التفسير التربويالجزء 1 · ص 260 - 268

الآية 284

الآية 284

قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (البقرة: 284)

(1) قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). تذكير من الله للناس بأنّ له ما في السماوات وما في الأرض ملكا، فملكيته لمخلوقاته ومنها الإنسان ملكية كاملة ومطلقة، والمدلول التربوي لذلك أنّ الإنسان لا يملك نفسه ولا ماله إلا على سبيل الوكالة والاستخلاف، فليس له أن يتصرف في نفسه وفي ماله بما يخالف أمر الله، فإن فعل فقد تعدى على ملكية الله، وهذا المفهوم للمعصية على أنه تعد على ملكية الله له أثره التربوي في النفوس.

260

(2) قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه). قال مجاهد بن جبر رحمه الله: ((دخلت على ابن عباس فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أيّة آية؟ قلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)، قال ابن عباس: إنّ هذه الآية حين أنزلت غمَّت أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا، وغاظتهم غيظا شديدا، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها(فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال)) (أحمد). فدل هذا التخصيص للآية وقصر المحاسبة على الأقوال والأعمال والتجاوز عن حديث النفس على رحمة الله بالناس ورعايته لهم واعتنائه بهم، ولو شاء لحاسب على حديث النفس، كما دلّ هذا الحديث في تفسيرها على حرص الصحابة على الطاعة وعلى كمال الإيمان بالتسليم المطلق لله تعالى في كافة شؤونهم. ومن الأحاديث الدالة على رحمة الله بالمؤمنين في التجاوز عن حديث النفس ومغفرته بل والإثابة عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» (البخاري)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت» (مسلم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده سيئة واحدة» (مسلم)، وفي رواية «ولا يهلك على الله هالك» (مسلم). فدلّ هذا الحديث على رحمة الله بالمؤمنين حيث لم يحاسبهم على الهم بالسيئة بل وأثابهم عليه إذا لم يتحول إلى عمل، ودلّ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يهلك على الله إلا هالك» على أنه تعالى يساعد الناس على النجاة من الهلاك وإن عثروا، ولا يكتب الهلاك إلا لمن تعمد الهلاك ولم يقبل برحمة الله.وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقل: «تلك صريح الإيمان» (مسلم).

261

(3) قوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء). قدم المغفرة على العذاب فدلّ ذلك على أنّ جانب الرحمة من الله مقدم على جانب العذاب، فكأنه يقول: أود أن أغفر لكم، فمن رفض المغفرة فليس له عندي سوى العذاب. إن قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض) يدلّ على كمال ملك الله، وقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) يدلّ على كمال علم الله، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) يدل على كمال قدرة الله، والمدلول التربوي لهذه الآية في ذكرها بعد التشريعات المذكورة في هذه السورة هو ترهيب المؤمنين من مخالفة التشريعات وتحذيرهم من ترك العمل بها، وترغيبهم في العبودية الكاملة لله والاستسلام المطلق لأوامره ونواهيه، قال الرازي في تفسيره: «ولا كمال أعظم من حصول الكمالات بهذه الصفات، والموصوف بهذه الصفات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له، خاضعا لأوامره ونواهيه، محترزا من سخطه ونواهيه».

262

الآيات 285-286

قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ (البقرة: 285-286)

(1) هاتان الآيتان هما المعروفتان بخواتيم سورة البقرة، وقد ورد في الأحاديث ما يدل على الترغيب في قراءتهما مطلقا في أي وقت، كما ورد في الأحاديث ما يدل على الترغيب في قراءتهما ليلا خاصة قبل النوم، وذلك لفضلهما عند الله ولما احتوتهما من جوامع الإيمان وأصول الإسلام. (أولا) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (البخاري)، ومعنى كفتاه: قيل من قيام الليل، وقيل من شر الشيطان، والظاهر أنّ اللفظ عام. (ثانيا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش» (أحمد). (ثالثا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهنّ في دار ثلاث ليال فيقربه شيطان» (الترمذي). (رابعا) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم من تحت العرش» وفي رواية «ما أرى أحدا يعقل بَلَغَه الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش» (ابن كثير في التفسير).

