التفسير التربويالجزء 1 · ص 269 - 276

التفسير التربوي لسورة آل عمران

التفسير التربوي لسورة آل عمران

وردت في السنة النبوية أحاديث صحاح ترغب في قراءة هذه السورة مع سورة البقرة، لأنهما تحاجان عن صاحبهما وتشفعان له عند الله وتظلانه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن أهلهما يوم القيامة» (مسلم وأحمد)، الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفِرق: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامنة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو ظُلتان سوداوان بينهما شرقٌ أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما» (مسلم وأحمد).

269

الآية 1

قوله تعالى: ﴿الم﴾ (آل عمران: 1)

نعيد هنا ما قلناه في مطلع سورة البقرة عند الكلام على هذه الأحرف (الم): «الراجح في تفسير الأحرف المقطعة الواردة في أوائل السور هو أنها بعض حروف المعجم الثمانية والعشرين، استغني بذكرها عن ذكر باقي الأحرف، كما يقول الرجل: إنّ ابني يتعلم: أ ــ ب ــ ت ... وهو يقصد أنه يتعلم حروف المعجم، والحكمة من إيراد هذه الأحرف المقطعة هو تبيان إعجاز القرآن، إذ إنّ الناس يعرفون هذه الأحرف ولا يستطيعون تأليف سورة من القرآن المؤلف أساسا من هذه الأحرف. وقد تحدى القرآن المعارضين له أن يأتوا بمثله فما فعلوا، ورخص لهم في التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، ثم رخص لهم أيضا في التحدي بأن يأتوا بسورة من مثله فما فعلوا، ومن هنا ذكرت هذه الأحرف في بداية السور تذكيرا للمسلمين بأنّ القرآن معجزة خالدة ومستمرة. ومن هنا أيضا مفرق الطريق بين من آمن بالقرآن وبين من لم يؤمن به، فالإيمان يقوم على إعجاز يقيني لا يرقى إليه الشك، وتقرير هذه الحقيقة في بداية الطريق أساس في التربية الإسلامية كلها».

270

الآية 2

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (آل عمران: 2)

(1) قوله تعالى: (اللَّه). عَلم على الرب تبارك وتعالى، وهو الحقيقة الكبرى التي تملأ حياة المسلمين ووجدانهم، وهو اسم لم يسم به غيره، وهو اسم الله الأعظم لأنّ القرآن أجرى بقية الأسماء مجرى الصفات لهذا الاسم فقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (الحشر: 22ــ24)، ولأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية وفي مثيلتها من سورة البقرة: «إنّ فيهما اسم الله الأعظم» (أبو داود). ولو نظرنا في هاتين الآيتين لوجدنا ثلاثة أسماء: الله، الحي، القيوم، ولما أجرى القرآن بقية الأسماء مجرى الصفات للفظة (الله) دلّ ذلك على أنّ (الله) هو الاسم الأعظم، فمن دعا بهذا الاسم أجاب الله دعاءه، ما لم يكن مخلا بشروط الدعاء التي ذكرناها عند الكلام على قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان) (البقرة: 186).

(2) قوله تعالى: (لا إِلَهَ إِلَّا هُو). معناه: وحدانية الإله ووحدانية العبودية لله, والإيمان بهذه الوحدانية يورث في النفس الاستقرار والطمأنينة والسكينة والرضى, ويخلص الإنسان من الضياع والتشتت والتناقض والصراع والتمزق والخواء الروحي الذي كان يعيشه العرب قبل البعثة, ونقول: عندما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام كان الناس يعيشون حالة من الضياع في تصورهم عن الإله, فمشركو العرب كانوا يعبدون مئات الأصنام, واليهود والنصارى كانوا يعبدون الأحبار والرهبان والمسيح والعُزير, والمجوس يعبدون النار, والصابئة يعبدون الكواكب, وأكثر العرب ينكرون البعث يوم القيامة, وبعضهم يشك في وقوعه. وفي هذه الأجواء جاء الإسلام ليدعو الناس إلى وحدانية الإله, ووحدانية العبادة, ووحدانية المصدر الذي يتلقى منه الناس, ووحدانية المنهج الذي يسير وفقه الناس, ووحدانية الشريعة التي يدين بها الناس, فتمسك بذلك المؤمنون أشد التمسك, ألا ترى أنّ بلالا الحبشي رضي الله عنه كان يُعذب في الله وهو يقول: أحد ... أحد، فيزيدون في تعذيبه فيقول: أحد ... أحد، هكذا قبضوا على الوحدانية كما يقبض الإنسان على الجمر.

