التفسير التربويالجزء 1 · ص 2655 - 2662

الآيات 1-9

الآيات 1-9

قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُون﴾ (الدخان: 1-9)

(1) و (2) قوله تعالى: (حم. والكتاب المبين). فيه تربية على تعظيم القرآن وتعظيم الحروف التي يتألف منها القرآن، وفيه تأكيد على إعجاز القرآن من خلال هذا القسم. فهذه السورة كأخواتها الحواميم تبدأ بالحرفين الحاء والميم على سبيل القسم بهما وبالكتاب المبين المؤلف من جنسهما. وقد تكرر الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور، وإن كل حرف معجزة حقيقية أو آية من آيات الله في تركيب الإنسان، وقدرته على النطق به، وترتيب مخارج حروفه، والرمز بين اسم الحرف وصوته، ومقدرة الإنسان على تحصيل المعرفة من ورائه، وكلها حقائق عظيمة تكبر عند الإنسان كلما بعين البصيرة بعيدا عن النظر المألوف والمعتاد والروتيني الذي ليس فيه جديد. فقوله تعالى: (حم. والكتاب المبين) يعني: هذه حم والكتاب المبين كقولك هذا زيد والله، وقيل: تم الكلام عند قوله: (حم) ثم قال: (والكتاب المبين. إِنا أنزلناه)، وقيل: التقدير: وحم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه، فيكون ذلك في التقدير قسمين على شيء واحد. (حم) ابتدأت هذه السورة ببعض الحروف الصوتية على طريقة القرآن الكريم في افتتاح كثير من السور بمثل هذه الحروف. وقال أهل المعاني: الحاء تشير إلى حقِّه، والميم تشير إلى محبته، ومعناه: بحقي وبمحبتي لعِبادي وبكتابي العزيز إليهم أني لا أعذب أهل معرفتي بفرقتي. (والكتاب المبين) أقسم الله بالقرآن الكاشف عن الدين الحق، الموضح للناس ما يُصلح دنياهم وآخرتهم، إعلاما برفعة قدره. وقيل: المبين ما يحتاج الناس إليه من حلال وحرام وغير ذلك من الأحكام. وقيل: القرآن المظهر للحلال والحرام من الأقوال والأعمال والاعتقادات. وقيل: (المبين) لأنه بين مصالح المخلوقين وما يحتاجون إليه في الدين.

