التفسير التربويالجزء 1 · ص 2663 - 2670

الآيات 22-24

الآيات 22-24

(22) و (23) و (24) قوله تعالى: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون. فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون). وصف الله تعالى الكفار بالمجرمين حينما أراد المبالغة في ذمهم وذلك لأن الكافر قد يكون عادلا في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيجمع بين الكفر والظلم، وفيه تربية على أن دار الكفر ليست واحدة، فقد تكون دار كفر وعدل وقد تكون دار كفر وظلم، ويقال مثل ذلك في كل موضع عبر فيه القرآن عن الكفر بالظلم وعن الشرك بالظلم وإن كان الكفر ظلما للنفس في سائر الأحوال. وفي هذه الآيات تربية على أن سرعة الإجابة من الله ترتبط بشدة المحنة الواقعة في الناس، فكلما اشتدت المحنة كلما أوشكت على الانتهاء والزوال. وفيه تعليم من الله لعباده الكيد والتدبير بأن أمر موسى عليه السلام أن يترك البحر كما هو في حال مغادرته له مع قومه بني إسرائيل ليقع فيه فرعون وقومه. فقوله تعالى: (فدعا ربه) فيه اختزال، والتقدير: فكفروا فدعا ربه (أن هؤلاء قوم مجرمون) يعني: مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان. (فأسر بعبادي) يعني: فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي، أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل (ليلا) يعني: قبل الصباح (إنكم متبعون) يعني: من فرعون وقومه. (واترك البحر رهوا) يعني: طريقا سهلا، وقيل: ساكنا وهو المعروف في اللغة (إنهم) يعني: فرعون وقومه (جند مغرقون) أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه.

2663

الآيات 25-29

(25) و (26) و (27) و (28) و (29) قوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين). فيه تربية على أن نعيم الدنيا إلى زوال ولا يستمر ليوم القيامة ما لم يقترن بالإيمان. وفيه تهديد بالاستبدال لكل من يبلغه الإيمان ولم يؤمن. وفيه بيان أن دمار الكافرين غير مأسوف عليه لا من العقلاء ولا من الجمادات. وفيه بيان لأنسنة الأشياء من خلال نفي البكاء عن الأرض والسماء، وهذه الأنسنة قد تكون حقيقة وقد تكون مجازا. وفيه تحذير من عقاب الله تعالى لأنه لا إنظار فيه ولا مهلة، فإذا جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير. فقوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم) كم: للتكثير، والمعنى: تركوا كثيرا. (ونعمة) النعمة (بالفتح) التنعيم، والنعمة (بالكسر) اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك (كانوا فيها فاكهين) يعني: لاهين مازحين، وقيل: أشرين بطرين. والفاكهة: فضل عن القوت الذي لا بد منه. (كذلك) كان أمرهم فأهلكوا، وقيل: كذلك أفعل بمن عصاني (وأورثناها قوما آخرين) يعني: بني إسرائيل، ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. (فما بكت عليهم السماء والأرض) يعني: لم تبك على هلاكهم بسبب كفرهم (وما كانوا منظرين) يعني: أي مؤخرين عن الهلاك بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، ومعنى الآية أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يفقدهم أحد.

2664

الآيات 30-33

(30) و (31) و (32) و (33) قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين. من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين). اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه (العقاب) بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه (الثواب). وفيه تربية على أن دفع الضرر (العقاب) مقدم على إيصال النفع (الثواب) فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم ثم أتبع ذلك بأن بين إيصال النفع إليهم. وفيه تربية على النسبية حيث اختار الله تعالى أمة موسى عليه السلام على أهل زمانهم كما اختار أمة محمد صلى الله عليه وسلم على عالمي زمانهم. وفيه تربية على أنه تعالى يبتلي الناس بالنعمة كما يبتليهم بالنقمة حتى تظهر أمورهم ويتميز صادقهم عن كاذبهم. فقوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) يعني: مما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم، وتكليفهم الأعمال الشاقة. (من فرعون) بدل من العذاب المهين، أي نجيناهم من العذاب ومن فرعون (إنه كان عاليا) يعني: جبارا (من المسرفين) يعني: من الذين تجاوزوا كل حد وكل أحد. (ولقد اخترناهم) يعني: بني إسرائيل (على علم) يعني: على علم من الله بهم (على العالمين) يعني: عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران: 110). ثم قال: (وآتيناهم من الآيات) يعني: من المعجزات لموسى (ما فيه بلاء مبين) يعني: اختبار واضح، كإنجائهم من فرعون، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، والعصا واليد.