271

(3) قوله تعالى: (الحيّ القيّوم). يجمع المفسرون على أنّ مطلع سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزل في وفد نجران الذين كانوا على النصرانية, وجاءوا إلى المدينة فالتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان بينهم مناظرة وجدال, ولذلك قوله تعالى: (الحيّ القيّوم) فيه تلميح إلى ما يعتقده النصارى في المسيح أنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة مع اعتقادهم بصلبه وموته, فكيف يقوم العالم من دون الله؟. إنّ معنى (الحيّ القيّوم) هو أنّ الله قائم ولا زال بتدبير كل شيء, يرزقه ويكلؤه ويرعاه ويحفظه ويصرّفه من حال إلى حال, وهذا يورث في النفس الاطمئنان، وفي القلب الاستقرار، وفي العمل السكينة، وفيما يحصل للإنسان الرضى بقضاء الله وقدره, أما الاعتقاد بموت الإله أو احتمال موته أو أنه خلق الكون وتركه سدى كما يقول الفلاسفة, فإنّ ذلك يورث في النفس الخوف والقلق والاكتئاب.

272

الآيات 3-4

قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (آل عمران: 3-4)

(1) قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَق) مع قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيل). قال الإمام القرطبي: ((والقرآن نزل نجوما: شيئا بعد شيء فلذلك قال (نزّل) والتنزيل مرة بعد مرة, والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة ولذلك قال (وأنزل)). وقال الإمام الرازي: «وإنما خصّ القرآن بالتنزيل, والتوراة والإنجيل بالإنزال, لأنّ التنزيل للتكثير, والله تعالى نزّل القرآن نجما نجما, فكان معنى التكثير حاصلا فيه, وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة فلهذا خصهما بالإنزال». ولنزول القرآن منجما مدلولات تربوية: (الأول) تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاد أمته, خاصة في مواجه حملات التشكيك المتوالية من قبل اليهود والنصارى ومشركي العرب والمجوس, فكان كل نزول لآيات من القرآن يعادل معنويا نزول كتاب من الكتب السابقة, قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك) (الفرقان: 32). (والثاني) هناك حكمة تربوية إعجازية نبه إليها القرآن بقوله: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا) (الفرقان: 32)، لأن نزول القرآن لم يكن على هذا الترتيب الموجود في المصحف, فهناك ترتيب حسب أسباب النزول وهناك ترتيب توقيفي وهو الموجود في المصاحف, ومع ذلك فقراءة القرآن وفق ترتيبه التوقيفي يظهر وكأنه نزل جملة واحدة, وهذا من إعجاز القرآن. (والثالث) مواجهة ما يستجد من حوادث وما يطرأ من مشكلات خاصة التي تمس الدعوة, فهي حكمة واقعية, أي: إيجاد الحلول لمشاكل تحدث وليس افتراض حلول لمشاكل سوف تحدث, وإلى هذا المعنى أشار القرآن فقال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا) (الفرقان: 33). (والرابع) تعهد الله لهذه الأمة بالرعاية وصياغتها وفق المنهج الإلهي، وعدم تركها لتصوغ نفسها وفق كتاب مسبق، وإلى هذا المعنى أشار القرآن بقوله: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا) (الإسراء: 106)، وما أروع ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا» (البخاري)، والمراد بالمفصّل: السور القصيرة ابتداء من سورة ق وحتى نهاية القرآن.

273

(2) وقد أورد الإمام الرازي إشكالا على هذا الاستنباط (نزّل) و (أنزل) فقال: ((ولقائل أن يقول: هذا يشكل بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب) (الكهف: 1)، وبقوله: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَل) (الإسراء: 105)). قلت: حيث ورد (نزّل) فالمراد به ما ذكرنا من تنجيم القرآن، وحيث ورد (نزل) و (أنزل) فالمراد به النزول الأول: وهو نزول القرآن من علم الله إلى اللوح المحفوظ (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ) (البروج: 21ــ22)، أو النزول الثاني: وهو نزول القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وذلك في ليلة القدر من شهر رمضان كما ثبت ذلك عن ابن عباس من عدة طرق، وذلك معنى قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن) (البقرة: 185)، وقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر) (القدر: 1)، وعلى هذا يكون تنجيم القرآن هو النزول الثالث له.