(2) قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون). جمع الله المؤمنين مع الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة واحدة وفي آية واحدة وفي حقيقة واحدة وهي حقيقة الإيمان، وهذا الجمع هو لفتة تربوية في منتهى القوة، تحمل معاني الترغيب للمؤمنين كي يقتدوا برسولهم ويتصفوا بصفاته ويجدّوا في طاعة الله والمحبة لرسوله علّ الله يجمعهم معه يوم القيامة، فما أعظمه من تعبير، وما أروعه من بيان، وما أحكمها من وسيلة تربوية يربي الله بها هذه الأمة، وما أحوجنا في خطابنا للناس إلى هذه الوسيلة.

(3) قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه). دل هذا النص على وحدة الإيمان، وأكد الله هذه الوحدة بقوله: (كل(، والمدلول التربوي لوحدة الإيمان هو وحدة المؤمنين، فإذا كان الإيمان واحدا فلماذا يكون المؤمنون جماعات وفرق وأحزابا؟! وإذا كان الإيمان واحدا فعلى المؤمنين التوحد في مجال الواقع والحياة، وهذا لا يكون إلا بالتخلي عن الأهواء التي تخالط المؤمنين في إيمانهم فتجعلهم جماعات وأحزاب، لا شيء يفرق المؤمنين سوى الأهواء، أهواء السلطة والرياسة، وأهواء الحسد، وأهواء الحرص والطمع، وأهواء الكبر والتعالي، وحتى ما يسمونه خلافات فكرية ما هي إلا أهواء فكرية.

263

(4) قوله تعالى: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه). أي: كما فرقت اليهود فآمنوا بالرسل وكفروا بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكما فرقت النصارى فآمنوا بالرسل وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الإخبار وإن كان المراد منه توكيد الإيمان بالرسل إلا أن مدلوله التربوي هو تحذير المؤمنين من مغبة الدخول في ردود الأفعال على أهل الأديان، كالحط من قيمة موسى أو عيسى عليهما السلام لأنّ اليهود أو النصارى يحطون من قيمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو اتهامهم أو ازدراؤهم أو السخرية منهم أو عدم الإيمان برسالتهم، وكل ذلك كرد فعل على ما يفعله أو يقوله اليهود أو النصارى، ويظهر من خلال هذا المبدأ التربوي سماحة الإسلام وعدم تعصبه تجاه أهل الأديان.

(5) قوله تعالى: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). ليس المراد من قوله: (سمعنا) السماع الظاهر، فهذا لا يستحق الثناء والمديح لأنّ الكافر يفعله كما يفعله المسلم، وإنما المراد بقوله: (سمعنا) سماع العقل والفهم والقبول، أي: عقلنا ما قاله الله وعلمنا صحته وأيقنا بصدقه، وهذا كما قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد) (ق: 37). وكذلك قوله: (وأطعنا) ليست الطاعة كلمة تقال باللسان بل هي عمل بما أمر الله واتباع لما أنزل الله، والقول في هذا المجال ما هو إلا تعبير عن العمل، فمن لا يعمل بطاعة الله لا يحق له أن يقول: أطعنا، وإن قال ذلك فهو هازل أو لاعب أو جاهل، ومن قال: أطعنا فعليه أن يتمثل ذلك بالعمل والاتباع، فليتنبه لذلك من يقولون: سمعنا وهم لا يسمعون، ومن يقولون: أطعنا وهم لا يطيعون.

(6) قوله تعالى: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). هذا تربية وتعليم من الله للمؤمنين ما يقولونه ويفعلونه إذا أنزل الله عليهم أحكام شريعته أو سمعوا بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من العلماء الذين يعلمون الناس القرآن، وهو أيضا تحذير للمؤمنين من أن يقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلهم: سمعنا وعصينا، فيفعلوا كفعلهم، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (مسلم)، وقال تعالى يصف بني إسرائيل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (البقرة: 93)، وقال تعالى يرشدهم إلى السلوك القويم: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَم) (النساء: 46).