2655

(3ـ 8) قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم. رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين). فيه تربية على أن الزمان يشرف بما يحص فيه من الوقائع، فليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة، فشرف ليلة القدر لنزول القرآن فيها ولقضاء الأمور فيها، وذلك ما يكون إلى يوم القيامة. وفيه تربية على أنه تعالى لم يكن ليعاقب أحدا من دون إنذار وإعلام مع تخويف. وفيه تربية على أنه تعالى تعهد الناس بالرسالة السماوية ولم يترك لاجتهادهم في ذلك. وفيه تربية على أن الرسالة السماوية هي رحمة من الله تعالى بالناس. وفيه تربية وبيان وتصحيح تصور عما يتصف به تعالى من السمع والعلم والخلق والوحدانية والإحياء والإماتة. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: ((في بيان نظم هذه الآيات، اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه: (أحدها) بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته. (والثاني) بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه. (والثالث) بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته. أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه، وثانيها: أنه تعالى أقسم به على كونه نازلاً في ليلة مباركة، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف، وثالثها: أنه تعالى وصفه بكونه مبيناً وذلك يدل أيضاً على شرفه في ذاته. وأما النوع الثاني: وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة مباركة يقتضي شرفه وجلالته، ثم نقول إن قوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) يقتضي أمرين: (أحدها) أنه تعالى أنزله (والثاني) كون تلك الليلة مباركة فذكر تعالى عقب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما. أما بيان أنه تعالى لم أنزله؟ فهو قوله: (إنا كنا منذرين) يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران: (أحدهما) أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم، (والثاني) أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصا بشرف أنه إنما يظهر من عنده وإليه الإشارة بقوله: (أمرا من عندنا). وأما النوع الثالث: فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله، وذلك هو قوله: (إنا كنا مرسلين) فبيّن أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى، ثم بيّن أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله: (رحمة من ربك) وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، ثم بيّن أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم ويعلم أنواع حاجاتهم، فلهذا قال: (إنه هو السميع العليم). فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض)). فقوله تعالى: (إنا أنزلناه) يعني: القرآن، قال المفسرون: أنزل القرآن كله من أم الكتاب إلى بيت العزة في السماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أنزل نجماً نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب (في ليلة مباركة) والليلة المباركة هي ليلة القدر لقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر: 1)، ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب (إنا كنا منذرين) يعني: بهذا القرآن، والإنذار إلام مع تخويف. (فيها) يعني: في ليلة القدر (يفرق) يعني: يقدر ويقرر (كل أمر حكيم) يعني: كل شأن ذي حكمة، أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة. (أمرا من عندنا) والأمر هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده (إنا كنا مرسلين) يعني: تعهد الله تعالى البشرية بإرسال الأنبياء إليها. (رحمة من ربك) يعني: (إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك) فسمى الرسالة السماوية رحمة لأنها كذلك بالنسبة للبشرية، أي أرسلناه للرحمة (إنه هو السميع العليم) يعني: تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم، ويعلم حاجاتهم. (رب السماوات والأرض وما بينهما) يعني: الخالق لما ذكر (إن كنتم موقنين) يعني: إن كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل الرسل، وينزل الكتب، وقيل: الموقن هنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه. (لا إله إلا هو يحيي ويميت) يعني: هو خالق العالم، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء (ربكم ورب آبائكم الأولين) يعني: المالك لكم ولمن تقدم منكم.

2656

(9) قوله تعالى: (بل هم في شك يلعبون). فيه تحذير من الشك واللهو تجاه الحقائق الإيمانية والقواطع الربانية التي جاء القرآن لتقريرها والدعوة إليها. وفيه دعوة إلى الإيمان المتصف باليقين والجزم لأنه لا نجاة للناس إلا بذلك. وفيه تنفير من هذه الشريحة من الناس التي تقابل الدين بالشك والاستهزاء والجدال والمراء. فقوله تعالى: (بل هم في شك يلعبون) يعني: ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم، وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم، فهم في شك وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة. وقيل: (يلعبون) يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء، ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب، وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته.

2657

الآيات 10-11

(10) و (11) قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس هذا عذاب أليم). فيه دعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر من خلال ذكر علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة وهي الدخان، ومنها نزول عيسى عليه السلام المذكور في السورة السابقة الزخرف، ولعل الدخان من أول العلامات. وفي قوله تعالى: (يوم تأتي) ولم يستخدم القرآن التسويف بالسين أو سوف إشارة وإخبار عن دنو يوم القيامة واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب. فقوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) معناه: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين، وقيل: معناه احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين، ولذلك سمي الحافظ رقيبا. وأما الدخان فهو من أشراط الساعة لم يأت بعد، وهو يمكث في الأرض أربعين يوما، يملأ ما بين السماء والأرض، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: ﴿ما تذكرون﴾؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». وفي رواية: قال حذيفة: قلت: يا نبي الله، وما الدخان؟ قال: ((هذه الآية: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره)). (يغشى الناس) يعني: يغشى الدخان الناس، أي يصيبهم (هذا) يعني: ذلك (عذاب أليم) يعني: مؤلم. وقيل: هو إخبار عن دنو الأمر، كما تقول: هذا الشتاء فأعد له.