(3) قوله تعالى: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْه). يدل على وحدانية المصدر بالنسبة للكتب السماوية، ويدل على طبيعة العلاقة بين رسل الله وكتب الله، فهي علاقة تصديق وتأييد وليست علاقة تكذيب وتناقض، وهذا المعنى يورث في النفس الاطمئنان إلى صحة ما يقوله القرآن، ويورث عدم التشكك في ضلال من فرّق بين كتب الله ورسل الله، فآمن برسول دون رسول وبكتاب دون كتاب، فالإيمان بالرسل واحد لا يتجزأ، إما أن تؤمن بالكل أو أن تكفر بالكل، ومن كفر بواحد من الرسل لعلة يراها فإنّ هذه العلة تلزمه الكفر بهم جميعا، ومن وصف واحدا من الرسل بالإلهية فعليه أن بصف الجميع بذلك لأنّ علة الوصف واحدة.

(4) قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان). أي: الآيات التي تفرق بين الحق والباطل، ولا فرقان إلا ما أنزل الله، ومن حاد عن فرقان الله فلن يجد لنفسه فرقانا ولن يطمئن في داخله ولن يستقر، وهذا حال المجتمعات الحاضرة والسابقة، فهي تأله العقل تارة ظنا منها أنه فرقان يطمئن إليه الإنسان ثم تكتشف أنه ليس كذلك، وتألّه العلم تارة ظنا منها أنه فرقان يزيل الشك والشبهات من النفس البشرية ثم تكتشف أنه ليس كذلك، وهكذا دواليك.

(5) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام). هذا وعيد شديد وترهيب أكيد لمن عاند الحق بعد وضوحه، وكفر بآيات الله بعد معرفته لها، وقوله: (عزيز) معناه: في سلطانه، لا يمنعه مانع إذا أراد إيقاع العذاب بمن كفر بآياته، وقوله: (ذو انتقام) معناه: ينتقم ويعاقب من كفر بآياته وأدلته على خلقه. ولعل قائلا يقول: نجد في هذه الآيات وغيرها ترهيبا شديدا وعقوبات كبيرة، فهلا أخذ القرآن الناس بالترغيب فقط أو بالترغيب وقليل من الترهيب؟. والجواب على ذلك: إنّ الله تعالى علم أنّ نظام العالم لا يقوم ولا ينتظم إلا بالترهيب الشديد، حيث لا تتحقق مصالح الناس إلا به، فمن هنا نفسر شدة الترهيب، ثم إنّ هذا الترهيب لابد من الجزم بإيقاعه من الله وإلا فقد هذا الترهيب مفعوله بمجرد الشك في وقوعه.

274

الآيات 5-6

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (آل عمران: 5-6)

(1) أخبر الله تعالى بكونه قيوما في الآيات السابقة، والقيوم هو القائم بمصالح الخلق ومنافعهم، وهذا لا يتم إلا بأمرين: (الأول) العلم بحاجات الخلق، وإليه أشار الله تعالى بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء). (والثاني) القدرة على إصلاح الخلق، وإليه أشار الله تعالى بقوله: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء). واعلم أنّ هاتين الصفتين هما الصفات التي يجب أن يتصف بها المربي تجاه من يقوم بتربيتهم، فالأولى وهي العلم، لابد للمربي أن يكون ملما بأحوال من يقوم بتربيته، مدركا لما يجول في نفسه، عالما بما يحتاجه كي يصل إلى طريق الصلاح، والثانية وهي القدرة، لابد أن يكون المربي قادرا على إصلاح من يقوم بتربيته، لأنّ الأساس في الإصلاح هو تغيير المنكر باليد وإقامة المعروف باليد، فإن كان عاجزا عن ذلك تحول إلى تغيير المنكر باللسان، وعندها يصبح داعيا إلى الله ويكف عن كونه مربيا.

