التفسير التربويالجزء 1 · ص 2815 - 2822

الآيات 25-28

الآيات 25-28

(25) و (26) و (27) و (28) قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين. فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم. إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم). فيه بيان إلى أن المؤمنين يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزداد لذة المؤمن حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة، ويزداد الكافر ألما حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم. وفيه بيان أن المؤمن يكون مشفقا على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما ينزل الجنة يعلم خطأه. فقوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) قيل: إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضا، وقيل: في الجنة (يتساءلون) يعني: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم. (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) يعني: قال كل مسئول منهم لسائله: إنا كنا في الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله. (فمن الله علينا) بالجنة والمغفرة، وقيل: بالتوفيق والهداية (ووقانا عذاب السموم) والسموم: اسم من أسماء النار، وطبقة من طباق جهنم، والأصل في السموم هو أنها الريح الحارة. (إنا كنا من قبل ندعوه) يعني: في الدنيا بأن يمن علينا بالمغفرة عن تقصيرنا، وقيل: ندعوه أي نعبده (إنه هو البر) يعني: اللطيف، وقيل: الصادق فيما وعد (الرحيم) يعني: بالمقصرين.

2815

الآيات 29-31

(29) و (30) و (31) قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فإني معكم من المتربصين). لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أن قوما يخافون الله ويشفقون في أهليهم أمر رسوله في هذه الآيات بالتذكير لأن هناك من يستفيد من هذا التذكير، ثم بين له أن واجبه بالتذكير قائم حتى لو لم يرى أن هناك من ينتفع، فليس له إلا الإتيان بما أمر به. وفيه تربية على نفي كونه صلى الله عليه وسلم كاهنا أو مجنونا أو شاعرا، وبيان لخطة الكافرين في حربه وهي التربص به حتى يكون وذلك خوفا من لسانه كما كانت عادتهم في التعامل مع الشعراء إذا اختلفوا معهم. وفيه تربية بالتهديد من خلال الأمر بالتربص والانتظار. فقوله تعالى: (فذكر) أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن (فما أنت بنعمة ربك) يعني: برسالة ربك (بكاهن) تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي (ولا مجنون) وهذا رد لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم. (أم يقولون شاعر) يعني: بل يقولون محمد شاعر (نتربص به ريب المنون) يعني: حوادث الدهر، أي: ينتظرون موته. (قل تربصوا) يعني: قل لهم يا محمد تربصوا أي انتظروا (فإني معكم من المتربصين) يعني: من المنتظرين بكم العذاب.

2816

الآية 32

(32) قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون). لما نفت الآيات السابقة وجود الدليل النقلي على بطلان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، نفت هذه الآية الدليل العقلي على ذلك، لأن العقل السليم لا ينفي النبوة كما لا ينفي وجود الله ووحدانيته. وفيه إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وفق العقل لا ينبغي أن يقال، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلا. فقوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم) يعني: عقولهم (بهذا) يعني: بالكذب عليك (أم هم قوم طاغون) يعني: أم طغوا بغير عقول. وقيل: (أم) بمعنى بل، أي بل كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق. وقيل: (أحلامهم) أي أذهانهم، لأن العقل لا يعطى للكافر ولو كان له عقل لآمن، وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة، والذهن يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي.

2817

الآيات 33-34

(33) و (34) قوله تعالى: (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين). فيه بيان لبطلان دعوى الكافرين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من عند نفسه وأن قولهم هذا لا يستند إلى العقل وإنما يستند إلى رفض الإيمان. وفيه تربية على بطلان كل مذاهب الكافرين في كل ما ادعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الكهانة والجنون والشعر وتقول القرآن حيث قال لهم: إن كان هو شاعرا ففيكم الشعراء البلغاء، وإن كان كاهنا ففيكم الكهنة الأذكياء، وفيكم من يرتجل الخطب والقصائد ويقص القصص، فإن كنتم صادقين فأتوا بمثل ما أتى به. وقد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه، فإن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثل ما يقرب منه عند التحدي، فإما أن يكون معجزا لفصاحته وهو مذهب أكثر أهل السنة، وإما أن يكون معجزا لصرف الله عقول العقلاء عن الإتيان بمثله وعقله ألسنتهم عن النطق بما يقرب منه، وهذا مذهب بعض المتكلمين ولا فساد فيه لأنه يعضد الدليل الآخر، والقرآن معجز بهما جميعا. فقوله تعالى: (أم يقولون تقوله) يعني: افتعله وافتراه، يعني القرآن، والتقول: تكلف القول، وإنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر (بل لا يؤمنون) جحدا واستكبارا. (فليأتوا بحديث مثله) يعني: بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم (إن كانوا صادقين) في أن محمدا افتراه.