2665

الآيات 34-37

(34) و (35) و (36) و (37) قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون. إن هي إلا موتتنا الأولى ما نحن بمنشرين. فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين). قال الرازي في الترتيب التربوي لآيات هذه السورة: ((وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام، ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: (بل هم في شك يلعبون) (الدخان: 9) أي بل هم في شك من البعث والقيامة، ثم بيّن كيفية إصرارهم على كفرهم، ثم بيّن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم بيّن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث)). وفيه تربية على الحوار من خلال ذكر الشبهة والرد عليها، لأن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنا فاجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا، حتى يصير ذلك دليلا عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث. فكان الجواب أنهم لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، فلهذا السبب اقتصر الله تعالى على الوعيد. وفيه تربية على بطلان التحكم على الله بتحديد نوع الدليل أو شكله أو كيفيته. فقوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون) يعني: قريش ومن كان مثلهم من العرب. (إن هي إلا موتتنا الأولى) يعني: الموتة التي يموتها الناس هي الأولى والأخيرة (وما نحن بمنشرين) يعني: بمبعوثين. (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين) يعني: أحيوهم لنا حتى نؤمن بالبعث. وهذا القول من أضعف الشبهات، لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف، فكأنه قال: إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف، وهو كقول القائل: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء. (أهم خير أم قوم تبع أهلكناهم) هذا استفهام إنكار، أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. والمراد بتبّع ملوك اليمن، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة، فتبّع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وقيل: سميّ كل واحد منهم تبعا لأنه يتبع صاحبه (إنهم كانوا قوما مجرمين) يعني: كافرين بالله، والمراد عمومهم وليس كل واحد منهم.

2666

الآيات 38-39

(38) و (39) قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون). فيه تربية على الدليل القاطع في القول بالبعث والقيامة وهو خلق السماوات والأرض بالحق والقيام بأمرهما وتصريف أمورهما من حال إلى حال. وفيه بيان لبطلان التحكم على الله بطلب دليل محدد وإن كان طلب الدليل مشروعا في أصله، لأنهم لما طلبوا إحياء الموتى كدليل على القيامة أجابهم بأن الدليل على الإعادة هو البداية، فالبعث هو خلق ثان، والقادر على البداية قادر على الإعادة. فقوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) يعني: غافلين، وقيل: لاهين. (ما خلقناهما إلا بالحق) يعني: إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته (ولكن أكثرهم) يعني: أكثر الناس (لا يعلمون) ذلك.

2667

الآيات 40-42

قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُون﴾ (الدخان: 40-42)

(40) و (41) و (42) قوله تعالى: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم). لما ذكر الله تعالى في الآيتين السابقتين الدليل على إثبات القول بالبعث والقيامة وهو خلق السماوات بالحق، ذكر هنا يوم القيامة وفردية المسؤولية. وقد سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الفصل لأنه يفصل فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ولأنه يفصل في الحكم والقضاء بين عباده، ولأنه في حق المؤمنين يوم الفصل حيث يفصل بين المؤمن وبين ما يكرهه، ولأنه في حق الكافرين يوم الفصل حيث يفصل فيه بين الكافر وبين كل ما يريده، وقيل: إنه يظهر حال كل أحد كما هو فلا يبقى في حاله ريبة ولا شبهة فتنفصل الخيالات والشبهات وتبقى الحقائق والبينات. ولعل أهم ما في يوم الفصل هو الفصل بين الكافر وبين الشفاعة والنصرة. فقوله تعالى: (إن يوم الفصل) يعني: يوم القيامة، وسمي بذلك لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه (ميقاتهم أجمعين) يعني: ميقات الكل، كما قال تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا) (النبأ: 17) أي الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن، والفصل بينهما: فريق في الجنة وفريق في السعير، وهذا غاية في التحذير والوعيد. (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) والمولى: الولي وهو ابن العم والناصر، والمعنى: لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه (ولا هم ينصرون) يعني: لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته. (إلا من رحم الله) يعني: إلا من رحم الله فيغني عنه ويشفع وينصر (إنه هو العزيز) يعني: المنتقم من أعدائه (الرحيم) يعني: بأوليائه.

