنا، وهذا كقوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ) (البروج)، (لعليّ حكيم) يعني: رفيع المنزلة، محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، وقيل: (لعلي) أي رفيع عن أن ينال فيبدل (حكيم) أي محفوظ من النقص أو التغيير.

2619

الآيات 5-8

(5) و (6) و (7) و (8) قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين. وكم أرسلنا من نبي في الأولين. وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤون. فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين). فيه تربية على لزوم الحد في التعاطي مع القرآن وأنه لا نجاة من العقاب لكل من يتجاوز حده في التعاطي الخاطئ مع القرآن برفض الإيمان به أو تكذيبه أو الإلحاد فيه. وهذه سنة الله في الأمم حيث أرسل فيها الرسل فأسرفوا في التعامل مع رسلهم وأسرفوا في التعاطي مع كتبهم واستهزؤوا بأنبيائهم، فأهلكهم مهما كانت قوتهم ودمرهم وإن كانوا أولي جبروت، فكذلك سنته في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: " أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) يعني: ذكر العذاب في القرآن، وقيل: المراد بالذكر العذاب، أي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم، والمعنى: أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم به، وقيل: أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون، وقيل: أنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم. وقيل: الذكر التذكر، فكأنه قال أنترك تذكيركم ولو كنتم قوما مسرفين. ومعنى: (صفحا) إعراضا، يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) كم: هنا خبرية والمراد بها التكثير، والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء، كما قال: (كم تركوا من جنات وعيون) (الدخان: 25) أي ما أكثر ما تركوا. (وما يأتيهم من نبي) يعني: لم يكن يأتيهم نبي (إلا كانوا به يستهزؤون) يعني: كاستهزاء قومك بك، يعزي نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ويسليه. (فأهلكنا أشد منهم بطشا) يعني: قوما أشد منهم قوة (ومضى مثل الأولين) يعني: عقوبتهم، وقيل: صفة الأولين، فأخبرهم بأنهم أهلكوا على كفرهم، والمثل: الوصف والخبر.

2620

(9ــ14) قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم. الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون. والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولون سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون). فيه تربية على الربط بين الربوبية والإلهية، فإذا كان الخالق هو الله، فلماذا يعبد الناس غيره معه أو من دونه؟! وفيه دلائل على وحدانية الخالق والمعبود من عالم الكون وعالم الإنسان، فمن هذه الدلائل تذليل الأرض للناس من خلال تمهيدها وتمهيد الطرقات فيها. ومن هذه الدلائل آية الماء حيث ينزل بالقدر المناسب للحياة، ولو قلّ لانعدمت الحياة، ولو كثر لخربت الحياة، سواء كانت الحياة النباتية أو الحيوانية أو الإنسانية. ومن هذه الدلائل نظام الزوجية في عالم الأحياء والجمادات وفي عالم كل المخلوقات، فهذا النظام موجود في عالم الذرة كما هو موجود في عالم الإنسان. ومن هذه الدلائل وسائل النقل البحرية والبرية. وهذه الدلائل هي نِعَم أنعم الله بها على الناس، ولا يحس بها الناس إلا في حال فقدانها، ومن هنا واجب الشكر على هذه النعم، ومن ذلك ما يقوله المؤمن إذا استخدم هذه الوسائل بأن يقر لله تعالى بالتقديس على هذا التسخير، واليقين بالآخرة على هذا التذليل والتقرين. فقوله تعالى: (ولئن سألتهم) يعني: المشركين (من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم. (الذي جعل لكم الأرض مهدا) وصف نفسه سبحانه بكمال القدرة، وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ومعنى: (مهدا) فراشا وبساطا (وجعل لكم فيها سبلا) يعني: معايش، وقيل: طرقا لتسلكوا منها إلى حيث أردتم (لعلكم تهتدون) فتستدلون بمخلوقاته على قدرته، وقيل: (لعلكم تهتدون) في أسفاركم، وقيل: لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم. (والذي نزل من السماء ماء بقدر) يعني: لا هو طوفان مغرق ولا هو قاصر عن الحاجة (فأنشرنا به) يعني: أحيينا بالماء (بلدة ميتا) يعني: مقفرة من النبات (كذلك تخرجون) يعني: من قبوركم، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك. (والذي) يعني: والله الذي (خلق الأزواج كلها) يعني: الأصناف كلها، وقيل: الشتاء والصيف والليل والنهار والسماوات والأرض والشمس والقمر والجنة والنار، وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل: أزواج النبات، وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم (وجعل لكم من الفلك) يعني: السفن (والأنعام) يعني: الإبل (ما تركبون) يعني: في البحر والبر. (لتستووا على ظهوره) ذكر الكناية لانه رده إلى (ما) في قوله: (ما تركبون)، وأضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع (ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه) يعني: ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر والبحر (وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا) يعني: ذلل لنا هذا المركب (وما كنا له مقرنين) يعني: مطيقين، وقيل: ضابطين. (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) يعني: راجعون في الدنيا والآخرة. فعلمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) (هود: 41). وقد ذكرت الأحاديث دعاء السفر، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون). اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل. وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)) (مسلم).