2818

الآيات 35-37

(35) و (36) و (37) قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون). اعتبارا من هذه الآية ولتسع آيات قادمة تفتتح كل آية بحرف (أم) الذي يفيد الاستفهام الإنكاري والإضراب من أمر إلى أمر، وهذه الآيات كالسهام في دحض شبهات الكافرين وبيان أباطيلهم. وفيه إضراب انتقالي لإبطال نوع آخر من شبهاتهم في إنكارهم البعث، وذلك من خلال تقريرهم بأنهم خلقوا من العدم، فإن أقروا ذلك يقال لهم: إن النشأة الأخرى أهون من الأولى وهي ليست من العدم المحض. وفيه إضراب انتقالي آخر، فإذا كانوا يقرون بأنهم لم يكونوا الخالقين لأنفسهم أو غيرهم فإن إنكارهم للبعث على أساس نفي القدرة عن الله تعالى لا معنى له إلا إذا كانوا يقيسون قدرة الخالق بقدرتهم وهذا محال في العقل البشري. وإذا لم يُخلقوا من غير شيء ولا خلقوا السماوات والأرض، فما إنكارهم للبعث إلا عن عدم يقينهم في مظان اليقين، وهي الدلائل الدالة على إمكان البعث، وما إنكارهم إياه إلا عن مكابرة وتصميم على الكفر. وفيه رد على جحودهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال إبطال أن يكون لهم تصرف في شؤون الربوبية فيجعلوا الأمور على مشيئتهم كالمالك في ملكه، فالاستفهام إنكاري بتنزيلهم منزلة من عندهم خزائن الله يخلعون الخلع منها على من يشاؤون ويمنعون من يشاؤون. فقوله تعالى: (أم خلقوا من غير شئ) التقدير: أخلقوا من غير رب خلقهم وقدرهم، وقيل: من غير أم ولا أب، فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجة، ليسوا كذلك! أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة، وقيل: أم خلقوا عبثا وتركوا سدى (أم هم الخالقون) يعني: أيقولون إنهم خلقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر الله، وهم لا يقولون ذلك، وإذا أقروا أن ثم خالقا غيرهم فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث. (أم خلقوا السموات والأرض) يعني: ليس الأمر كذلك فإنهم لم يخلقوا شيئا (بل لا يوقنون) بالحق. (أم عندهم خزائن ربك) أم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويعرضوا عن أمره، وقيل: خزائن ربك المطر والرزق، وقيل: النبوة والرسالة يضعونها حيث شاؤوا (أم هم المصيطرون) يعني: المسلطون الجبارون. وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر: المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله، وأصله من السطر، لأن الكتاب يسطر والذي يفعله مسطر ومسيطر.

