التفسير التربويالجزء 1 · ص 2807 - 2814

الآيات 56-58

الآيات 56-58

(56) و (57) و (58) قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). إنه تعالى لما قال في الآية السابقة: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، بين هنا أهم قاعدة في التذكير وهي أن الخلق ليس إلا للعبادة، والمقصود من إيجاد الإنسان العبادة، فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان. ولما كان شغل الأنبياء منحصرا في أمرين: عبادة الله وهداية الخلق، فإنه تعالى بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها. وفيه تربية أنه تعالى لم يخلق الخلق للحاجة عنده فإنه منزه عن الحاجات وإنما خلقهم ليعطيهم حاجاتهم ومنها الرزق، فما ينبغي أن يشغل المؤمن عن عبادته طلب الرزق لأنه تعالى تكفل برزق الأحياء. فقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون وقيل: (إلا ليعبدون) أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها، وتقدير الكلام أن دور الناس في الحياة هو العبادة، وليس أن الله محتاج لعبادتهم. (ما أريد منهم من رزق) يعني: رزقا (وما أريد أن يطعمون) لأنه تعالى منزه عن الحاجات. (إن الله هو الرزاق) يعني: كثير الرزق (ذو القوة) يعني: القوي (المتين) يعني: الشديد.

2807

الآيات 59-60

(59) و (60) قوله تعالى: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون. فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون). فيه ترهيب للذين يعبدون غير الله بالعقوبة الدنيوية كالهلاك والاستئصال وترهيب بالعقوبة الأخروية وهي النار، وذلك لأن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالما، ولما كان الناس مخلوقين للعبادة، فإن الذين ظلموا بعبادة غير الله لهم هلاك مثل هلاك من تقدم. فالشيء الذي لا منفعة فيه إتلافه أولى من بقائه. فقوله تعالى: (فان للذين ظلموا) يعني: كفروا (ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم) يعني: نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة، وأصل الذنوب في اللغة: الدلو العظيمة (فلا يستعجلون) يعني: فلا يستعجلون نزول العذاب بهم. (فويل للذين كفروا) يعني: الهلاك والدمار لهم (من يومهم الذي يوعدون) في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين.

2808

التفسير التربوي لسورة الطور

قال القرطبي في التفسير: «سورة الطور مكية كلها في قول الجميع. وهى تسع وأربعون آية. روى الأئمة عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب. متفق عليه».

وقال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية. ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة، إذ في آخر تلك: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون) وقال هنا: (إن عذاب ربك لواقع)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة تمثل حملة عميقة التأثير في القلب البشري، ومطاردة عنيفة للهواجس والشكوك والشبهات والأباطيل التي تساوره وتندس إليه وتختبئ هنا وهناك في حناياه، ودحض لكل حجة وكل عذر قد يتخذه للحيدة عن الحق والزيغ عن الإيمان. حملة لا يصمد لها قلب يتلقاها، وهي تلاحقه حتى تلجئه إلى الإذعان والاستسلام! وهي حملة يشترك فيها اللفظ والعبارة، والمعنى والمدلول، والصور والظلال، والإيقاعات الموسيقية لمقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطا لاذعة للحس لا تمهله لحظة واحدة من البدء إلى الختام!».

2809

الآيات 1-10

قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (الطور: 1-10)