(7) قوله تعالى: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا). المدلول التربوي لهذا النص هو أنّ طلب الغفران يكون بعد الاستسلام والطاعة، وذلك أنّ الإنسان إذا أطاع الله فقد يصدر منه تقصير أو زلة أو خطأ أو نسيان، فعندها يكون الإقرار بالعجز وطلب المغفرة من الله، أما أن يطلب المغفرة من الله من لا يقوم بطاعته ومن لا يحاول ذلك فذاك أمر عجيب.

264

(8) قوله تعالى: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا). ولم يقل: غفرانك يا الله، لأنّ كلمة الرب مشتقة من التربية وهي تحمل معاني التربية والرعاية والتعهد بالإصلاح، وكل هذه المعاني لها دلالتها وإيحاؤها في مجال طلب المغفرة، فكأنّ طالب المغفرة يقول: كما ربيتني ورعيتني وتعهدت إصلاحي فاغفر لي تقصيري وزلتي وتفريطي، فهذه المغفرة من مستلزمات التربية.

(9) قوله تعالى: (وَإِلَيْكَ الْمَصِير). المدلول التربوي للإيمان بالمعاد إلى الله والمصير إليه يوم القيامة هو ما قاله الإمام الرازي في التفسير: «إنّ العبد متى علم أنّه لابد من المصير إليه ، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، كان إخلاصه في الطاعات أتم، واحترازه عن السيئات أكمل».

(10) قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا). لهذا القول مدلولات تربوية: (الأول) هذه الآية هي المخصصة لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) (البقرة: 284)، وهذا التخصيص هو تخفيف ورحمة من الله لعباده المؤمنين حيث تجاوز لهم عن حديث النفس، لأنه ليس بوسع الإنسان تجنبه وعدم الوقوع فيه، بل وأثابهم عليه ما لم يتحول إلى قول أو عمل. (والثاني) إنّ معنى هذه الآية هو: لا يكلف الله أحدا فوق طاقته، وهذا في مجال الأعمال، فلا يحاسب المؤمن على فعل أو قول لا يستطيعه، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم ومحبته لهم. (والثالث) وإنّ معنى هذه الآية هو: ما كلف الله الناس إلا ما يستطيعون، وهذا من الله ترغيب في فعل ما أمر به وترغيب في ترك ما نهى الله عنه، لأنّ ما أمر به يستطيعون فعله، ولو لم يكونوا يستطيعونه لما أمرهم به، ولأنّ ما نهاهم عنه يستطيعون تركه، ولو لم يكونوا يستطيعون تركه لما نهاهم عنه، ومن خلال هذا الفهم لهذا النص نجد أنه قد حسم الصراع الداخلي الذي قد ينشأ في داخل المسلم حيال فعل ما أمر الله به أو حيال ترك ما نهى الله عنه، وهو: هل يستطيع فعل الأمر أو ترك النهي أم لا؟ لقد حسم الصراع سلفا لأنّ الله ما كلف الناس إلا ما يستطيعون.

(11) قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت). ولهذا القول مدلولات تربوية: (الأول) يحمل هذا الكلام الترغيب والترهيب معا، فقوله تعالى: (لها ما كسبت) ترغيب في فعل الخير، وقوله تعالى: وعليها ما اكتسبت ترهيب من فعل الشر. (والثاني) استعمل للخير والترغيب (لها)، واستعمل للشر والترهيب (عليها)، فكأنّ فعل الخير كسب يحمل الإنسان وكأنّ فعل الشر اكتساب يحمله الإنسان فوق ظهره حتى يلقى الله به فيحاسبه عليه. (والثالث) عبّر عن الخير بالكسب وعبّر عن الشر بالاكتساب فأفاد معنى في غاية اللطف والدقة، وهو أنّ المسلم له أجر فعل الخير سواء فعله متعمدا أم مخطئا أم ناسيا أم مكرها عليه، وأنّ المسلم عليه وزر فعل الشر فقط إذا كان متعمدا للفعل، ولا يحمل وزر فعل الشر إن فعله مخطئا أم ناسيا أم مكرها، لأنّ لفظ الاكتساب هو افتعال من الكسب.