2658

الآيات 12-15

(12) و (13) و (14) و (15) قوله تعالى: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون. إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون). فيه تربية على أن من لم يؤمن في حال الشدة لم يؤمن في حال القهر، وأن المرء يشيب على ما شاب عليه. وفيه تنبيه على أن الكافرين لا يوفون بعهدهم، وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف. وفيه بيان أن مكذبي الأمم كانوا يتهمون أنبياءهم بالجنون إنكارا للنبوة وتخويفا للناس من الاحتكاك بالأنبياء. وفيه تربية على أن من لم يؤمن بالمعجزات القاهرة والبينات الباهرة التي أيد الله بها الرسل فإنه لا يؤمن لحصول أي علامة من علامات الساعة. فقوله تعالى: (ربنا اكشف عنا العذاب) يعني: يقولون: اكشف عنا العذاب (إنا مؤمنون) يعني: بك إن كشفته عنا. (أنى لهم الذكرى) يعني: من أين يكون لهم التذكر والاتعاظ عند حلول العذاب (وقد جاءهم رسول مبين) يعني: يبين لهم الحق. (ثم تولوا عنه) يعني: أعرضوا، وقيل: متى يتعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه، وقيل: كيف ينفعهم قولهم: (إنا مؤمنون) بعد ظهور أعلام الساعة، فقد صارت المعارف ضرورية (وقالوا معلم) يعني: علمه بشر أو علمه الكهنة (مجنون) يعني: ثم هو مجنون وليس برسول. (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) يعني: وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه.

2659

الآية 16

(16) قوله تعالى: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون). فيه تحذير من الكفر والموت عليه من خلال التنبيه على شدة يوم القيامة وشدة أهواله، وأن الاستمتاع بالدنيا مائة عام لا يعدل لحظة من لحظات الألم في ذلك اليوم. فقوله تعالى: (يوم) يعني: واذكر يوم (نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) يعني: ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش، والبطشة الكبرى هي عذاب جهنم.

2660

الآيات 17-19

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ (الدخان: 17-19)

(17) و (18) و (19) قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم. أن أدوا إليّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وأن لا تعلو على الله إني آتيكم بسلطان مبين). اعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم، بين هنا أن كثيرا من المتقدمين أيضاً كانوا كذلك، فبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون. وفيه بيان على أنه تعالى يعامل الأمم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم. وفيه تربية على إن إجابة الرسل إلى دعوتهم واجب الأداء شرعا وعقلا لأن الرسل يتصفون بالأمانة والصدق، وإنه لمن التناقض أن يصف القوم نبيهم بالصدق والأمانة قبل بعثته ثم يصفونه بعكس ذلك بعد أن يبعث نبيا ويرسل إليهم. فقوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) يعني: ابتليناهم، والابتلاء: الأمر بالطاعة، والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا، فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا (وجاءهم رسول) يعني: موسى عليه السلام (كريم) يعني: في قومه، وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح، وقيل: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام. (أن أدوا إلى عباد الله) يعني: اتبعوني (إني لكم رسول أمين) يعني: أمين على الوحي فاقبلوا نصحي، وقيل: أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. (وأن لا تعلوا على الله) يعني: لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته، وقيل: لا تبغوا على الله، وقيل: لا تفتروا على الله، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول (إني آتيكم بسلطان مبين) يعني: بحجة واضحة.

2661

الآيات 20-21

(20) و (21) قوله تعالى: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون). فيه بيان لقاعدة شرعية وهي اختيار أخف الضررين، فإذا ألزم الإنسان على فعل أحد الضررين فإنه يختار أخفهما، وإن كان له اختيار على أن لا يقع في أي منهما فإن ذلك هو الأصل. وفي هذه الآيات فإن موسى عليه السلام لم آيس من إيمان قومه فإنه طلب إليهم الضرر الأخف وهو اعتزال الحق مقارنة مع الضرر الأشد وهو الرجم باليد أو بالقول. فقوله تعالى: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله، وقيل: (ترجمون) بالحجارة، وقيل: باللسان وهو الشتم كالقول: ساحر أو كذاب. (وإن لم تؤمنوا لي) يعني: وإن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني (فاعتزلون) يعني: دعوني كفافا لا لي ولا علي، وقيل: كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا، وقيل: فخلوا سبيلي وكفوا أذاكم عني.

2662