2819

الآيات 38-40

(38) و (39) و (40) قوله تعالى: (أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين. أم له البنات ولكم البنون. أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون). لما نفى أن يكون لهم تصرف في قدرات الله تعالى على عباده، أعقبه بنفي أن يكون لهم إطلاع على ما قدره الله لعباده إطلاعا يخولهم إنكار أن يرسل الله بشرا أو يوحي إليه. وسلك في نفي علمهم بالغيب طريق التهكم بهم بإنكار أن يكون لهم سلم يرتقون به إلى السماء ليستمعوا ما يجري في العالم العلوي من أمر تتلقاه الملائكة أو أهل الملأ الأعلى بعضهم مع بعض فيسترقوا بعض العلم مما هو محجوب عن الناس. ولما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة للغيب أعقب ذلك بإبطال نسبتهم البنات إلى الله تعالى أو القول عن الملائكة بأنهم بنات الله تعالى. وبعد أن أبطل وسائل اكتساب العلم بما زعموا عاد إلى إبطال الدواعي التي تحملهم على الإِعراض عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها أن يطلب النبي منهم الأجر على الدعوة إلى الله فيخافوا هذا الطلب. وفيه بيان للتلازم بين سؤال الأجر وبين تجهّم من يسأل والتحرج منه. فقوله تعالى: (أم لهم سلم) يعني: أيدعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعد ا وسببا (يستمعون فيه) يعني: عليه الأخبار ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي (فليأت مستمعهم بسلطان مبين) يعني: بحجة بينة أن هذا الذي هم عليه حق. والسلم: واحد السلالم التي يرتقى عليها. (أم له البنات ولكم البنون) سفه أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا، والمعنى: أتضيفون إلى الله البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا فلا يستبعد منه إنكار البعث. (أم تسألهم أجرا) يعني: على تبليغ الرسالة (فهم من مغرم) يعني: فهم من المغرم الذي تطلبهم به (مثقلون) مجهدون لما كلفتهم به.

2820

الآيات 41-43

(41) و (42) و (43) قوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون. أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون. أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون). وفيه تربية من خلال الاستفهام الإنكاري عن أن يكونوا يعلمون الغيب فهم يكتبونه ويتكلمون بما فيه. وفيه انتقال من نقض أقوالهم وإبطال مزاعمهم إلى إبطال نواياهم وعزائمهم في الكيد للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولدعوة الإِسلام من الإِضرار والإِخفاق، وفي هذا كشف لسرائرهم وتنبيه للمؤمنين للحذر من كيدهم. وفي آخر سهم من السهام في هذه الجولة الحوارية مع المشركين نجد النفي لشركهم وتنزيه الله تعالى عن الشرك والندية، وقد جاء هذا النفي بعد التذليل له بنفي مجموعة من المعتقدات التي تنبثق عنه. فقوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) يعني: يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب. وقيل: أي أم عندهم علم ما غاب عن الناس حتى علموا أن ما أخبرهم به الرسول من أمر القيامة والجنة والنار والبعث باطل. (أم يريدون كيدا) يعني: مكرا بك في دار الندوة (فالذين كفروا هم المكيدون) يعني: هم الممكور بهم. (أم لهم إله غير الله) يخلق ويرزق ويمنع (سبحان الله عما يشركون) نزه نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل: كل ما في سورة (والطور) من ذكر (أم) فكلمة استفهام وليس بعطف.

2821

الآيات 44-46

(44) و (45) و (46) قوله تعالى: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم. فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون. يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون). فيه بيان لعناد الكافرين حتى في الأمور المحسوسة بالرؤية فهم ينفون السحاب الذي يحمل العذاب ويقولون عنه سحاب يحمل المطر وإن كانوا يرونه نهارا جهارا. وفيه تربية على أن الكفر يعمي القلب والظلم يعمه الفؤاد. وفيه أمر تهديد لهم بتركهم حتى تقوم قيامتهم بالموت أو تقوم القيامة العامة بالموت أيضا. وفيه بيان أنه التدبير يمها لا فائدة منه وأن الكيد لا يغني من العذاب شيئا وأن الكافرين لا ناصر لهم ولا شفيع. فقوله تعالى: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا) يعني: قطعة من السماء (يقولوا سحاب مركوم) يعني: بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء، وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى عليه التقليد، وكان في المشركين القسمان. (فذرهم) يعني: فدعهم (حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) يعني: يموتون. قيل: هو يوم بدر، وقيل: هو يوم النفخة الأولى، وقيل: هو يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم. (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا) يعني: ما كادوا به النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا (ولا هم ينصرون) من الله.

2822