2621

(15ــ19) قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين. أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين. وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم. أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون). إنه تعالى لما بين في الآيات السابقة وجوب العبادة لله وحده عقلا ونقلا، ذكر في هذه الآيات المشركين به وذكر الدلائل على بطلان شركهم، ومن هذه الدلائل أنهم يساوون بين الله وخلقه وبين الله وملكه فيجعلون العبد مساويا للسيد في العبادة، وهم أسياد ويرفضون المساواة بينهم وبين عبيدهم. وهم يجعلون الملائكة بنات، وينسبونهم إلى الله، ويعبدونهم معه، وفي الوقت نفسه يرفضون أن يكون في أولادهم إناث ويجعلون ذلك من الذلة، فهم متناقضون، يقدسون الأنوثة في موضع ويدنسون الأنوثة في موضع آخر، يقدسون الأنوثة إذا نسبت لله ويدنسونها إذا نسبت إليهم. وفيه تعجيب من جهل المشركين حيث أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله ثم جعلوا له شريكا أو ولدا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به، لأن هذا من صفات النقص. وفيه تحذير من العقوبة والمساءلة يوم القيامة على الافتراء على الله بالقول: إن الملائكة إناث، والافتراء عليه بنسبة الملائكة له على سبيل البنوة. فقوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءا) يعني: عدلا، وهو ما عبد من دون الله عز وجل (إن الإنسان) يعني: المشرك (لكفور) يعني: جاحد (مبين) يعني: مظهر الجحود، قيل: يعد المصائب وينسى النعم. (أم اتخذ مما يخلق بنات) الميم صلة، تقديره: أاتخذ مما يخلق بنات كما زعمتم أن الملائكة بنات الله، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه التوبيخ (وأصفاكم بالبنين) يعني: اختصكم وأخلصكم بالبنين. (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا) يعني: بأنه ولدت له بنت (ظل وجهه) يعني: صار وجهه (مسودا) قيل: ببطلان مثله الذي ضربه، وقيل: بما بشر به من الأنثى (وهو كظيم) يعني: حزين من الغيظ. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك أنثى اغتم واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا * يظل في البيت الذي يلينا. غضبان ألا نلد البنينا * وإنما نأخذ ما أعطينا. (أو من ينشأ) يعني: يُربى ويشب، والنشوء: التربية، يقال: نشأت في بني فلان إذا شببت فيهم (في الحلية) يعني: في الزينة، وقيل: هن الجواري زيهن غير الرجال، ورخص الله لهن في الذهب والحرير (وهو في الخصام) يعني: في الجدال والإدلاء بالحجة (غير مبين) يعنيك غير فصيح. (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) يعني: سموهم، والمقصود: إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله، وذكر العباد مدح لهم، أي كيف عبدوا من هو في نهاية العبادة، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل (أشهدوا خلقهم) يعني: أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث (ستكتب شهادتهم ويسألون) يعني: يسألون عنها في الآخرة.

2622