265

(12) قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين). هذا إرشاد من الله لعباده إلى الدعاء، وتعليم لهم كيفية هذا الدعاء، وبماذا يدعون الله، والألفاظ التي يدعون بها، لأنّ الدعاء طلب والطلبات كثيرة، وتقديم الأهم من آداب الدعاء، والدعاء هو العبادة وهو مخ العبادة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّ حقيقة الدعاء هي الإقرار على النفس بالعجز والحاجة والذلة، والإقرار لله تعالى بالقدرة والغنى والعزة، وهذا هو جوهر العبادة. والدعاء هو العبادة الأولى في الإسلام، وهو قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، لأنّ سورة الفاتحة من أوائل ما نزل، حيث نزلت قبل الفرائض وفيها الدعاء الأهم في الإسلام وهو (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين) (الفاتحة: 6ــ7).

(13) قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: نعم» وفي رواية «قال الله: قد فعلت» (مسلم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (ابن ماجة). فدلت هذه النصوص على رحمة الله بالناس إذ لم يعاقبهم على الأعمال أو الأقوال الصادرة عنهم بسبب الخطأ أو النسيان أو الإكراه، ولو شاء لحاسبهم فلا حق لهم عليه.

266

(14) قوله تعالى: (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا). قال ابن كثير في التفسير: ((أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعها في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: نعم»، وعن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: قد فعلت»، وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة». وقال الرازي في التفسير: ((قال المفسرون: إنّ الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم، قال الله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم) (النساء: 160)، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم) (النساء: 66)، وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر، وكان عذابهم معجلا في الدنيا كما قال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) (النساء: 47)، وكانوا يمسخون قردة وخنازير)). والحكمة التربوية في طلب المؤمنين للتخفيف هي أنّ التشديد يوقع في التقصير، والتقصير يوقع في العقوبة، والإنسان لا طاقة له بعقوبة الله ولا بعذابه، فكان لابد من هذا الطلب، طلب التخفيف والتسهيل في التكاليف.

(15) قوله تعالى: (وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا به). قيل: من التكاليف، وهو كقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وإنما جاء هنا كطلب من المؤمنين وجاء هناك كإجابة من الله، وله معنى آخر وهو (ما لا طاقة لنا به) من المصائب والبلايا، وقد تقدم في الحديث أنّ الله تعالى قال: نعم، وفي رواية قال الله: قد فعلت.

(16) قوله تعالى: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا). قال الإمام ابن كثير في التفسير: ((قوله (واعف عنا) أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا، (واغفر لنا) أي: فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مسارينا وأفعالنا القبيحة، (وارحمنا) أي: فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. ولهذا قالوا: إنّ المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أنّ الله قال: نعم، وفي رواية قال: قد فعلت)).

267

(17) قوله تعالى: (أنت مولانا). قال الإمام الرازي في التفسير: ((إنّ هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل نعمة يفوزون بها، فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونه متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيّمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قيّوم السماوات والأرض والقائم بإصلاح مهمات الكل وهو المتولي في الحقيقة للكل،كما قال: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير) (الأنفال: 40)، ونظير هذه الآية (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة: 257)، أي: ناصرهم، وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاه) (التحريم: 4)، أي:ناصره، وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُم) (محمد: 11)).

(18) قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين). جاء الدعاء بصيغة الجمع، ولهذه الصيغة مدلولات تربوية: (أولها) لما كان الدعاء طلب خير من الله فإنّ تعميم هذا الخير لكل المؤمنين أولى من قصره على الذات، لأنّ الأصل في الإيمان هو محبة الخير للإخوان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (البخاري). (والثاني) الدعاء بصيغة الجمع يعني التوسل بالإخوان المؤمنين في طلب الخير من الله، ولهذا التوسل أثره في إجابة الدعاء من الله، فقد يجيب الله دعاء المؤمن لا لذاته وإنما لإخوانه. (والثالث) صيغة الجمع في الدعاء تدل على أنّ قبول الدعاء عند اجتماع المؤمنين أكمل مما لو كانوا منفردين، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله مع الجماعة» (الترمذي)، فكيف يكون الحال إذا أجمعت هذه الجماعة على طلب الخير من الله؟!.

268