(2) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء). لو قال تعالى: إنّ الله لا يخفى عليه شيء لتمّ المعنى، فلماذا قال: (في الأرض ولا في السماء)؟ قال الإمام الرازي: «الغرض من ذلك إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السماوات والأرض أقوى، وذلك لأنّ الحس يرى عظمة السماوات والأرض فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عز وجلّ، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، ولذلك فإنّ المعاني الدقيقة إذا أريد إيضاحها ذكر لها مثال، فإنّ المثال يعين على الفهم». قلت: يؤخذ من هذا الكلام ملاحظتان تربويتان: (الأولى) مشاركة حاسة النظر مع حاسة السمع أفضل من الاقتصار على إحداهما في عملية التربية والتعليم، لأنّ قوله تعالى: (إنّ الله لا يخفى عليه شيء) حصل للإنسان بالسمع، وقوله: (في الأرض ولا في السماء) يحصل للإنسان بالنظر. (والثانية) ضرب المثال على الكلام أفضل تربويا وتعليميا من الاقتصار على الكلام من دون مثال، وقوله تعالى: (إنّ الله لا يخفى عليه شيء) كلام، وقوله تعالى: (في الأرض ولا في السماء) مثال.

(3) قوله تعالى: (والأرحام). جمع رحم، والرحم مشتقة من الرحمة، ومعنى ذلك أنّ الاشتراك في الرحم يوجب إقامة العلاقة على أساس من الرحمة بين المتشاركين في الرحم، ومن هنا حذر الإسلام من قطع الرحم ورغب في وصلها، وفي الحديث القدسي: «يقول الله تعالى للرحم: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك» (البخاري).

275

الآية 7

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب﴾ (آل عمران: 7)

(1) قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات). الآيات المحكمات: ما لم تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والآيات المتشابهات: ما احتملت من التأويل أوجها متعددة.

نلمح في هذه الآية التحذير من مسلك أهل الزيغ في تأويل المتشابه من الآيات بما يتناقض مع المحكم منها، والدعوة إلى مسلك أهل العلم والهداية في تأويل المتشابه من الآيات بما يتفق مع المحكم منها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» (البخاري)، والحذر منهم يعني عدم مجالستهم أثناء اتباعهم للمتشابه إلا على سبيل تبيان ضلالهم وزيغهم وإحقاق الحق برد المتشابه إلى المحكم، فإن استطاع المسلم ذلك وجب عليه.

(2) قوله تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات). قد يسأل سائل فيقول: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن؟ ولماذا لا يكون القرآن كله محكما؟ والجواب: إنّ لوجود المتشابه في القرآن حكمتين تربويتين: (الأولى) تخليص الناس من التقليد، لأنّ المؤمن سوف يستعين بالاستدلال والنظر في رد المتشابه إلى المحكم وفي تأويل المتشابه تأويلا يتفق مع المحكم. (والثانية) ترغيب الناس في العلم، فلكي يستطيع المؤمن تأويل المتشابه تأويلا صحيحا عليه أن يتعلم طرق التأويل، وذلك لا يتم إلا بتحصيل علوم كثيرة، كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه وأصول التفسير.

(3) قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم). سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وحفّ بطنه وفرجه» (الطبري)، وقد ذكر الله الراسخين في العلم في هذه الآية على سبيل المدح والثناء، ثم حدد أوصافهم، فهم يقولون عن المحكم والمتشابه: آمنا به كل من عند ربنا، ويقولون: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويقولون: وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ويقرون بيوم القيامة، ويطلبون من الله انجاز وعده ووعيده، ثم حدد أوصافهم في الحديث السابق، والمدلول التربوي لهذا الأمر هو التربية بالقدوة، فالله تعالى أراد لنا التأسي بالراسخين في العلم والاقتداء بهم فذكرهم على سبيل المدح وحدد أوصافهم كما حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصافهم كذلك.

(4) قوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب). خصّ أولي العقول السليمة والأفهام السديدة بالتذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا البيان، فدلّ ذلك على ترغيب المسلمين بأن يكونوا منهم، وتحذيرهم من مسالك أهل الزيغ والضلال ذوي العقول المظلمة والأفهام المائلة.

276