الآيات 1-4
قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾ (الزخرف: 1-4)
(1) و (2) و (3) و (4) قوله تعالى: (حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم). تبدأ هذه الآيات بالتنبيه على إعجاز القرآن وأنه من كلام الله وليس من كلام البشر بالإشارة إلى الأحرف الهجائية والأبجدية العربية التي يتألف منها هذا القرآن. وفيه تربية على أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من ذاته وصفاته ومخلوقاته ولكن ليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى، لأن القسم من الإنسان تعظيم والقسم من الله تعالى تأكيد وتوكيد. وفيه بيان بأن الله تعالى رحم الناس فجعل القرآن واضحا بيّنا لا تلتبس المعاني العامة فيه حتى على الأميين من العرب. وفيه تربية على أن القرآن كلام الله القديم فهو ليس بمحدث ولا مخلوق لأن الفعل (جعل) إذا كان متعديا إلى مفعولين فهو بمعنى صيّر كما هو الحال في هذه الآية، ويكون (جعل) بمعنى خلق إذا تعدى إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) (الأنعام: 1). وفيه بيان أنه تعالى سمّى الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم قرآنا لكثرة ما يُقرأ، فهو خبر والمراد منه الطلب، فكأنه تعالى يأمرنا بكثرة قراءة القرآن. وفيه تربية على أن لغة القرآن هي الإفصاح والإبانة وهذا معنى (عربيا). وخص أصحاب العقول بالمديح لأنهم المنتفعون من قراءة القرآن. وفيه تربية على وجوب إجلال القرآن والرفع من شأنه لأنه عند الله عليّ حكيم، فكذلك عند المؤمنين يجب أن يكون عليّا حكيما. فقوله تعالى: (حم) يعني: هذا حم، وهذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، يغلب على الظن أنها للتنبيه إلى إعجاز القرآن، لأنه مؤلف من كلام هو من جنس كلامهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله. (والكتاب) الواو واو القسم، ولله أن يقسم بما شاء، والتقدير: وإعجاز هذا الكتاب الجامع لكل خير (المبين) يعني: البين في نفسه والمبين لجميع ما فيه من الفرائض والأحكام، الشرائع والسنن، واللطائف والمعارف والمنن، بيانا عظيما شافيا. (إنا جعلناه) جواب القسم، ومعنى: (جعلناه) صيرناه أو سميناه أو وصفناه، ولذلك تعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة) (المائدة: 103) وقيل: أنزلناه قرآنا، وقيل: قلناه قرآنا، وقيل: بيناه قرآنا (عربيا) يعني: أنزلناه بلسان العرب، لان كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، لان الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا (لعلكم تعقلون) يعني: تفهمون أحكامه ومعانيه. (وإنه في أم الكتاب) يعني: القرآن في اللوح المحفوظ (لدينا) يعني: عندنا، وهذا كقوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ) (البروج)، (لعليّ حكيم) يعني: رفيع المنزلة، محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، وقيل: (لعلي) أي رفيع عن أن ينال فيبدل (حكيم) أي محفوظ من النقص أو التغيير.