(1ـ 8) قوله تعالى: (والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع. والبحر المسجور. إن عذاب ربك لواقع. ما له من دافع). في المدلول التربوي للقسم الذي افتتحت به بعض السور نقول: إن المراد من القسم تحقيق المقسم عليه وتأكيد وقوعه، وقد أقسم الله بعظيم من مخلوقاته، وهو في المعنى قسم بقدرته وحكمته، يتضمن تشريف تلك المخلوقات بما في أحوالها من نعم ودلالة على الهدى والصلاح، وضمن ذلك تذكير بنعمة الله فيما أوجد فيها. وعطف تلك الأشياء بالفاء يقتضي تناسبها وتجانسها، فيجوز أن تكون صفات لجنس واحد وهو الغالب في عطف الصفات بالفاء، ويجوز أن تكون مختلفة إلا أنها متقاربة متجانسة. فقوله تعالى: (والطور) الطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى، أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه من الآيات. (وكتاب مسطور) يعني: مكتوب، أي القرآن، وقيل: سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، وقيل: صحائف الأعمال. (في رق منشور) والرق: هو الصحيفة لرقة حواشيها، والرق: العظيم من السلاحف. (والبيت المعمور) يعني: الكعبة، بيت الله الحرام الذي هو معمور من الناس، وقيل: البيت المعمور في السماء السابعة، والذي في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء: «ثم رفع إلي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذ اخرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم» (مسلم). وقوله: (والسقف المرفوع) يعني: السماء سماها سقفا، لأنها للأرض كالسقف للبيت، وقيل: هو العرش وهو سقف الجنة. (والبحر المسجور) يعني: الموقد، لأن البحار تسجر يوم القيامة، وقد أثبت الاكتشاف العلمي أن من البحار ما يسجر في الدنيا وذلك حين حصول البراكين في أعماق البحار، وقيل: المسجور المملوء. (إن عذاب ربك لواقع) يعني: واقع بالمشركين في الدنيا أو الآخرة أو كليهما، وهذا جواب القسم. (ما له من دافع) يعني: ما من أحد يمنع وقوع عذاب الله تعالى لأنه قضاؤه وقدره.

(9) و (10) قوله تعالى: (يوم تمور السماء مورا. وتسير الجبال سيرا). فيه بيان لقدرته تعالى على التصرف بالكون بما ينسجم مع مصالحهم، وذلك أن السماء تمور والجبال تسير إيذانا وإعلاما بأنه لا عود إلى الدنيا ، وذلك لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها، فإن لم يتفق لهم عود لم يبق فيها نفع فأعدمها الله تعالى. فقوله تعالى: (يوم تمور السماء مورا) والمور: التحرك جيئة وذهابا، وقيل: يموج بعضها في بعض. (وتسير الجبال سيرا) يعني: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض. وقيل: تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا.

2810

الآيات 11-14

(11) و (12) و (13) و (14) قوله تعالى: (فويل يومئذ للمكذبين. الذين هم في خوض يلعبون. يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون). فيه ترهيب من التكذيب بالحقائق الإيمانية أو التعامل معها على سبيل الاستهزاء والخوض من خلال الوعيد بالنار والعذاب في جهنم. فقوله تعالى: (فويل) كلمة تقال للهالك، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، وقيل: الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لذابت من شدة حره (يومئذ للمكذبين) يعني: يوم القيامة. (الذين هم في خوض يلعبون) يعني: في تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب، وقيل: (في خوض) في أسباب الدنيا (يلعبون) أي لا يذكرون حسابا ولا جزاء. (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) يعني: يدفعون إلى جهنم بشدة وعنف. (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) يعني: في الدنيا.

2811

الآيات 15-16

(15) و (16) قوله تعالى: (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون). فيه تربية على إثبات الحقيقة من خلال نفي السحر ونفي الخلل في الرؤية، وذلك لأن من يرى شيئا ولا يكون الأمر على ما يراه، فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين: إما لأمر عائد إلى المرئي، وإما لأمر عائد إلى الرائي. وفيه تربية على عبثية الصبر في الآخرة على العذاب والألم، وذلك لعدم الخلاص وانتفاء المناص، فإن من لا يصبر يدفع الشيء عن نفسه، إما بأن يدفع المعذب فيمنعه، وإما بأن يغضبه فيقتله ويريحه، ولا شيء من ذلك يفيد في عذاب الآخرة. وفيه بيان على ما يتفاوت به عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا، فإن المعذب في الدنيا إن صبر ربما انتفع بالصبر وأما في الآخرة فلا مدح ولا ثواب على الصبر. فقوله تعالى: (أفسحر هذا) استفهام ومعناه التوبيخ والتقريع، أي يقال لهم: (أفسحر هذا) الذي ترونه الآن بأعينكم (أم أنتم لا تبصرون) يعني: بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون. (اصلوها) يعني: تقول لهم الخزنة ذوقوا حرها بالدخول فيها (فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم) يعني: سواء عليكم الجزع والصبر فلا ينفعكم شيء (إنما تجزون ما كنتم تعملون) وهذه قاعدة الحساب في اليوم الآخر.