2668

(43ـ 50) قوله تعالى: (إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم. كالمهل يغلي في البطون. كغلي الحميم. خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم. ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم. ذق إنك أنت العزيز الكريم. إن هذا ما كنتم به تمترون). اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على أن القول بالقيامة حق، ثم أردفه بوصف ذلك اليوم ذكر عقيبه وعيد الكفار. وفي هذه الآيات تحذير للكافرين من أسوأ أنواع الطعام وهو الزقوم وأسوأ أنواع الشراب وهو الحميم، وأسوأ أنواع العذاب وهو حرق الجلود. فقوله تعالى: (إن شجرة الزقوم) وشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. (طعام الأثيم) يعني: الفاجر، قال القرطبي: ((قال همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا (إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم) والرجل يقول: طعام اليتيم، فلما لم يفهم قال له: (طعام الفاجر). قال أبو بكر الأنباري: حدثني أبي قال حدثنا نصر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: علم عبد الله بن مسعود رجلا (إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم) فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ، فلما رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام الفاجر؟ قال بلى، قال فافعل. قلت: ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره، لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبا للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم)). ثم قال: (كالمهل يغلي في البطون) والمهل: هو النحاس المذاب. (خذوه) يعني: يقال للزبانية خذوه، والمراد الأثيم (فاعتلوه) يعني: جروه وسوقوه، والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله أي تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية، عتلت الرجل إذا جذبته جذبا عنيفا (إلى سواء الجحيم) يعني: وسط الجحيم.(ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم) يعني: من الماء الذي انتهى حره. (ذق إنك أنت العزيز الكريم) يعني: يقال له ذلك على سبيل الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص، أي يقال له: إنك أنت الذليل المهان. (إن هذا ما كنتم به تمترون) أي تقول لهم الملائكة: إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.

2669

(51ـ 57) قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين. في جنات وعيون. يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين. كذلك وزوجناهم بحور عين. يدعون فيها بكل فاكهة آمنين. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم. فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم). اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على أن القول بالقيامة حق ، ثم أردفه بوصف ذلك اليوم ذكر عقيبه وعيد الكفار، ثم ذكر في هذه الآيات وعد الأبرار. وقد ذكرت هذه الآيات أنواع النعيم في الآخرة ترغيبا للناس في الإيمان والعمل الصالح كي يحص لهم هذا النعيم. ومن أنواع النعيم في الجنة: (الأول) المسكن، وإليه الإشارة بقوله: (في مقام أمين). (والثاني) أسباب النزهة، وإليه الإشارة بقوله: (في جنات وعيون). (والثالث) الملبس، وإليه الإشارة بقوله: (يلبسون من سندس وإستبرق). (والرابع) صفة الجلوس والاجتماع، وإليه الإشارة بقوله: (متقابلين). (والخامس) الزواج، وإليه الإشارة بقوله: (وزوجناهم بحور عين). (والسادس) المأكولات، وإليه الإشارة بقوله: (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين). فقوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين) لما ذكر مستقر الكافرين وعذابهم ذكر نزل المؤمنين ونعيمهم، والمقام: الإقامة، والأمين: الذي يؤمن فيه من الآفات. (في جنات وعيون) والجنات: البساتين، والعيون: هي عيون الماء. (يلبسون من سندس) والسندس: ما رق من الديباج (وإستبرق) والإستبرق: ما غلظ من الديباج، والديباج: الحرير (متقابلين) يعني: لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. (كذلك) أي الأمر كذلك الذي ذكرناه، فيوقف على (كذلك)، (وزوجناهم بحور عين) يعني: كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا، والحور: البيض، وهو جمع حوراء، والحوراء: البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها، كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون، والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العظيمة العينين، وقيل: إنما قيل لهن حور لحور أعينهن، والحور: شدة بياض العين في شدة سوادها. (لا يذوقون طعم الموت) لأنهم خالدون فيها (إلا الموتة الأولى) يعني: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا (ووقاهم عذاب الجحيم) يعني: منعه عنهم. (فضلا من ربك) يعني: فعل ذلك بهم تفضلا منه عليهم (ذلك هو الفوز العظيم) يعني: السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة.

2670