2812

الآيات 17-20

(17) و (18) و (19) و (20) قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم. كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون. متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين). فيه تربية بالترغيب بعد الترهيب وبالثواب بعد العقاب كما هي عادة القرآن في بيان حال المؤمن بعد بيان حال الكافر، وذكر الثواب عقب ذكر العقاب، ليتم أمر الترهيب والترغيب. وفيه بيان أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المسكن وهو الجنات، ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط، ثم الأزواج، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله. وفيه تربية على أن الجزاء من جنس العمل، فمع أنه تعالى يدخل الناس إلى الجنة بفضله، وأن منته على الناس هي في توفيقهم إلى الأعمال الصالحة في الدنيا، وأما في الآخرة فلا منة له عليهم وإنما إنجاز الوعد بدخول الجنة على أساس العمل، وكذلك يدخل الكافرون النار على أساس العمل. فقوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونعيم) لما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين أيضا، والجنات: البساتين. (فاكهين) يعني: ذوي فاكهة كثيرة، يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، وقيل: معناه معجبين (بما آتاهم ربهم) يعني: أعطاهم (ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) يعني: منعهم من دخوله. (كلوا واشربوا) يعني: يقال لهم ذلك (هنيئا) والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر (بما كنتم تعملون) يعني: بسبب أعمالكم الصالحة. (متكئين على سرر) والسرر: جمع سرير، وفي الكلام حذف تقديره: متكئين على نمارق سرر (مصفوفة) يعني: موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا (وزوجناهم بحور عين) يعني: قرناهم بهن.

2813

الآيات 21-24

(21) و (22) و (23) و (24) قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين. وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون. يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم. ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون). فيه تربية على أن الإنسان ينتفع بعمل غيره في الآخرة إذا كان بينهما رابط الذرية، وذلك أن الولد إذا دخل الجنة وكان بينه وبين أبيه فرق في المرتبة ألحق الله تعالى صاحب المرتبة الأدنى بصاحب المرتبة الأعلى، وذلك رحمة من الله تعالى بهذه الرابطة وهي رابطة الأبوة والبنوة. وفيه بيان أن هذه الزيادة في المرتبة يتبعها زيادة في النعيم من حيث الطعام والشراب والفاكهة والخدمة وذلك لكرمه تعالى ورحمته بالمؤمنين. وفيه بيان أن الله يجمع للمؤمنين أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. فقوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) قال المفسرون: إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقر بهم عينه، وفي رواية: إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء، فالآباء داخلون في اسم الذرية (وما ألتناهم من عملهم من شيء) يعني: ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذرية بهم (كل امرئ بما كسب رهين) وهو عام فكل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله، وأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من الله. (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) يعني: أكثرنا لهم من ذلك زيادة من الله، فأمدهم بها غير الذي كان لهم. (يتنازعون فيها كأسا) يعني: يتناولها بعضهم من بعض، والمراد المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة، والكأس: إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره (لا لغو فيها) يعني: في الكأس أي لا يجري بينهم كلام باطل، وقيل: في الجنة (ولا تأثيم) يعني: ولا ما فيه إثم وهو الكذب. (ويطوف عليهم غلمان لهم) يعني: بالفواكه والتحف والطعام والشراب (كأنهم) في الحسن والبياض (لؤلؤ مكنون) يعني: مصون في الصدف.

2814